
البت الصغيرة بتاعة الشغالة دخلت اجتماع الملياردير وشاورت على راجل واحد—الناس كلها اتسمرت مكانها!البنت الصغيرة دي عمرها ما دخلت أوضة اجتماعات قبل كده. ولا عمرها شافت الراجل اللي قاعد على بعد ثلاث كراسي من الملياردير.
بس أول ما شافت وشه، رفعت صباعها الصغير وشاورت عليه وهمست: “دا الراجل اللي خوف بابا.”محدش في القاعة أتحرك. أربعة عشر تنفيذي قاعدين تحت الإضاءة المجهزة في الدور الستة وأربعين من برج “النيل جيت” في القاطمية، حواليهم أزاز وديكورات خشب مهوجني، ومنظر القاهرة بره مغيم مع مطرة تقيلة جاية في السكة.
صفقة استحواذ بنص مليار جنيه مستنية التوقيع على الشاشة الكبيرة وراهم. القهوة سقعت ومحدش جه جنبها، والجامد فيهم المستشار القانوني اللي القلم طار من إيده وفضل معلق فوق الورقة اللي كان هيوقعها. وفي العتبة، كانت واقفة “رقية” البنت الصغيرة اللي عندها ثلاث سنين، حافية القدمين ومواساية لعية دبدوب صغير تحت دراعها.
وصباعها لسه متشاور على “حسين”.حسين ابتسم. مش بسرعة. ودي أول حاجة أخد باله منها “عمر الألفي”.كان فيه جزء من الثانية قبل ما الابتسامة تطلع. سكتة صغيرة كده. فراغ. خوف، يمكن؟بعدها الوش الهادي الرزين رجع لوش حسين بكل سهولة، زي الستارة لما تنزل في مكانها.”رقية!
“جرت “مريم” والدتها من الطرقة وراها. مريم كانت طالعة بالملايات والمفارش المغسولة لشقة عمر الخاصة في الدورين اللي فوق، ولما مدير الأمن كلمها عشان فيه استلام طرد، سابت رقية في أوضة الاستراحة بتاعة العمال مع ألوان وعصير وتعليمات مشددة إنها متتحركش.
بس الأطفال اللي عندهم ثلاث سنين بيعتبروا التعليمات المشددة دي مجرد اقتراحات للهزار!مريم خطفت رقية في حضنها بسرعة.”أنا آسفة جداً يا عمر بيه، أفلتت مني والله.”عمر تقريباً مسمعهاش. كان مركز مع حسين. حسين دا شغال مع عيلة “الألفي” بقاله واحد وعشرين سنة.
كان المستشار الأول لأبو عمر، وعدى بالشركة من أزمتين ماليتين طاحنتين، ووقف جنب عمر كأنه أبوه في جنازة “حاج مصطفى الألفي” لما اتوفى فجأة من أربع سنين. ولما عمر مسك الشركة وهو عنده واحد وثلاثين سنة، حسين هو اللي علمه مين من أعضاء مجلس الإدارة بيكدب بذوق، ومين من البنوك بيبنَك بدري، ومين من المديرين بيستحمل الأيام السودة، وأني كلمة شرف ومصافحة إيد أهم من مية عقد مكتوب.
عمر كان بيثق في عدد قليل جداً من الناس. وحسين كان واحد منهم. يمكن كان أولهم كمان. حسين قال بضحكة هادية: “العيال الصغيرة بقى… باين عليا بقيت أخوف!”كام واحد حوالين الطاولة ابتسموا، لأن نبرة حسين إدتهم الإذن إنهم يفكوا. بس رقية مابتسمتش.
خبّت وشها في كتف أمها ثانية، وبعدين بصت له تاني. جسمها الصغير اتشنج.”لا.”مريم همست: “رقية، يا حبيبتي خلاص يسكت.”رقية هزت رأسها.”هو اتكلم مع بابا.”الجو في القاعة اتقلب 180 درجة. مريم قطع النفس منها. وعمر شاف دا بيحصل.
مسكة مريم لرقية اتشدت فجأة لدرجة إن البنت طلعت صوت اعتراض مكتوم. ابتسامة حسين فضلت زي ما هي. بس صباع إبهامه الشمال ضغط مرة واحدة على حافة خاتم الجواز بتاعه. عمر مشافهوش بيعمل الحركة دي غير مرتين بس قبل كده. والمرتين كانوا في أشرس مفاوضات واجهوها.
“مريم؟”صوت عمر كان هادي وواطي. بصت له. الخوف اللي في وشها مكنش كسوف أو إحراج خلاص. كان رعب حقيقي وإدراك.”أنا آسفة.””هو جوزك كان يعرف حسين؟””لا.”الرد طلع بسرعة زيادة عن اللزوم. حسين رجع بضهره لورا.
“عمر، إحنا قدامنا المعاد مظبوط عشان نخلص صفقة المصانع دي قبل الضهر. وأنا متأكد إن السيدة مريم تحب إننا منقلبش خيال طفلة صغيرة للتحقيق في الشركة.”كلام موزون. هادي. وفيه حنية كمان. بالظبط دي النسخة اللي الكل بيثق فيها من حسين. عمر بص للشاشة الكبيرة وراه.
استحواذ مجموعة المصانع — موافقة نهائية. ثلاث سنين مفاوضات. أربعمائة وثمانين مليون جنيه. دمج الشركات دا كان حسين بيحارب عشانه وشايفه أمل الشركة من الأول. عمر بص لرقية تاني. كانت لسه بصة لحسين من فوق كتف أمها. مش بفضول. ولعب عيال. البنت كانت خايفة بجد. عمر قفل الفولدر اللي قدامه.
“هنوصل الاجتماع بعد ربع ساعة.”وش حسين اتلفت له بسرعة.”إحنا متأخرين أصلاً!””يبقى نتأخر ربع ساعة كمان، مش قضية.”محدش نطق ولا جادل. الناس بدأت تلم أوراقها ببطء، وعينهم على عمر من غير ما يبينوا إنهم بيبصوا. حسين فضل قاعد لحد ما القاعة تقريباً فضيت.




