
وبعدين خطوة كمان..
جزمته المعلمة وقفت على بعد خطوتين منهم.
وبدال ما يجعور، وبدال ما يصرخ ويرمي سعاد وبنتها بره البيت والشارع كله.. الحاج منصور عمل حاجة عمر ما راجل في الصالون ده شافها بتتعمل طوال حياته..
نزل على ركبة واحدة في الأرض.
الصالون كله اتسحب منه الهواء.
بقى وشه في نفس مستوى عينين مريم الصغيرة.
«انتِ اسمك إيه يا شاطرة؟»
مريم بصت لأمها سعاد.
سعاد هزت رأسها بالراحة وهي بترتعش.
«مريم..»
زور الحاج منصور اتحرك بالعافية وهو بيبتلع ريقه:
«مريم إيه؟»
«مريم.. أحمد عبد السلام.»
فضل يبص في وشها ورسمته بتركيز شديد.
وبعدين بص على ضفايرها السودا.
وبعدين على مريلة المطبخ المايلة اللي لابساها فوق فستانها.
ولما لسانه اتكلم تاني.. كان صوته خالي تماماً من أي هيبة أو جبروت، وقال بصوت مكسور:
«انتِ بتفكريني بحد غالي أوي عليّا…»
الرجالة القاعدين على الترابيزة كان فاضل تكية وعيونهم تطلع من مكانها. الحاج منصور القناوي.. الراجل اللي كلمته بتهز السيدة زينب كلها، ونازل على ركبته في الأرض قدام بنت الشغالة!
الحاج منصور مد إيده المرتجفة بالراحة لمس ضفيرة مريم، وقال بصوت مخنوق بالدموع:
«كنت عندي بنت في نفس سنك وشقاوتك.. اسمها نورة. كانت دايماً تقول لي نفس كلامك ده لما تشوفني زعلان أو شديد مع الناس.. بس أعدائي حرموني منها زمان، ومن يومها وقلبي اتعمى وبقيت قاسي.»
الصالون كله بلم ومحدش قادر ينطق.
الحاج منصور بص للراجل صاحب السلسلة الدهب بقلبة وش ترعب، وقال بصوت زلزل القعدة:
«انت تزعل سعاد وتمد إيدك عليها في بيتي يا شريف؟ قوم اقف مكانك!»
شريف قام وقف ورجليه بتخبط في بعضها من الخوف، وشه بقى أصفر زي الليمونة.
الحاج منصور قال بصرامة:
«تتأسف لسعاد قدام الرجالة كلها، وتاخد بعضك وما تورينيش وشك في بيتي ولا في شغلي تاني خالص.. قليل الأدب والمروءة ملوش مكان وسط الرجالة!»
شريف وِطى راسه في الأرض وقال بصوت واطي:
«حقك عليا يا سعاد هانم.. سامحيني يا أمي.»
وما صدق نطق الكلمة وجري طلع بره البيت.
الحاج منصور بص لمريم وابتسم ابتسامة دافية ما حدش شافها على وشه من تلاتين سنة، وقال لها:
«كلامك صح يا مريم.. الكباره بجد هو اللي ياخد حق الضعيف ويطعم الغلبان.»
ومن اليوم ده، حياة سعاد ومريم اتغيرت تماماً. الحاج منصور تكفل بتعليم مريم في أحسن مدارس، وخصص لها ولأمها شقة ملك باسمهم، وبقت مريم هي الحفيدة المقربة اللي بتقعد جنبه على رأس الترابيزة، وما حدش يقدر يكسر لها كلمة.
وعرف الحاج منصور إن ربنا بعت له البت الصعننة دي عشان ترجع لقلبه الميت الحياة.. وتفكره إن القوة الحقيقية مش في الجبروت والفلوس، لكن في الرحمة ونظافة القلوب.
السنين مرت زي الثواني.. ومريم كبرت وبقت عروسة زي الفل وتخرجت من كلية الطب بدرجة امتياز، وحققت حلم أمها سعاد وحلم الحاج منصور اللي كان بيشوف فيها بنته نورة الله يرحمها.
في يوم حفل تخرج مريم، الحاج منصور—رغم إنه كبر في السن ورجليه بقت تشيله بالعافية—أصر يروح بنفسه مع سعاد عشان يحضر تكريمها.
ولما عميد الكلية نادى اسم “دكتورة مريم أحمد عبد السلام”، وقفت مريم على المسرح قدام الألاف، وأول ما مسكت المايك وقبل ما تقول أي حاجة عن دراستها، بصت في وسط القاعة على الحاج منصور اللي كان قاعد في أول صف والدموع في عينيه.
قالت مريم بصوت هز القاعة كلها:
«الشهادة دي والنجاح ده كله إهداء لإثنين.. لأمي سعاد اللي تعبت وشقيت عليا، وللراجل العظيم اللي علمني من وأنا حتة بت صغيرة معنى الشجاعة والأصول.. الحاج منصور القناوي. الراجل اللي أخد بإيدنا من الضلمة للنوّر ولما الدنيا كلها وقفت ضدنا كان هو الضهر والسند.»
القاعة كلها قامت وقفت وسقفت بحرارة، والحاج منصور مسح دموعه بكهولة وإيده بتترعش، ولأول مرة حس إن ربنا عوضه عن كل الوجع والسنين المرار اللي عاشها، وإن البت الصغيرة اللي دخلت عليه من سنين وزعقت في وشه، هي اللي رجعت لبيته ولحياته الروح من تاني.
ولما رجعوا البيت بالليل، اتجمعوا كلهم على ترابيزة واحدة كبيرة—زي ما مريم كانت بتطلب منه زمان—ولف الحاج منصور دراعه حولين سعاد ومريم وقال بابتسامة صافية:
«أنا دلوقتي بس أقدر أقابل ربنا وأنا مرتاح.. عشان عرفت إن السر مش في إنك تكون كبير بيهابوك الناس، السر إنك تسيب أثر طيب يخلي الناس تدعيلك بعد ما تمشي.»
بعد كذا سنة، الحاج منصور القناوي انتقل لجوار ربه في هدوء وسكينة، والمنطقة كلها خرجت في جنازته، من أول أعتى المعلمين لغاية أصغر طفل في الحارة.
الناس كلها كانت بتتكلم عن التحول الكبير اللي حصل في حياته في أواخر أيامه، وكيف تحول من رجل يهابه الجميع لقسوته، لرجل يحبه الجميع لرحمته وعدله.
مريم بقت الدكتورة مريم، وفتحت عيادة مجانية في قلب السيدة زينب بعلم ودعم من وصية الحاج منصور، تسميها “عيادة نورة للخير”، عشان تعالج الغلابة وأهل المنطقة من غير ما تاخد منهم مليم.
وفي يوم من الأيام، وهي قاعدة في عيادتها بتكشف على أطفال الحارة، دخلت عليها ست بسيطة ومعاها بنتها الصغيرة.. البت كانت خايفة ومتشبثة في هدوم أمها.



