
سبت 100 ألف جنيه جنب الكرسي وعملت نفسي نايم، عشان كنت عايز أثبت إن بنت صغيرة فقيرة عندها سبع سنين هتمد إيدها وتسرقني. بس هي ملمستش ولا جنيه. وبدال ما تاخد، حطت في إيدي حاجة خلت راجل عجوز عنده أربعة وسبعين سنة—وكان كبير منطقة وكلمته مسموعة—يقفل على نفسه باب الأوضة ويقعد يعيط للصبح.
أنا اسمي الحاج إبراهيم. لسنين طويلة، كان اسمي في السيدة زينب يخلي أي حد ياخد حذره.
كان عندي فلوس، ومحلات، ورجالة بحمايتي، وعمارة كبيرة، وعيال وأحفاد، ونفوذ يخلي أعفى راجل يوطي صوته وهو بيكلمني.
بس الحقيقة.. ما كانش عندي ثقة في حد.
قبلها بتلت أيام، وقعت من طولي وأنا بفطر.
الدكتور قال إني مش بموت ولا حاجة، بس يظهر إن عيالي ما وصلهمش الكلام ده صح.
في ظرف ساعات، تليفوني مأنتش من مكالماتهم. وتاني يوم الصبح، لقيتهم كلهم عندي في الشقة، معوجين بوشوش قلقانة وجايبين هدايا غالية.
لثانية واحدة، كنت هصدقهم.
لحد ما ابني الكبير فتح معايا الكلام بالهداوة عن الورث وعملية كتب الأملاك.
وبنتي جابت سيرة نقل ملكية المحلات.
وحفيدي، اللي بقاله شهور ما بيسألش عليا، فجأة بقى عايز يقعد تحت رجلي وما يفارقنيش.
ساعتها بس فهمت.
هم ما كانوش خايفين يخسروني.. هم كانوا خايفين الفلوس هي اللي تضيع منهم.
عشان كده قررت أعمل اختبار تاني.
بعد الظهر، كانت مريم قاعدة في الصالون عندي. أمها، فاطمة، كانت لسة شغالة جديد بتنضف عندي في البيت وما لقيتش حد تسيب البت معاه.
كنت عارف إن ظروفهم على قدها خالص.
إيجار متأخر، وفواتير مكسورة، وهدوم داينة.
حتى جزمة مريم كانت مقشورة ومفتوحة من قدام.
حطيت شنطة مفتوحة فيها 100 ألف جنيه جنب الكرسي بتاعي، غمضت عيني وعملت نفسي نايم.
قسوة؟
يمكن.
بس بعد العمر ده كله والخيانات اللي شفتها، كنت مقتنع إن الفلوس هي الحقيقة الوحيدة اللي بتكشف الناس.
عدت كام دقيقة.
وبعدين سمعت مريم بتقوم.
خطوات صغيرة ماشية على السجادة.
بتقرب.
بتقرب أكتر.
وقفت جنب الفلوس.
استنيت أسمع صوت الفلوس وهي بتتلف ولا تتاخد.
مفيش أي صوت.
وفجأة حسيت بيها واقفة جمبي.
قلبي اتقبض.
إيد صغيرة لمست إيدي.
بس هي ما أخدتش حاجة.. هي كانت بتديني.
بعد ما مشيت بالراحة، فتحت عيني.
الفلوس كانت زي ما هي، ولا جنيه ناقص.
وفي كف إيدي، كان فيه حظاظة بلاستيك صغيرة ورخيصة، معمولة من خرز ألوانه مش لايقة على بعض.
وكان فيه ورقة صغيرة متطبقة.
فتحتها.
وبخط طفولي يلخبط، مريم كانت كاتبة:
«يا عمو إبراهيم، بابا الله يرحمه وأمي بيقولوا إنك تعبان. الحظاظة دي بتخليني شجاعة لما بأكون خايفة. خديها معاك لحد ما تبطل تخاف.»
قعدت أبص للكلمات دي كتير أوي.
هي ما حيلتهاش أي حاجة في الدنيا.
ومع ذلك، ولما مفيش بني آدم شايفها، ما فكرتش تاخد مني إيه.
فكرت هي ممكن تديني إيه.
وفجأة، افتكرت المرحومة مراتي، خديجة.
قبل ما تموت، خلتني أوعدها إني عمر ما قلبي يقسى ولا أكون مر لدرجة إني ما أعرفش أشوف الخير لما يقف قدامي.
أنا خلفت الوعد ده.. لحد ما شفت مريم.
الليلة دي، قفلت على نفسي باب الأوضة.
بره، فيه ملايين وأملاك باسمي.
وجنبي، 100 ألف جنيه مفيش إيد لمستها.
بس في إيدي اللي بتترعش، كانت فيه حظاظة ما تسواش بصلة.
ولأول مرة من سنين طويلة، فهمت الفرق بين الحاجة اللي ليها سعر، والحاجة اللي ليها قيمة.
عيالي جروا عليا عشان فاكرين إني بموت.
أما البت الصغيرة الفقيرة، فجت لحد عندي عشان افتكرت إني خايف.
أنا عديت من مواقف صعبة كتير، وأعداء، وجنازات، وخيانات من أقرب الناس وما نزلتش مني دمعة.
بس الليلة دي، وأنا ضامم حظاظة مريم لصدري، بكيت لحد ما دموعي جفت.
تاني يوم الصبح، خرجت من أوضتي وشي غير وش الأمس.
طلبت فاطمة، أم مريم، تدخل لي المكتب. الست كانت مرعوبة، فاكرة إني هزعلها أو إن البت عملت حاجة غلط.
قعدتها، وطلعت الورقة والحظاظة، وحطيتهم على الترابيزة. فاطمة وشها جاب ألوان وقالتلي وهي بتترعش:
«والله يا حاج إبراهيم مريم غلبانة وما تقصدش حاجة، دي عيلة صغيرة ومش فاهمة…»
قطعت كلامها وقلتلها بصوت هادي لأول مرة من سنين:
«بنتك أنضف بني آدم دخل البيت ده يا فاطمة.»
طلبت المحامي بتاعي يجي فوراً.
ولما جمعت عيالي كلهم في الصالون، كانوا داخلين وعلى وشوشهم الابتسامة المزيفة، فاكرين إني هوزع التركة أو هكتب عقود المحلات.
عدت عليهم بعيني واحد واحد… ابني الكبير اللي كان مستعجل على أملاكي، وبنتي اللي بتفكر في الأسهم، وحفيدي اللي ما افتكرنيش غير لما حس إن الأجل قرب.



