روايات وقصص

العجوزة المشردة ج2 .حكايات شروق خالد

عمر فضل ساكت. بص لسلمى كأنه مستنيها تضحك وتقول إنها كانت بتهزر. لكن وشها كان مليان خوف. قال بصوت مبحوح:

“تلاتة؟”

سلمى هزت راسها.

“أنا وإنت… وأختنا التالتة.”

عمر قرب منها.

“اسمها إيه؟”

سلمى بصت في الأرض.

“ملك.”

عمر كرر الاسم ببطء:

“ملك…”

وفجأة حس بحاجة غريبة. الاسم كان مألوف.

مش عارف سمعه فين، لكن كان متأكد إنه شافه قبل كده.

“ملك فين؟”

سلمى قالت:

“مش عارفة.”

“يعني إيه مش عارفة؟”

“آخر مرة شفتها كان عندها خمس سنين.”

عمر سأل بسرعة:

“وإنتي كان عندك كام سنة؟”

“سبعة.”

“يعني أنتي وملك اختفيتوا مع بعض؟”

سلمى هزت راسها.

“لأ.”

وسكتت.

“أنا اختفيت الأول.”

عمر قال:

“وملك؟”

سلمى رفعت عينيها.

“أبويا كان مخبيها في مكان تاني.”

عمر بدأ يمشي في الصالون ذهابًا وإيابًا. المعلومات كانت بتنزل عليه واحدة ورا التانية. أبوه أخفى أخته. عمه عايش. أمه اختفت. وفي أخت تالتة محدش يعرف مكانها.

وأخطر حاجة… إن كل ده مرتبط بالمفتاح اللي في إيده. عمر وقف فجأة.

“هنروح بيت العيلة.”

سلمى اتخضت.

“لأ.”

“لازم أعرف الحقيقة.”

“عمر، لو دخلنا هناك من غير ما نعرف مين مستنينا، ممكن نموت.”

“أنا مش هسيب الموضوع.”

سلمى مسكت دراعه.

“أنا عشت خمستاشر سنة وأنا بهرب من المكان ده.”

عمر بص لها.

“وأنا عشت خمستاشر سنة وأنا فاكر إنك ميتة.”

سكت. ثم قال:

“المرة دي مش هسيبك.”

خرج عمر وسلمى من الصالون وسط حراسة رجاله. ركبوا العربية. طول الطريق سلمى كانت ساكتة.

كانت بتبص من الشباك على القاهرة كأنها بتشوفها لأول مرة. عمر سألها:

“فاكرة أي حاجة عن اللي حصل يوم ما اختفيتي؟”

سلمى فضلت ساكتة. وبعدين قالت:

“فاكرة إيد.”

“إيد مين؟”

“راجل.”

“أبويا؟”

هزت راسها.

“لأ.”

“عمي؟”

سلمى سكتت. عمر فهم.

“عمي؟”

قالت:

“كان لابس خاتم كبير.”

عمر شد فرامل العربية فجأة.

“خاتم عليه أسد؟”

سلمى بصت له.

“أيوه.”

عمر حس إن قلبه وقع. لأن الخاتم ده كان مشهور في عيلتهم. وكان آخر شخص بيلبسه… والده. لكن أبوه كان عنده خاتم واحد. والخاتم اختفى يوم وفاته.

عمر قال:

“أبويا كان بيلبس الخاتم ده.”

سلمى هزت راسها.

“الراجل اللي أخدني كان بيلبسه.”

عمر سكت.

“يبقى ممكن يكون أبويا.”

سلمى قالت:

“مش أبوك.”

“أمال مين؟”

“كان شبهه.”

عمر بص لها.

“شبهه إزاي؟”

قالت:

“نفس الطول…”

“نفس الصوت…”

“نفس طريقة المشي.”

وبعدين قربت منه وهمست:

“بس مش هو.”

عمر حس إن الموضوع بقى أخطر من أي حاجة تخيلها. وصلوا بيت العيلة بعد حوالي ساعة. البيت كان ضخم وقديم. بوابة حديد ضخمة. وجنينة مهجورة. وشبابيك كتير مقفولة. عمر نزل من العربية. سلمى وقفت جنبه. بصت للبيت وبدأ جسمها يرتعش.

قال لها:

“إنتي كويسة؟”

ردت:

“البيت ده أخد مني عمري.”

عمر مسك إيدها.

“المرة دي إحنا اللي هناخد منه الحقيقة.”

دخلوا. البيت كان ساكت بشكل مخيف. مفيش صوت خالص. ولا حتى صوت خدم. عمر بص للحرس.

“فتشوا البيت كله.”

رجاله انتشروا. عمر وسلمى دخلوا الصالة الرئيسية.

فجأة… سمعوا صوت خطوات فوق السلم. عمر رفع سلاحه.

“مين هناك؟”

مفيش رد. الخطوات قربت. وبعدين ظهر شخص من الضلمة. راجل كبير في السن. عمر وجه السلاح عليه. لكن الراجل قال:

“استنى يا ابني.”

عمر قرب. وبمجرد ما شاف وشه… اتجمد. الراجل كان شبه أبوه بشكل مرعب.

سلمى شهقت. والراجل ابتسم. وقال:

“أخيرًا رجعتوا.”

عمر قال:

“إنت مين؟”

الراجل رد:

“أنا اللي أبوك كان خايف منك تعرفه.”

عمر رفع السلاح أكتر.

“قول اسمك.”

الراجل ابتسم.

“اسمي…”

وفجأة انطفأت أنوار البيت كلها. سمعوا صوت باب حديد بيتقفل تحتهم. وبعدها صوت قفل إلكتروني.

ثم جاء صوت من سماعات مخفية في الحيطان:

“أهلًا بكم في بيت الشناوي.”

عمر بص حواليه. الصوت كمل:

“لو عايزين تعرفوا الحقيقة…”

وسكت لحظة.

“لازم تلاقوا ملك قبل ما تلاقوا الخزنة.”

سلمى صرخت:

“ملك هنا!”

الصوت ضحك. ثم قال:

“أيوه.”

“وهي أقرب لكم مما تتخيلوا.”

وفي اللحظة نفسها… سمع عمر صوت بنت صغيرة جاية من آخر الممر. صوت خافت جدًا:

“عمو عمر…”

عمر اتجمد. سلمى حطت إيدها على بوقها. وعمر بدأ يتحرك ناحية الصوت. لكن قبل ما يوصل… اشتغلت شاشة كبيرة على الحائط.

وظهرت عليها صورة طفلة. بنت صغيرة عندها حوالي سبع سنين. وفي رقبتها نفس العلامة. وتحت الصورة ظهرت جملة واحدة:

“ملك الشناوي… لم تختفِ أبدًا.”

عمر وقف قدام الشاشة، مش قادر يستوعب. الصورة قدامه كانت لطفلة صغيرة، شعرها أسود طويل، وعيونها واسعة، وعلى رقبتها نفس العلامة اللي موجودة عند سلمى.

سلمى قربت من الشاشة. إيديها كانت بتترعش. وقالت بصوت مكسور:

“دي هي…”

عمر بص لها.

“ملك؟”

سلمى هزت راسها.

“أيوه.”

وفجأة الشاشة اتغيرت. ظهرت صورة تانية. ملك وهي أكبر شوية. وبعدين صورة وهي عندها عشر سنين.

وبعدين صورة وهي عندها خمستاشر سنة. وبعدين… صورة حديثة جدًا. عمر قرب من الشاشة.

“دي مش طفلة.”

سلمى قالت:

“ملك كبرت.”

عمر بص للصورة. البنت بقت شابة. لكن ملامحها كانت واضحة. وكانت شبه أمهم بشكل مخيف. فجأة ظهر صوت من السماعات:

“ملك عايشة.”

عمر صرخ:

“طلّعها!”

الصوت ضحك.

“مش قبل ما تعرف الحقيقة.”

“أنا مش عايز أعرف حاجة!”

“بس الحقيقة هي اللي هتنقذها.”

عمر شد قبضته.

“إنت مين؟!”

الصوت سكت. ثم قال:

“الشخص اللي كان أبوك بيدور عليه.”

وفجأة… باب سري فتح في الحائط. ظهر ممر ضيق تحت الأرض.

سلمى مسكت إيد عمر.

“الممر ده…”

عمر بص لها.

“إنتي عارفاه؟”

“أيوه.”

“إنتي دخلتيه قبل كده؟”

هزت راسها.

“مرة واحدة.”

“وكان فين؟”

سلمى بصت للضلمة.

“مكان ما كنتش عايزة أرجع له تاني.”

عمر شغل كشاف موبايله. ودخل. سلمى وراه. الممر كان طويل وبارد. الجدران عليها صور قديمة.

صور أبوهم. صور أمهم. صور سلمى وهي طفلة. وصور ملك. لكن فجأة عمر وقف. على الحائط كانت صورة ليه هو. وهو طفل. واقف جنب أبوه. وتحت الصورة تاريخ. قبل اختفاء سلمى بثلاثة أيام. عمر قرب.

“إيه ده؟”

سلمى بصت للصورة.

“أبويا كان بيراقبك.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى