
كانت بتجري وراه في جنينة البيت وهي بتضحك، وبتقوله:
“يا عمر استناني!”
اتنهد وهو بيبص للست قدامه. وقال بصوت مبحوح:
“سلمى؟”
الست رفعت عينيها. أول ما سمعت الاسم… دمعة نزلت من عينها. عمر اتجمد.
“إنتي… فاكرة الاسم ده؟”
هي ما ردتش. لكن إيديها بدأت ترتعش.
وبعدين مدت إيدها ناحية عمر. عمر قرب منها ببطء. كانت إيديها باردة جدًا. أول ما لمست إيده… شهقت. وكأنها افتكرت حاجة. وبدأت تبكي. عمر حس بقشعريرة في جسمه.
“إنتي أختي؟”
الست بصت له. وبعد لحظات، هزت راسها… مرة واحدة. عمر رجع خطوتين لورا.
“يا نهار أبيض.”
حط إيده على وشه.
“سلمى!”
وبدون ما يحس بنفسه، قرب منها وحضنها. هي في الأول اتخشبت. وبعدين انهارت في حضنه. وبدأت تعيط. عيطت كأنها كانت مستنية الحضن ده بقالها خمستاشر سنة. عمر كان بيحاول يتمالك نفسه. لكن دموعه نزلت غصب عنه.
وقال وهو بيضمها:
“إنتي كنتي فين؟”
سلمى ما ردتش.
“مين عمل فيكي كده؟”
برضه مفيش رد.
“مين رماكي في الشارع؟”
سلمى بدأت ترتجف بعنف. عمر حس إن السؤال وجعها. فبعد عنها وقال:
“خلاص… خلاص، مش هسألك.”
لكن قبل ما يبعد… سلمى مسكت في قميصه بقوة. وبصت ورا عمر. نظرتها كانت مليانة رعب. عمر لف بسرعة. مفيش حد. الصالون كله كان فاضي إلا من العاملين. سألها:
“في حد هنا؟”
سلمى هزت راسها بالنفي. وبعدين رفعت إيدها وبدأت تكتب بإصبعها على كف إيده. حرف.
..وبعده حرف… عمر حاول يفهم.
“م… ح… م…”
وفجأة وقف.
“محمد؟”
سلمى هزت راسها. عمر قال:
“مين محمد؟”
سلمى بصت حواليها بخوف. وبعدين كتبت تاني. المرة دي الكلمة كانت أوضح. أحمد. عمر عقد حواجبه.
“أحمد مين؟”
سلمى بدأت تبكي. وبصوت مبحوح جدًا، لأول مرة من خمستاشر سنة تقريبًا…
خرجت منها كلمة. كلمة واحدة.
“أحمد…”
عمر قرب منها.
“مين أحمد؟”
سلمى بصت له في عينه وقالت:
“أخويا.”
عمر اتصدم.
“أخوكي؟!”
سلمى هزت راسها. عمر قال:
“إنتي معندكيش أخ غيري!”
سلمى بدأت تهز راسها بعنف.
“لأ…”
عمر حس إن الموضوع أكبر بكتير مما كان متخيل.
“أحمد مين يا سلمى؟”
سلمى قربت من ودنه وهمست:
“ابن أبوك.”
عمر اتجمد. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.
“ابن… أبويا؟”
سلمى هزت راسها. وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقه:
“هو اللي خلاني أختفي.”
وقبل ما عمر يلحق يسألها أي حاجة.
..باب الصالون اتفتح بعنف. ودخل تلات رجالة لابسين أسود. واحد منهم رفع سلاحه. وقال:
“خدوا البنت.”
عمر وقف قدام سلمى فورًا. وقال:
“اللي هيقرب منها… هيموت.”
لكن الراجل ابتسم. وقال:
“إنت مش فاهم يا عمر…”
ورفع موبايل في إيده. على الشاشة كانت صورة قديمة.
صورة لطفلة صغيرة. وبجوارها رجل من عائلة الشناوي. ثم قال:
“أبوك كان عارف إنها عايشة.”
وسكت لحظة.
“وإنت الوحيد اللي ماكانش يعرف.”
عمر حس إن الأرض بتتهز من تحته. بص للصورة اللي الراجل ماسكها. البنت الصغيرة كانت فعلًا سلمى. نفس العينين. نفس العلامة اللي فوق عظمة الترقوة.
ونفس الابتسامة اللي عمر كان فاكر إنه مش هيشوفها تاني طول عمره. لكن الراجل اللي واقف جنبها… كان أبوهم. الحاج محمود الشناوي. أبو عمر. الرجل اللي مات من سبع سنين. عمر رفع عينه للراجل وقال:
“الصورة دي جبتها منين؟”
الراجل ضحك.
“من مكان أبوك كان مخبيه عنك.”
عمر شد فكه.
“مين إنت؟”
“واحد كان أبوك بيشتغل معاه.”
“أبويا ماكانش بيشتغل مع حد.”
الراجل ابتسم.
“أبوك كان بيشتغل مع ناس كتير يا عمر… وإنت عمرك ما كنت تعرف كل حاجة.”
عمر مد إيده بهدوء ناحية جيبه. الراجل شاف الحركة وصوب السلاح عليه.
“إيدك بعيد.”
عمر وقف مكانه. لكن عينه كانت على سلمى. هي كانت مستخبية وراه وبتترعش. قال لها من غير ما يبص عليها:
“متخافيش.”
وبعدين بص للرجالة:
“إنتوا عايزين إيه منها؟”
الراجل قال:
“هي مش المقصودة.”
عمر عقد حواجبه.
“أمال مين المقصود؟”
الراجل رفع الموبايل تاني.
“إنت.”
سكت المكان.
وبعدين قال:
“سلمى رجعت عشان تسلمك حاجة.”
عمر بص لأخته.
“إيه؟”
سلمى كانت بتبص للأرض. فجأة مدت إيدها في شعرها القصير. وبدأت تتحسس فروة رأسها. عمر استغرب.
“بتعملي إيه؟”
سلمى سكتت. وبعدين طلعت من بين الشعر عقدة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش قديمة.
ناولتها له. عمر أخدها. كانت خفيفة. فتح القماش. ولقى مفتاح نحاس صغير. وميدالية قديمة عليها حرف واحد:
م. ش




