روايات وقصص

ع المكشوف حكايات شروق خالد

«بابا قال لي نص ساعة وراجع… بس بقاله أربع أيام يا بيه ما جاش!»

صوت البت الصغيرة كان بيرتعش وبيموت في التليفون:

«أنا مريم.. عندي سبع سنين.»

أحمد بتاع الطوارئ اتنفض من كرسيّه: «مريم.. يا حبيبتي، انتِ لوحدك في الشقة؟»

سكتت خالص، وبعدين شهقت بالبكاء:

«أيوه.»

قلب أحمد اتعصر.. البت بتقول إن أبوها نزل يجيب علاج وأكل وقال لها: «نص ساعة وراجع يا مريم»، بس هي من كتر التوهة مش عارفة هو نزل أنهي يوم أصلاً! ولما سألها أكلتي إمتى آخر مرة؟ قالت: «شربت حبة شوربة كده.. بس مش فاكرة إمتى بصراحة..»

«كانت ريحتها حامضة ومصننة فما رضيتش أكملها.. شربت مية من الحنفية، واديت حبة لمشمش كمان.»

«مين مشمش ده يا مريم؟»

«الدبدوب بتاعي.»

أحمد طلع عربية نجدة فوراً، وفضل ماسك الخط معاها عشان يهديها، وقال لها: «يا مريم، أبلة أمل الضابطة جاية لك في السكة، أوعي تقفلي.»

بعد ثلث ساعة، كانت عربية الشرطة هابدة فرامل قدام بيت قديم ومكحرت في الشارع. المطر كان نازل يخر من السما، ونور السلم مقطوع ضلمة كحل.

«مريم؟ أنا خالتك أمل.. افتحي يا حبيبتي أنا جاية أساعدك.»

الباب اتورب سنة صغيرة خالص، وعين واحدة مرعوبة طلت من الفتحة.

«انتِ مش هتزعقيلي وتضربيني؟»

أمل نزلت على ركبتها في الأرض عشان البت تشوف وشها: «لا يا روحي.. حد يقدر يمس منك شعرة؟»

الباب اتفتح بالراحة..

أمل اتسمرت مكانها وماتت في جلدها.

مريم كانت واقفة حافية، لابسة تيشيرت أبوها الواسع قوي نازل لحد رجليها، شفايفها مشققة ومبيضة من العطش، ووشها دبلان ومخطوف. كانت عاصرة “مشمش” في حضنها كأنه الحبل الوحيد اللي ماسكها في الدنيا.

أمل طلبت الإسعاف فوراً، ودخلت تفتش في الأوض وهي ماسكة إيد مريم. التلاجة مفيهاش حتى حتة جبنة ناشفة، بس اللي أمل شافته على ترابيزة الصالة شقلب الكيان كله.

كانت فيه ورقة طلبات مكتوبة بخط الأب:

كيس رز.

شوربة فرخة.

محلول جفاف.

دوا مريم بتاع السخونية.

وجنبها ورقة متطبقة: «ميعاد الدكتور حسن.. ضروري ومستعجل.»

أمل فضلت باصة للورقتين ومذهولة.

راجل ناوي يخلع ويهرب ويسيب بنته، يكتب ورقة بطلبات البيت؟ ويفتكر دوا بنته العيانة؟ ويحجز لها ميعاد دكتور مستعجل؟!

طب إيه اللي جرى له وزقه في السكة وما رجعوش؟

بره في الشارع، الجيران كانوا اتلموا تحت المطر. أم سيد الجارة كانت بتهز رأسها وبتلت وتطجن: «أنا عارفة من زمان إن أبوه ده صايع ومش بتاع مسؤولية!»، وواحد تاني رمى كلمة: «أكيد طفش ومشى مع واحدة ولا هرب من الديون!»، وواحد ثالث مسك التليفون وبدأ يصور فيديو live.

في دقائق، كان ينزل بوست على الفيسبوك: «أب سايب بنته عندها 7 سنين لوحدها 4 أيام ومشى!»

الكومنتات نزلت تقطيع في الراجل:

«حرامي ومجرم!»

«ده مش بني آدم ده!»

«إزاي فيه أب يرمي لحمه ودمه كده؟»

أمل كانت سامعة الردح والعك اللي بره، بس الورق اللي جوه الشقة كان بيقول كلام تاني خالص. رجعت لمريم ونزلت لمستواها ووشوشتها:

«حبيبتي.. افتكري معايا كده، بابا قال لك إيه بالظبط قبل ما ينزل ويقفل الباب؟»

مريم بصت ناحية الممر، وإيديها كلبت في الدبدوب أكتار وأكتر.

«قال لي اقفلي الباب بالمفتاح والترباس.»

«ليه يا مريم؟»

«قال لي…»

وسكتت خالص.

أمل ما استعجلتهاش وسبتها براحتها.

«بابا قال لك إيه يا مريم؟»

عينين البت اتملت دموع وشهقت:

«قال لي: يا مريم.. لو ما رجعتش.. أوعي تخلي حد ياخدك من هنا ولا تفتحي للشخص ده أبداً!»

وش أمل اتخطف ولونها جاب ألوان.

دي مش كلمة واحد طافش وساب بنته وخلع.. ده كلام واحد خايف من مصيبة! واحد حاسس إن فيه حد جاي يؤذيه أو ياخد بنته!

وقبل ما أمل تلحق تسألها مين اللي أبوها كان خايف منه، مريم اتهزت في مكانها، الدبدوب اتقلب من إيدها، وعينيها لفت لورا وغابت عن الوعي خالص وجسمها الصغير وقع زي القشة.

أمل نطت ولحقتها بين إيديها قبل ما دماغها تتخبط في الأرض وصرخت في اللاسلكي بصوت هز الشارع: «الإسعاف بسرعة يالهوي البت بتموت مني!»

المسعفين دخلوا بيجروا، وشالوا مريم وسط المطر وطلعوا بيها على العربية والجيران واقفين يعجنوا في الكلام ويتفرجوا.

كل اللي بره كانوا فاكرين إنهم فهموا الملعوب وخلاص.

بس أمل كانت عارفة إن المصيبة لسه بتبدأ.

وهي باصة لعربية الإسعاف وهي بتجري، بصت تاني للبيت الضلمة، لورقة الطلبات اللي على الترابيزة، وكلام الأب بيرن في دماغها زي السرينة..

لو أبو مريم ما طفش وسابها.. يبقى فيه حد قطعه في السكة وما خلاهوش يرجع.

وكان لازم أمل تعرف مين الشخص ده، قبل ما يعرف إن مريم بقت لوحدها في المستشفى!

أمل ما ضيعتش ثانية. سابت أم سيد والجيران يهزروا ويردحوا بره، ودخلت جوه الشقة تاني وقفت وسط الضلمة. طلعت كشافها وبدأت تفتش الزوايا بتركيز.

فيه حاجة غلط.. الشقة مش بس متكركبة، الشقة متفتشة!

الأدراج كانت مفتوحة نص فتحة، والهدوم في الدولاب ممتدة ومسحوبة، كأن فيه حد كان بيدور على حاجة مستعجلة قبل ما يمشي.. أو حد دخل بعد ما الأب نزل!

فجأة، أمل لمحت بقعة غمقة على السجادة القديمة جنب جزمة الأب. قربت بالراحة، ونزلت على ركبتها.. نقط دم ناشفة، متجهة ناحية الباب الخارجي.

«الراجل ده ما هربش.. الراجل ده اتازى هنا، أو انضرب وهو طالع!»

في نفس اللحظة، تليفون أمل رن. كان الدكتور من المستشفى:

«يا أمل هانم، البنت وضعها مستقر بس عندها جفاف شديد وتسمم بسيط من الشوربة البايظة.. بس الأهم من ده، البنت وهي بتبدأ تفوق كانت بتهتز ومسكت في إيد الممرضة وقالت كلمة واحدة بس!»

أمل حبست أنفاسها: «قالت إيه يا دكتور؟»

«قالت: عمو الميكانيكي.. هو اللي أخد بابا!»

أمل عينيها وسعت. الميكانيكي!

نزلت تجري على الشارع، وسألت أول شاب واقف: «مين الميكانيكي اللي في الشارع هنا؟»

الشاب شاور بإيده على آخر الشارع: «الأسطى صابر.. ورشته في أول الحارة هناك، بس غريبة.. الورشة مقفولة بقالها تلات أيام، والصبيان بتوعه بيقولوا إنه مسافر العزبة فجأة!»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى