
أنا مش عايزة منك أي حاجة،” قالتها إيمان وصوتها بيرعش من البرد والدموع—عُمر المافيا مسكها من إيدها وشالها بين إيديه من غير ما ينطق بكلمة. المطر كان بينزل على الإسفلت المكسور بعنف كأنه بياخد تار قديم، وكل نقطة نازلة على جسم إيمان Buchanan (أو إيمان) كانت زي إبرة تلج بتغرس في بشرتها.
ضغطت بجسمها أكتر في الحارة الضيقة اللي بين مطعم “البرنس” للوجبات المهجورة ومحل تصليح الجزم المقفول، هدوم التمريض الخفيفة اللي لابساها مكنتش حامياها خالص من العاصفة الشديدة اللي نزلت على منطقة وسط البلد في القاهرة كأنها لعنة. ريحة الزبالة مع ريحة المية والمباني القديمة كانت مالية مناخيرها، ومعدتها الفاضية تقلب وتوجعها.
إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة الكيس البلاستيك اللي فيه كل ما تملكه في الدنيا: 3 أطقم هدوم، شهادة التمريض بتاعتها، وخاتم الخطوبة اللي شريف رماه تحت رجليها قبل ما يرقع باب الشقة في وشها. الماسة اللامعة كانت بتلقط أطراف الضوء القليل اللي جاي من الكشافات، كأنها بتتريق عليها وعلى وعوده الكدابة بالفرحة والأمان.
الأمان اللي استمر بالضبط 18 شهر، وانتهى في اللحظة اللي إيمان دخلت فيها أوضة النوم ولقيت شريف مع صاحبة عمرها، ندى.”أنتِ ولا حاجة يا إيمان.”كلمات شريف كانت بترن في دماغها، باردة زي المطر اللي غرق كوتشيها.”أنا أشفقت عليكِ ولميتك من الشارع.. فاكرة بجد إن واحد زيي ممكن يتجوز واحدة بنت بنوت من أرياف ملهاش أصل؟”إيمان مكنش ليها أي حتة تروحها.
مصاريف المعهد والتمريض كانت خلصت كل قرش حوشته، وأول مرتب لها من مستشفى القصر العيني مكنش هيطلع غير بعد أسبوعين. دار الرعاية للمشردين كان مليان، اتصلت بيهم 3 مرات. وبطارية تليفونها قطعت شحن من ساعات، فبقت معزولة تماماً عن العالم. كل مدخل عمارة في الشارع كان فيه ناس مستخبيين من المطر، ونظراتهم الشاكة كانت بتقول بوضوح إنها مش مرحب بيها تشاركهم المكن اللي متغطيين بيه.
قشعريرة شديدة هزت جسمها كله، وإيمان حسّت إنها مقتدرة ترفع صوابعها ولا تحس بيها. التلج كان بيدخل جوة عظامها، وبيخلي أفكارها بطيئة ومتبنجة. دي الطريقة اللي الناس بيها. عرفت ده بصفائها كواحدة دارسة تمريض. هبوط حرارة الجسم مبيفرقش بين واحد متعلم وواحد غلبان. درست ده في المعهد، وعمرها ما تخيلت إنها هتعيشه بنفسها.
الشارع ابتدى يلف بيها وهي بتحاول تقف. رجليها خانتها ورفضت تشيلها. رؤيتها زغللت، وبقع سودا بقت تتنطط قدام عينيها وجسمها ابتدى يطفي أجهزة الصيانة العادية عشان يحافظ على أجهزة الجسم الحيوية. الكيس البلاستيك وقع من إيدها اللي اتخدرت، وحاجاتها القليلة اترمت على الأسفلت المبلول زي حطام حياة بتضيع في ثواني. افتكرت أمها اللي ماتت من 5 سنين بالسرطان عشان مكنش معاهم فلوس يعالجوها صح.
جسمها بيسلم، ودرجة حرارتها بتنزل لمستويات قاطعة. جزء منها كان مرحب بفقدان الوعي اللي جاي. على الأقل وهي نايمة، مش هتحس بالخيانة اللي بتحرق صدرها ولا هتدوق طعم الكسرة. صوت خطوات رجلين صوّتت في الحارة، بس كانت باينة جاية من بعيد أوي. أصوات ناس بتتكلم بإيطالي خفيف وعربي تقيل، كلام مش فاهماه بس فيه جدية وصرامة قطعت الغمامة اللي في دماغها. إيدين قوية مسكت كتافها.
إيمان حاولت تبعد بس مكنش فيها حيل. صوت راجل، عميق وآمر، اتكلم بنبرة مصرية تقيلة فيها فخامة:”يا نهار أسود.. البنت بتتجمد! هات العربية هنا فوراً!”إيمان كانت عايزة تقول، تشرح إنها مش واحدة صايعة ولا صايعة في الشارع، دي ممرضة غلطت لما صدقت الراجل الغلط. بس لسانها كان تقيل ومش شغال، وزورها مقفول من الساقعة والدموع. الضلمة سحبتها تحت زي غطاء دافي، بتوعدها بالهروب من الألم والاهانة.
آخر حاجة افتكرتها هي إن إيدين قوية بشكل مش طبيعي شالتها، وحطتها على صدر بينبعث منه دفء من خلال جاكيت صوف غالي. ريحة برفيوم عمرها ما شمتها ملأت حواسها: خشب الصندل وشيء تاني أغمق، حاجة فيها خطر. رأسها اتسندت على كتف كأنه معمل من رخام.”أنتِ في أمان دلوقتي،” الصوت همس. ورغم كل حاجة عقلها كان بيصرخ بيها عن قبول المساعدة من ناس غريبة في شوارع ضلمة، إيمان صدقته
كان فيه حاجة في نبرته، يقين مطلق خليها تفكر إن الراجل ده عمره ما قال وعد فاضي في حياته. دفء العربية من جوة حضنها، المقاعد الجلد كانت ناعمة على بشرتها الساقعة. إيدين حنينة حطت بالطو كشمير على كتافها، وإيمان لمحت أزرار أكمام دهب، أصابع متنسقة، وطرف حاجة شكلها زي ندبة على فك عريض وقوي.
دي كانت تفاصيل مهمة شغلها في التمريض علمها تسجلها، بس المعلومات تسرّبت زي المية من صوابعها لما الوعي راح تماماً. لما فتحت عينيها تاني، الموضوع جه على مراحل. أول حاجة كان الدفء، دفء جميل ومالي المكان كأنه جاي من كل ناحية. بعدين النعومة اللي تحتها، ملايات غالية تكلفتها أكتر من إيجار شقتها في سنة.
ريحة الملايات النظيفة ونفس البرفيوم الرجالي كانوا في الهواء، ومعاهم حاجة تانية: ورد بلدي طازة وريحة قهوة جودة عالية. إيمان فتحت عينيها ولقيت نفسها في أوضة نوم تطلع في مجلة ديكور. حيطان بلون الأوف وايت متزينة بلوحات أصلية. شبابيك من السقف للأرض متغطية بستائر حرير بتعدي ضوء الشمس بتاع الصباح كأنه دهب. السرير كبير جداً ومحشي مخدات ولحاف ناعم كأنها نايمة على سحاب.
الخوف ضربها زي القلم. هي فين؟ ومين جابها هنا؟هدوم التمريض بتاعتها اختفت، واستبدلت بقميص نوم حرير عمرها ما شافته. حد قلّعها، وحماها، وحطها في السرير زي الأطفال. التعدي ده خلا قشعريرة تمشي في جسمها، حتى وعقلها يعترف إن اللي عمل كده غالباً أنقذ حياتها. إيمان قعدت بسرعة. الأوضة دارت بيها والدم هرب من رأسها.
كاس مية وحبتين كانوا على الترابيزة اللي جنب السرير، ومعاهم ورقة مكتوبة بخط إيد أنيق جداً وواضح:”عشان الصداع. أنتِ في أمان. ارتاحي.”النبرة الآمرة في الكلمات القليلة دي خلت حاجة تتهز في صدرها. مش خوف، بس حاجة أعقد. انجذاب مع حذر. رد الفعل الفطري لكائن مفترس ممكن يختار يحميك بدل ما ياكلك. إيمان حسّت بحاجة شبه كده من سنين، لما دكتور كبير بهدل دكتور صغير كان بيديها كلام مش تمام.




