روايات وقصص

ثلاث طرقات على باب حكايات شروق خالد

في تمام الساعة الحادية عشرة وتسعًا وخمسين وعند

خط ياسين.

“قالت إن بابك هو المكان الوحيد اللي أقدر أخبط عليه.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

“إنتِ كنتِ تعرفيني قبل الليلة دي؟”

هزت رأسها.

“ماما كانت بتتكلم عنك.”

“بتقول إيه؟”

رفعت عينيها نحوي وقالت:

“كانت بتقول إن عمو ياسين كان بيحبك.”

توقفت أنفاسي.

“إنتِ قلتي إيه؟”

“عمو ياسين.”

اقتربت منها ببطء.

“إنتِ تعرفي عمو ياسين؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“إزاي؟”

نظرت إلى أمها الملقاة على الأرض.

ثم قالت الجملة التي غيرت حياتي كلها:

“إبعد يا مراد.”

تنحيت جانبًا.

بدأ الطبيب يفحص سلمى، بينما بقيت عيناي معلقتين بالصورة.

مرت دقائق بدت لي كأنها ساعات.

وأخيرًا قال الطبيب:

“هي عايشة، لكن واضح إنها اتعرضت لمادة مخدرة أو مهدئة بجرعة كبيرة. لازم ننقلها المستشفى فورًا.”

رفعت عيني إليه.

“اعمل اللي لازم.”

ثم التفت إلى أحد رجالي.

“العربية جاهزة خلال دقيقة.”

أومأ الرجل وغادر.

اقتربت من ليان.

“إنتِ هتيجي معايا.”

تراجعت خطوة.

“ماما قالت ما أثقش في حد.”

جلست أمامها مرة أخرى.

“وأمك قالت لك تثقي فيا.”

نظرت إلى وجهي طويلًا.

ثم مدت يدها الصغيرة.

“أيوه.”

أمسكت يدها.

وفي تلك اللحظة، وصلني اتصال من رقم مجهول.

أجبت.

لم يتحدث أحد في البداية.

ثم جاء صوت رجل بارد:

“كنت فاكر إنك نسيت ياسين يا مراد.”

ويراقبني أنا أيضًا.

وفي صباح اليوم السابع، عندما فتحت سلمى عينيها أخيرًا في المستشفى، كان أول شيء قالته لي:

“مراد… متدورش ورا اللي حصل لياسين.”

اقتربت منها.

“ليه؟”

نظرت إليها بثبات.

ثم التفت إلى ليان، التي كانت نائمة على الكرسي بجوار النافذة.

“أنا مش هسيبهم يقربوا منها.”

بعدها بدأت سلمى تتعافى، وعادت ليان إلى المنزل.

لكنها لم تعد مجرد طفلة تعمل أمها في منزلي.

أصبحت جزءًا من عائلتي.

مرت السنوات.

كبرت ليان، وأصبحت فتاة ذكية وقوية، ولم أنسَ يومًا تلك الليلة التي طرقت فيها بابي وهي حافية القدمين.

وفي أحد الأيام، كانت تجلس بجواري في الحديقة، تحمل الصورة القديمة بين يديها.

سألتني:

“عمو مراد، بابا كان شجاع؟”

ابتسمت وأنا أنظر إلى الصورة.

“كان أشجع واحد عرفته.”

“وكان بيحبني؟”

نظرت إليها.

“أكتر من أي حاجة في الدنيا.”

سكتت لحظة، ثم سألت:

“وإنت أنقذتني؟”

ابتسمت.

“لأ.”

استغربت.

“أمال مين أنقذ مين؟”

نظرت إلى وجهها وقلت:

“إنتِ اللي أنقذتيني.”

لأنني كنت أظن أنني دفنت قلبي مع أخي قبل اثني عشر عامًا.

لكن في تلك الليلة، عندما طرقت طفلة صغيرة بابي ثلاث طرقات، أعادت إليّ شيئًا كنت قد فقدته منذ زمن طويل.

رجال لم نعرف أسماءهم.

ورجال كانوا يعرفون الحقيقة أكثر مما ينبغي.

ولهذا لم أسمح لليان بالخروج من الفيلا دون حراسة.

كانت تكره ذلك.

وفي صباح أحد الأيام، دخلت مكتبي وهي غاضبة.

“أنا مش طفلة!”

رفعت عيني من فوق الأوراق.

“عندك عشر سنين.”

“يعني كبيرة.”

“يعني لسه صغيرة.”

وضعت يديها على خصرها.

“كل صحاب

“لأنك غالية عندي.”

هدأت قليلًا.

ثم اقتربت مني.

“أنا شبه بابا؟”

توقفت يدي فوق الورق.

“أيوه.”

“ماما قالت إن عينيّا شبهه.”

ابتسمت.

“عينيكِ زيه.”

“وإنت كنت بتحبه؟”

نظرت إلى النافذة.

“أكتر مما تتخيلي.”

اقتربت مني أكثر.

“طب ليه عمرك ما بتحكيلي عنه؟”

لم أجد إجابة.

لأنني في الحقيقة كنت أخشى اليوم الذي ستسأل فيه.

كنت أخشى أن تعرف أن والدها لم يكن مجرد ضحية.

كان رجلًا دخل عالمًا خطيرًا ثم حاول الهروب منه.

وكانت ليان السبب الذي جعله يحاول النجاة.

أخرجت من درج مكتبي ظرفًا قديمًا.

وضعته أمامها.

“ده بتاع باباكي.”

نظرت إليه بدهشة.

“كنت مس…”

ثم توقفت.

رفعت رأسها إليّ.

“أنا مش عارفة أكمل.”

مددت يدي.

“اقري.”

أخذت نفسًا عميقًا.

“لو في يوم وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. عايزك تعرفي إني ما سبتكيش بإرادتي. كنت بحاول أرجعلك، لكن كان في ناس أقوى مني. لو قابلتي عمك مراد، صدقيه. هو الشخص الوحيد اللي مستعد يحميكي حتى لو خسر كل حاجة.”

بدأت دموعها تنزل.

ثم قرأت آخر سطر.

“وأهم حاجة… ما تكرهيش أبوكي.”

وضعت الرسالة على المكتب.

“هو كان عايزني أكرهه؟”

“كان خايف تكرهيه.”

“ليه؟”

نظرت إليها طويلًا.

“لأنه كان عارف إنك لما تكبري هتسمعي كلام ناس كتير عنه.”

سكتت.

ثم قالت:

“أنا مش بكرهه.”

شعرت بشيء يضغط على صدري.

“عارفة ليه؟”

هزت رأسها.

“عشان لو كان وحش، مكنش كتبلي الرسالة دي.”

لم أستطع منع ابتسامتي.

كانت أذكى مما توقعت.

مددت يدي وربت على شعرها.

“أبوك كان بيحبك.”

قالت:

“وأنت بتحبني؟”

نظرت إليها.

“أيوه.”

“قد إيه؟”

ضحكت.

“سؤال صعب.”

“جاوب.”

“قد ما أخويا كان نفسه يحبك.”

التفت إليه.

“في إيه؟”

وضع هاتفًا أمامي.

كانت هناك صورة.

صورة لليان وهي خارجة من المدرسة.

وتحتها رسالة قصيرة:

“البنت كبرت.”

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

رفعت عيني.

“مين بعتها؟”

“رقم مجهول.”

“تتبعوه.”

“حاولنا.”

“والنتيجة؟”

هز رأسه.

“الرقم متسجل من شبكة خارج مصر.”

نظرت إلى الصورة مرة أخرى.

كان الشخص الذي التقطها قريبًا جدًا.

قريبًا لدرجة أنني لم أشعر به.

وقفت.

“فين ليان؟”

هزت رأسها.

“إيه ده؟”

“مش عارفة.”

أخذته منها.

كان الصندوق قديمًا.

وعليه حرف واحد محفور:

ي.

ياسين.

فتحته.

وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا وورقة.

فتحت الورقة.

كان عليها عنوان.

“شارع المعز… مخزن رقم 17.”

نظرت إلى ليان.

“مين قالك إن الصندوق ده موجود؟”

كانت تجلس في الصالة.

وضعت الصندوق أمامها.

“إنتِ كنتِ مخبية ده؟”

نظرت إليه، وتغير وجهها.

“كنت عارفة إنه هيوصل لك.”

“إمتى؟”

“لما ليان تكبر.”

“إيه الموجود في المخزن؟”

بدأت دموعها تنزل.

“الحقيقة.”

“وليه ما قلتيليش؟”

“لأن ياسين طلب مني.”

“طلب منك إيه؟”

نظرت إلى ليان.

نظرت إلى ليان.

ثم عدت إليها.

“إيه اللي في المخزن؟”

قالت:

“مين؟”

لكنها لم تجب.

لأن صوتًا عاليًا دوّى فجأة خارج الفيلا.

ثم انطفأت الأنوار.

صرخت ليان.

في ثوانٍ، تحولت الفيلا إلى ظلام كامل.

لكنني لم أكن أعرف أنه كان الشخص الذي خان ياسين.

رفع فؤاد يده.

“اديني الصندوق يا مراد، والموضوع ينتهي هنا.”

ضحكت رغم الغضب.

“بعد اثني عشر سنة جاي تطلب مني أثق فيك؟”

قال:

“مش محتاج ثقتك.”

ثم نظر إلى ليان.

“محتاج خوفك.”

اقتربت ليان مني أكثر.

رفعت هاتفي سرًا، وضغطت زر الاتصال بأحد رجالي.

لكنني كنت بحاجة إلى وقت.

قلت:

أمسكت ليان وسحبتها خلفي.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى