
سأل الخياطَة المفلسة إذا كان عندها حبيب، ثم ابتسم عندما قالت: «لسه لأ»… لكن غيرته كانت تحذيرًا، مش عرض جواز من الملياردير اللي كان محتاجها تفضل على قيد الحياة. انغلق الولاعة الفضي بصوت حاد، كأنه طلقة مسدس، في هدوء محل الخياطة. مريم عبد الرحمن ما صرختش. وما وقعتش شريط القياس الأصفر اللي كان ممتدًا على كتفي أخطر رجل وقف يومًا على منصة القياس بتاعتها. لكن كل عضلة في جسمها اتشدت، كأن سلكًا اتسحب بطول عمودها الفقري.
برّه، كان مطر القاهرة بيخبط على الواجهة الأمامية للمحل. جوّه، كان المكان ريحته خليط من الصوف، والبخار، والتراب، ولمسة خفيفة من زيت الليمون اللي كان والدها بيستخدمه في تلميع ترابيزة القص كل يوم جمعة بعد الصلاة.
الروائح دي كانت زمان بتخلي مريم تحس بالأمان.
كانت جزءًا من محل عبد الرحمن وبنته للخياطة الراقية، آخر محل صغير ومتمسك بوجوده في أحد شوارع وسط البلد، واللي ما قدرش يبتلعه انتشار العمارات الفاخرة، ولا الكافيهات، ولا الرجال اللي لابسين أحذية لامعة وبيسموا نفسهم مستثمرين، بينما هم في الحقيقة كانوا بيهدموا تاريخ المكان طوبة ورا التانية.
لكن النهارده، الرائحة المألوفة اختفت تقريبًا تحت رائحة المطر البارد، والعطر الغالي، واللمسة المعدنية الحادة للمسدس المخبأ تحت معطف آسر المنشاوي الأسود.
كان واقف perfectly من غير ما يتحرك، ذراعيه مرفوعين قليلًا، وفكه مائل ناحية المراية الثلاثية.
كل شخص في القاهرة كان عنده حكاية عن آسر المنشاوي.
في ناس كانت بتسميه زعيم منطقة وسط البلد.
وفي ناس كانت بتعتبره الوريث والمالك لشركة المنشاوي للنقل والخدمات اللوجستية، إمبراطورية شحن بمليارات الجنيهات بتنقل جزء كبير من بضائع مصر عبر المخازن ومحطات النقل والموانئ.
الصحف كانت بتسميه رجل أعمال.
أما الناس اللي بتهمس باسمه، فكانت بتسميه بأسماء أسوأ بكتير.
أما مريم، فكانت بتسميه زبون، لأن الزباين بيدفعوا الفواتير، وهي كانت متأخرة في إيجار المحل بأحد عشر ألف جنيه.
قالت وهي بتحاول تخلي صوتها ثابت:
— الصدر ستة وأربعين.
عيني آسر السودا اتحركت في المراية، واستقرت على انعكاسها.
ماكانش وسيم بالطريقة التقليدية. أنفه كان مكسور قبل كده والتأم بشكل منحرف شوية. وندبة شاحبة كانت ممتدة وسط لحيته الداكنة قرب فكه الشمال.
أما فمه، فكان شكله كأنه نسي إزاي يبتسم من غير ما يخوف اللي قدامه.
قال:
— إنتِ مش بتتكلمي كتير.
ردت مريم:
— أنا بحاسب على البدلة يا مستر آسر. الكلام له حساب تاني.
طرف شفايفه اتحرك، تقريبًا بابتسامة.
قريب من الباب، طلع صوت من حسن، حارسه الشخصي، صوت كان ممكن يكون ضحكة لو ما ماتش في حلقه في اللحظة اللي آسر بص له فيها.
اتقدمت مريم خطوة علشان تقيس خصر آسر.
الأرض الخشبية صرخت تحت جزمها.
والدها هو اللي ركّب الأرضية دي بنفسه سنة 1998، قبل ما المرض يستنزف جسده، وقبل ما فواتير العلاج تبدأ توصل في مظاريف بيضا وقاسية زي التلج.
كانت صوابعها لمست حزام آسر. حست بالشكل الصلب لحافظة المسدس تحت الجاكيت.
لكنها ما ارتععتش.
وده كان تقريبًا كل القوة اللي لسه فاضلة لها في أوضة زي دي.
الرجال اللي زي آسر المنشاوي بيتغذوا على الخوف.
ومريم اتربت وهي بتقيس بدلات لضباط شرطة، ورجال أعمال، وأعضاء مجلس محلي، ورؤساء نقابات، ومقامرين، ورجال بيحطوا الفلوس في رزم مربوطة باستيك.
والدها كان دايمًا يقول:
«الراجل ممكن يسامح في ديل بدلة معوّج، لكن عمره ما هيسامح إيد بتترعش.»
فكتبت الرقم في دفترها.
آسر فضل بيراقبها.
وبعدين سأل فجأة:
— عندك حبيب؟
السؤال وقع بينهم كأنه تهديد.
مريم وقفت لحظة، والطباشير ثابتة فوق كتفه.
عقلها بدأ يدور على كل الإجابات الممكنة، ورفضها كلها.
لو قالت «آه»، ممكن يعتبرها بتتحداه.
ولو قالت «لأ»، ممكن يفهمها كأنها بتدعوه.
ولو قالت «ومالك؟» ممكن تخسر أكتر من مجرد زبون.
حطت دبوسين بين شفايفها، وكسبت نص ثانية تفكر فيها.
وبعدين قالت:
— لسه لأ.
انغلق الولاعة بصوت حاد.
حسن اعتدل عند الباب.
إيد آسر اتقبضت بقوة لدرجة إن عروقها ظهرت تحت جلده.
وفجأة، مريم حسّت إن الأكسجين نفسه اختفى من المحل.
ولثانية سخيفة، افتكرت الغلاية القديمة في القبو، اللي كانت بتطلع صوت أنين قبل ما تطلق البخار.
سأل آسر بصوت منخفض:
— يعني إيه «لسه لأ»؟
صوته كان أسوأ من الصراخ.
كان هادي.
ناعم تقريبًا.
وده بالذات هو اللي خلاها تخاف.
شالت مريم الدبابيس من بين شفايفها قبل ما تبلع واحدة بالغلط، وقالت:
— يعني أنا سنجل. وعندي تسعة وعشرين سنة، مش ميتة. في يوم من الأيام، أعتقد هلاقي وقت أرتبط فيه.
سألها فورًا:
— بمين؟
رمشت مريم بدهشة.
— إيه؟
قال وهو بيبصلها من خلال المراية:
— هترتبطي بمين؟
كان السؤال بسيطًا في ظاهره.
لكن مريم بدأت لأول مرة تفهم إن غيرته لم تكن إعجابًا عابرًا…
وإن الرجل الواقف أمامها لم يكن يسألها لأنه يريد أن يتقدم لها.
كان يسأل لأنه كان يريد أن يعرف اسم أي رجل قد يقترب منها.
ولسبب لم تفهمه وقتها…
كان آسر المنشاوي مستعدًا لفعل أي شيء حتى يمنع ذلك الرجل من الوصول إليها.
حكايات شروق خالد
مريم ما ردتش فورًا.
فضلت واقفة قدامه، شريط القياس بين صوابعها، وهي بتحاول تفهم هو عايز يوصل لإيه.
وبعدين قالت بهدوء:
— واحد محترم.
آسر رفع حاجبه.
— اسمه؟
— هو أنا لما أحب حد لازم أقدملك تقرير عنه؟
لأول مرة، حسن بص لمريم كأنه شايفها مجنونة رسمي.
أما آسر، فوشه ما اتغيرش.
بس عينه ضاقت.
— آه.
ضحكت مريم ضحكة قصيرة، متوترة.
— لأ طبعًا.
آسر لف ناحيتها ببطء.
كان قريب منها لدرجة إنها قدرت تشوف الندبة الصغيرة تحت عينه.
— يبقى خليكي من غير حبيب.
اتسعت عينيها.
— نعم؟
— سمعتي.
— حضرتك بتطلب مني ما أرتبطش؟
— أنا ما بطلبش.
— أمال بتعمل إيه؟
سكت.
ثواني طويلة عدّت.
وبعدين قال:
— بحذرك.
مريم حست ببرودة بتجري في ضهرها.
— بتحذرني من إيه؟
آسر بص لها نظرة غريبة، كأنه كان عايز يقول حاجة، لكنه غير رأيه.
— من الرجال اللي بيقربوا من الستات الضعيفة.
مريم اتشدت.
— أنا مش ضعيفة.
— عارف.
الكلمة خرجت منه بسرعة.
سريعة جدًا.
كأنه كان منتظر فرصة يقولها.
وقبل ما ترد، موبايله رن.
آسر بص للشاشة، واتغيرت ملامحه فورًا.
الهدوء اختفى.
ضغط على زر الرد.
— اتكلم.
صوت حسن اتغير وهو بيسمع.
وبعد ثواني قال آسر:
— متأكد؟
سكت.
ثم:
— اقفل المحل.
مريم رفعت رأسها.
— إيه؟
آسر أنهى المكالمة وبص لها.
— المحل هيفضل مقفول النهارده.
— لأ.
قالتها مريم فورًا.
— عندي بدلات لازم تتسلم بكرة.
— مش مهم.
— بالنسبة لي مهم.
— مريم.
نبرة صوته خلتها تسكت.
اتقدم خطوة.
— أبوكي فين؟
تجمدت.
— في البيت.
— لوحده؟
— أيوه.
آسر لف لحسن.
— خد اتنين من الرجالة وروحوا له.
مريم وقفت قدامه.
— استنى! إنت هتعمل إيه؟
آسر بص لها.
— في حد كان بيسأل عنك.
— مين؟
— مش عارف.
— وده سبب كفاية إنك تبعت رجالتك لأبويا؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— حد كان واقف قدام المحل من الصبح.
قلب مريم هبط.
— إنت شوفته؟
— رجالي شافوه.
— شكله إيه؟
— مش مهم.
— بالنسبة لي مهم!
آسر قرب منها، وصوته بقى أوطى.
— لو الشخص ده هو اللي أنا شاكك فيه، يبقى وجوده هنا مش صدفة.
مريم بلعت ريقها.




