
وقفت مكاني كأني اتسمّرت في الأرض. بصيت لوشه. ملامحه كانت أكبر من اللي فاكرها، شعره فيه خصلات بيضا، وعلى خده ندبة طويلة نازلة لحد فكه. بس عينيه… العينين دول مستحيل أنساهم. «عادل؟» اسمه خرج من بُقي همس. هو ما ردش. فضل واقف في الضلمة، وبصلي كأنه هو كمان مش مصدق إنه واقف قدامي.
ملك استخبت ورايا.
«ماما… هو ده بابا؟»
عادل بص لها.
وأول ما عينيه وقعت عليها، ملامحه اتكسرت.
مد إيده ناحيتها.
«ملك…»
البنت رجعت لورا وهي بتعيط.
«إنت عايز مني إيه؟»
عادل وقف مكانه.
صوته كان مبحوح.
«أنا مش جاي أخدك غصب عنك.»
محمود وقف بينه وبيننا.
«ارجع يا عادل.»
عادل ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة.
«لسه بتديني أوامر يا محمود؟»
محمود قال:
«أنا عارف أنت جيت ليه.»
«لأ، إنت مش عارف.»
عادل قرب خطوة.
«أنا جيت عشان أصلح اللي إنت بوظته.»
بصيت لمحمود.
«قول الحقيقة.»
محمود سكت.
صرخت:
«قول الحقيقة يا محمود!»
عادل رد مكانه:
«الحقيقة إن محمود ماكانش هو اللي قتلني.»
محمود رفع عينيه ليه.
عادل كمل:
«بس هو ساعدهم يختفوني.»
حسيت الدنيا بتضيق حواليا.
«مين هما؟»
عادل بصلي.
«الناس اللي كنتِ فاكرة إنهم مجرد شركاء شغل.»
سألته:
«إنت بتتكلم عن إيه؟»
قرب مني، لكن وقف على مسافة.
«فاكرة إن شغلي كان تجارة؟»
هزيت راسي ببطء.
«أيوه.»
«كان ده اللي أنا خليتك تصدقيه.»
اتصدمت.
«يعني إيه؟»
قال:
«كنت شغال مع ناس خطرين. ولما حاولت أخرج منهم، خدوا قرار إن ملك تبقى وسيلة ضغط عليا.»
بصيت لبنتي.
«ملك؟»
هز راسه.
«قبل ما تتولد بأيام، عرفت إنهم عرفوا بالحمل.»
محمود قال بعصبية:
«عادل، كفاية.»
عادل لف له.
«إنت آخر واحد له حق يقول كفاية.»
وبعدين رجع بصلي.
«ليلة الحادثة، محمود اتصل بيا وقال إنهم عرفوا مكانك.»
صوتي اتقطع.
«وبعدين؟»
«قالي أختفي لو عايزك إنتِ وملك تعيشوا.»
«فصدقت؟»
«ماكانش عندي اختيار.»
قلت:
«بس محمود قاللي إنك مت.»
عادل سكت.
وبعدين قال:
«لأنهم كانوا لازم يصدقوا إنك مصدقة إني ميت.»
دموعي نزلت.
«ست سنين يا عادل.»
صوته انكسر.
«عارف.»
«ست سنين وأنا عايشة وأنا فاكرة إنك مت.»
«عارف.»
«بنتك كبرت من غير أبوها.»
عادل بص لملك.
«عارف.»
صرخت:
«لأ! إنت مش عارف!»
ملك بدأت تعيط.
«ماما، أنا خايفة.»
جريت عليها وحضنتها.
عادل فضل واقف مكانه.
وشه كان مليان وجع.
لكن فجأة محمود قال:
«عادل… الرسائل دي مش منك.»
عادل بص له.
«عارف.»
اتجمدت.
«يعني إيه؟»
عادل قال:
«أنا ما بعتش لك أي رسالة.»
بصيت للموبايل.
«بس نفس صوتك.»
«أنا عارف.»
«والصورة؟»
«الصورة متاخدة من عندكم.»
محمود قال:
«يبقى هو قريب.»
عادل هز راسه.
«هو مش قريب بس.»
وسكت.
سألته:
«مين؟»
عادل بص لمحمود.
«قولها أنت.»
محمود فضل ساكت.
عادل قال:
«الراجل اللي بيطلب ملك مش عايزها عشان هي بنته.»
أنا بصيت له باستغراب.
«أمال عايزها ليه؟»
عادل رد:
«عشان هي المفتاح.»
«مفتاح لإيه؟»
قبل ما يكمل، سمعنا صوت عربية وقفت فجأة قدام البيت.
وبعدها صوت أبواب عربيات بتتقفل.
محمود بص من الشباك.
وشه شحب.
«وصلوا.»
عادل قال:
«خدي ملك ورايا.»
محمود اعترض:
«لو خرجنا من الباب الخلفي هيستقبلونا.»
عادل بص له.
«عندك طريق تاني؟»
محمود سكت.
أنا قلت:
«أنا مش هتحرك خطوة غير لما أفهم.»
عادل بصلي.
«لو فضلنا هنا، هتفهمي كل حاجة… بس وإنتِ ميتة.»
اتخضيت.
ملك مسكت إيدي.
«ماما، نروح معاه.»
بصيت لها.
«إنتِ واثقة فيه؟»
هزت راسها.
«مش عارفة… بس عينيه شبه صور بابا.»
الكلمة دي كسرتني.
مسكت إيدها.
«هنمشي.»
خرجنا من باب جانبي ضيق.
عادل كان قدامنا.
ومحمود ورا.
كنا لسه بنمشي في الممر لما سمعنا صوت طلقة.
ملك صرخت.
عادل رجع بسرعة وحط جسمه قدامنا.
«اجري!»
جريت وأنا ماسكة ملك.
دخلنا أوضة صغيرة في آخر البيت.
محمود قفل الباب.
عادل حط ودنه عليه.
صوت خطوات كان بيقرب.
وبعدين وقف.
ثواني من الصمت.
وفجأة…
اتسمع صوت من ورا الباب:
«عادل.»
عادل اتجمد.
الصوت كمل:
«فاكر إنك اختفيت ست سنين ومحدش هيعرف؟»
ملك بدأت ترتعش.
أنا بصيت لعادل.
«مين ده؟»
ما ردش.
الصوت قال:
«افتح يا عادل… ولا أخلي سمر تعرف إن اللي حصل من ست سنين ماكانش حادث.»
حسيت الدم اتسحب من وشي.
«إيه اللي حصل من ست سنين؟»
عادل غمض عينيه.
محمود بص للأرض.
قلت بعصبية:
«إنتوا الاتنين كنتوا مخبيين عليا إيه؟!»
عادل رد بصوت منخفض:
«الحقيقة اللي محمود خايف يقولها.»
«قولها.»
«في الليلة اللي اختفيت فيها… أنا ماكنتش لوحدي.»
سكت.
«كان معايا حد.»
سألته:




