روايات وقصص

العجوزة المشردة ج1 حكايات شروق خالد

زعيم مافيا سحب ست مشردة لأفخم صالون في القاهرة—لكن شعرها اللي طوله مترين كشف إنها الوريثة اللي الكل كان فاكر إنها ماتت من سنين!

أول حاجة الصالون كله خد باله منها كانت الريحة. ريحة مطر… ودخان… وخرسانة قديمة…

وريحة تانية وحشة طالعة من أماكن الناس المحترمة بتعدي من جنبها وتبعد وشها. وفجأة دخلت الست على أرضية الرخام الأبيض. كل الستات اللي قاعدين في الصالون اتجمدوا مكانهم. هدومها كانت متقطعة ومربوطة على جسمها برباط جزمة وحتت بلاستيك.

الجزمة نفسها كانت مفتوحة من قدام ومقطعة. وإيديها لونها كان رمادي من البرد والتراب. لكن شعرها… شعرها كان أكتر حاجة خضت كل اللي في المكان. واحدة من الكوافيرات حطت إيدها على بوقها من الصدمة. لأن شعر الست ماكانش نازل من على ضهرها.

شعرها كان بيتسحب وراها على الأرض! كتلة شعر ضخمة، متلبدة في بعضها، ناشفة ومتشابكة بشكل مرعب، كانت بتجر وراها زي سجادة قديمة مرمية في الشارع. الشعر كان مليان ورق شجر… وتراب… وسلوك… وطين… وحاجات غريبة متعلقة فيه من الشارع.

وكل خطوة كانت الست بتاخدها كانت بتشد راسها لورا، كأن الشوارع كلها ربطت حبل في شعرها ومش عايزة تسيبها تتحرك. واحدة من الستات همست بخوف:

“اتصلوا بالأمن بسرعة!”

لكن صوت راجل جه من وراها:

“محدش يتصل بحد.”

الصوت كان هادي… بس أول ما اتقال، الصالون كله سكت.

كان واقف هناك عمر الشناوي. الراجل اللي اسمه لوحده كان كفاية يخلي رجالة كتير تسكت وتوطّي صوتها. زعيم معروف في القاهرة. راجل محدش بيحب يدخل معاه في مشكلة. كان المفروض يكون قاعد في مكان آمن، حواليه دكاترة وحراسة، خصوصًا إن كان لسه خارج من إصابة خطيرة وضمادة كانت مستخبية تحت ياقة قميصه.

لكن بدل كل ده… دخل الصالون ومعاه ست الشوارع كلها رمتها بعيد. مدير الصالون قرب منه وهو متوتر وقال:

“يا باشا… إحنا مش هنقدر نستقبل الحالة دي هنا.”

عمر حط ظرف أسود تقيل على المكتب. وقال بهدوء:

“سبعين ألف جنيه.”

الراجل بص للظرف. عمر كمل:

“اقفل الصالون كله.”

وبص لكل اللي موجودين.

“وكل واحد هنا ياخد تلات أضعاف يوميته.”

المدير بلع ريقه وقال:

“ولو رفضنا يا باشا؟”

عمر بص للست اللي واقفة جنبه. كانت مرعوبة. جسمها كله بيرتعش. وعينيها كانت بتلف في المكان كأنها مستنية حد يضربها أو يطردها.

عمر رجع بص للمدير وقال:

“مش هترفضوا.”

سكت ثانية. وبعدين قال:

“لأن الست دي أنقذت حياتي.”

الست أول ما سمعت كلمة “ست” رفعت عينيها بسرعة. وكأنها مش متعودة حد يكلمها باحترام. كانت بتبص لعمر بحذر. خوفها كان أكبر من إنها تسأله هو ليه جابها هنا.

وبعد ساعات طويلة… بدأوا يقصوا الشعر المتلبد من على راسها. خصلة ورا خصلة. كتلة ورا كتلة. لحد ما آخر جزء وقع على أرضية الرخام. طخ! الصوت خلّى الكل يسكت. وبعدها حطوها تحت الميه. وفجأة… الميه بدأت تسود. التراب كان بينزل من جسمها طبقة ورا طبقة.

وببطء… شكل الست الحقيقي بدأ يظهر. بشرتها ظهرت من تحت التراب. ووشها بدأ يبان. وشعرها القصير، اللي اتقص بشكل عشوائي، بدأ يحيط بملامحها. والكوافيرات اللي كانوا من شوية بيبصوا لها بقرف… بقوا دلوقتي بيبصولها بخوف. لأنهم اكتشفوا إنهم كانوا شايفين إنسانة مكسورة…

لكن محدش فيهم كان متخيل مين الست دي أصلًا. مدير الصالون قرب منها. كان بيبص لجسمها وهو بيمسح آخر طبقة تراب عند رقبتها. وفجأة… إيده وقفت. وشه اتغير. عينه اتفتحت على الآخر. عمر لاحظ. وقال بحدة:

“في إيه؟”

المدير ما ردش. كان مركز في علامة صغيرة موجودة فوق عظمة الترقوة.

علامة قديمة… علامة مميزة جدًا… علامة كان شافها قبل كده من سنين. رفع المدير عينه ناحية عمر. وشه كان مليان رعب. وقال بصوت متقطع:

“يا باشا…”

عمر قرب منه.

“قول.”

المدير بلع ريقه وقال:

“العلامة دي…”

وسكت. عمر زعق:

“إيه يعني؟”

المدير بص للست تاني. وبعدين قال:

“أنا شفت العلامة دي قبل كده.”

عمر عقد حواجبه.

“فين؟”

الراجل قرب منه وهمس:

“في صورة قديمة جدًا…”

سكت لحظة. وبعدين قال:

“صورة بنت عيلة الشناوي.”

عمر اتجمد. المدير كمل وهو بيرتعش:

“البنت اللي أهلها قالوا إنها ماتت من خمستاشر سنة.”

عمر بص للست. لأول مرة… ركز في ملامحها. في عينيها. في شكل وشها. وفي العلامة اللي على رقبتها. وبدأ قلبه يدق بعنف. لأن البنت اللي واقفة قدامه… كانت المفروض تكون ميتة من خمستاشر سنة. لكنها كانت واقفة قدامه دلوقتي.

..حية. والأخطر من كده… إن عمر كان آخر شخص في الدنيا ممكن يتخيل إنها لسه عايشة.

عمر فضل واقف مكانه، مش قادر ينطق. كان بيبص للست كأنه لأول مرة يشوفها. الست نفسها كانت قاعدة على الكرسي، جسمها بيرتعش، وإيديها متشابكة فوق رجليها.

واضح إنها مش فاهمة الناس دي بتبصلها كده ليه. عمر قرب منها خطوة. هي أول ما شافته بيتحرك ناحيتها، رجعت بجسمها لورا بسرعة. الخوف بان في عينيها. عمر وقف مكانه. ولأول مرة من سنين، صوته طلع هادي بشكل غريب.

“ماتخافيش.”

الست ما ردتش.

بصت له شوية، وبعدين نزلت عينيها في الأرض. عمر قال:

“اسمك إيه؟”

سكتت.

“بتسمعي؟”

برضه مفيش رد. مدير الصالون قرب من عمر وقال بصوت واطي:

“يا باشا… هي مش بتتكلم.”

عمر بص له.

“يعني إيه مش بتتكلم؟”

“من ساعة ما دخلت وهي ساكتة.”

عمر رجع بص للست.

“طيب… معاكي ورق؟ بطاقة؟ أي حاجة تثبت إنتي مين؟”

الست هزت راسها بالنفي. عمر سأل:

“فاكرة اسمك؟”

سكتت. وبعدين رفعت إيدها ببطء ناحية رقبتها. وحطت صباعها فوق العلامة. عمر بص للعلامة. وقلبه اتقبض. لأن العلامة دي كان عارفها كويس.

أبوه كان دايمًا بيقول إن العلامة دي موجودة من يوم ما اتولدت أخته الصغيرة. سلمى. سلمى الشناوي. البنت الوحيدة اللي اختفت وهي عندها سبع سنين. في اليوم ده، البيت كله اتقلب. رجالة العيلة نزلت الشوارع.

الشرطة دورت. المستشفيات اتفتشت. والجرائد نشرت صورتها. وبعد شهور… وصلهم خبر إن بنت صغيرة اتلاقت في حادثة عربية. العيلة صدقت. أمها ماتت بعدها بأيام من الصدمة. وأبوها عمره ما اتكلم عن الموضوع تاني. لكن عمر… عمر كان عنده ذكرى واحدة بس من أخته.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى