روايات وقصص

السر اللي من أربع سنين

دخل ياسين الدمنهوري، أخطر رجل في عالم الجريمة بالقاهرة، مطبخه وهو بيدور على فلوس ناقصة من حسابات البيت، لكنه لقى بنت مدبرة البيت الصغيرة، ملك، عندها أربع سنين، واقفة بتعتذر عشان رجلها اللي فيها دعامة خدشت الرخام. وبعدين لاحظ الخدوش القديمة اللي تحتها، واكتشف طلب كانت واحدة متعمدة تدفنه قبل ما يوصل له.

 

“هي بتعتذر ليه على الأرض؟”

المطبخ كله سكت.

أنا نزلت المطبخ عشان مبلغ ٣٨٠ ألف جنيه اختفى من حسابات البيت خلال أربع شهور.

مصاريف صغيرة.

فواتير مكررة.

ومبالغ صيانة متدفنة وسط حسابات محدش كان هيفكر يراجعها.

لكن فجأة، ما بقيتش شايف أرقام.

بقيت شايف ملك.

كانت واقفة عند مدخل العمال، ماسكة أرنب قماش صغير، وإيدها التانية مسنودة على الحيطة.

دعامة بيضا كانت مغطية رجلها اليمين، والمفصلة المعدنية علقت في الحافة المرتفعة للرخام.

خدش جديد كان باين على الأرض.

وتحته كانت فيه خدوش أقدم.

“أنا آسفة يا أستاذ ياسين.”

بصيت لها.

“آسفة على إيه؟”

قالت بصوت واطي:

“رجلي.”

اتقدمت سعاد، مدبرة البيت.

وقالت بسرعة:

“إحنا نبهناها كذا مرة إنها ترفع رجلها كويس وهي بتعدي.”

ملك بصت للأرض.

“أنا بحاول.”

أمها، نجلاء، اتحركت ناحيتها بسرعة.

لكن سعاد مسكتها من دراعها.

“الفطار بعد أربع دقايق.”

نجلاء وقفت مكانها.

أنا لأ.

“شيلي إيدك منها.”

سعاد سابت دراعها فورًا.

نجلاء جريت على بنتها، ونزلت على ركبتها تفحص الدعامة وتفرك رجل بنتها بحنان.

بصيت لملك.

“رجلك بتوجعك؟”

هزت راسها.

“شوية.”

بصيت حواليا.

محدش سألها السؤال ده قبلي.

وبعدين بصيت لحافة الرخام.

“هي بتدخل من هنا ليه؟”

سعاد ردت بسرعة:

“دي تعليمات العمال يا فندم. أولاد الموظفين ممنوع يدخلوا من الممر الرئيسي للخدمة.”

قبل ما أرد، اتكلمت منة، مساعدة سعاد، من وراها.

“كان فيه طلب يا أستاذ ياسين.”

سعاد لفت لها.

“منة.”

كلمة واحدة.

لكنها كانت مليانة تحذير.

منة تجاهلتها، وفتحت الملف اللي في إيدها وطلعت ورقة مطوية ومدتها لي.

كانت نجلاء مقدمة الطلب ده من تلات شهور.

كان فيه مقاول مستعد يشيل حافة الرخام المرتفعة ويعمل مدخل مناسب للبنت مقابل ٥٠ ألف جنيه.

لكن على الورقة كان فيه ختم:

مرفوض — مصروف غير ضروري.

وتحت الختم توقيع سعاد.

لكن ده مش اللي خلاني أبصلها.

اللي خلاني أبصلها كان كود الحساب.

صيانة الرخام.

نفس الحساب المرتبط بالفلوس اللي اختفت.

بصيت للأرض تاني.

خمس خدوش قديمة.

وخدش جديد.

فجأة فهمت اللي قدامي.

نجلاء طلبت مساعدة لبنتها.

حد تعمد يخلي الطلب ما يوصلش لي.

وفي نفس الوقت، سمح لفلوس كتير تختفي تحت بند صيانة الرخام، بينما طفلة عندها أربع سنين كانت بتوجع نفسها كل يوم وهي بتعدي من باب كان ممكن يتصلح من تلات شهور.

طويت الورقة وحطيتها في جيب بدلتي.

سعاد بلعت ريقها.

“يا أستاذ ياسين، أنا أقدر أشرح.”

بصيت لها بهدوء.

“أكيد تقدري.”

كل اللي في المطبخ كان عارف معنى اسم ياسين الدمنهوري بره البيت.

لكن الموضوع ما بقاش له علاقة بعالم الجريمة.

ولا حتى بالفلوس.

بصيت لملك، اللي كانت لسه بتفرك ركبتها.

وبعدين بصيت لسعاد.

“تعالي معايا.”

أنا دخلت المطبخ وأنا بدور على ٣٨٠ ألف جنيه.

لكن دلوقتي بقيت عايز أعرف مين اللي كان بيسرقني.

ومين اللي علّم طفلة صغيرة إنها تعتذر لمجرد إنها اتوجعت.

حكايات شروق خالد

الفصل التالي

دخلت المكتب وأنا ساكت.

وسعاد ماشية ورايا بخطوات مترددة، وكل شوية تبص وراها كأنها مستنية حد ينقذها.

قفلت الباب.

وقفت قدامي.

“اتفضلي.”

سعاد فضلت واقفة.

“أستاذ ياسين، الموضوع مش زي ما حضرتك فاكر.”

رفعت عيني لها.

“أنا لسه ما قلتش أنا فاكر إيه.”

وشها اتغير.

سكتت.

قعدت على الكرسي وفتحت الملف اللي كان قدامي.

“ثلاثميت وتمانين ألف جنيه اختفوا من حسابات البيت في أربع شهور.”

قلبت أول ورقة.

“والغريب إن أغلبهم اتسحبوا على دفعات صغيرة.”

ورقة.

“عشرين ألف.”

ورقة تانية.

“تلاتة وعشرين ألف.”

ورقة بعدها.

“سبعتاشر ألف.”

قفلت الملف.

“كلهم تحت بند الصيانة.”

سعاد بلعت ريقها.

“أنا مسؤولة عن البيت، لكن الحسابات مش بإيدي.”

ابتسمت ابتسامة باردة.

“غريبة.”

قمت من مكاني.

“لأن كل طلب صيانة في البيت لازم يعدي من إيدك.”

سعاد بدأت تتوتر.

“أنا كنت بمضي الأوراق بس.”

“مين كان بيجيب الفواتير؟”

سكتت.

“سألتك.”

“المحاسب.”

“اسمه؟”

“محمود.”

“محمود مين؟”

اترددت.

“محمود جابر.”

حفظت الاسم.

وبعدين قربت منها.

“طلب نجلاء.”

وشها شحب.

“مين قالك إن الطلب ده موجود؟”

“منة.”

“منة؟”

هزيت راسي.

“أيوه.”

ضحكت بسخرية.

“الغريب إنك لما شفتِ الورقة في إيدي، أول حاجة عملتيها إنك بصيتي لها.”

سعاد ما ردتش.

“ليه؟”

“معرفش.”

“عارفة.”

قربت خطوة.

“بس مش عايزة تقولي.”

سعاد بدأت تبكي.

“يا أستاذ ياسين، أنا عندي ولاد.”

“وأنا عندي بيت.”

سكتت.

“والفلوس اللي اتسرقت مني مش لعبة.”

بصيت لها مباشرة.

“لكن أكتر حاجة ضايقتني إن بنت عندها أربع سنين كانت بتتألم كل يوم بسبب قرار حد أخفاه.”

نزلت عينيها.

“أنا ما كنتش عايزة أضرها.”

“بس أذيتها.”

دموعها نزلت.

“أنا اتطلب مني.”

وقفت ثابت.

“مين؟”

سعاد ما ردتش.

“مين يا سعاد؟”

صوتها خرج ضعيف.

“مدام هالة.”

اتجمدت مكاني.

هالة.

أختي.

الشخص الوحيد تقريبًا اللي كان عنده صلاحية يدخل على حسابات البيت من غير ما حد يسأله.

والشخص اللي كانت بتقول دايمًا إن مصاريف العمال بتزيد بلا سبب.

ابتسمت بهدوء.

“كملي.”

سعاد مسحت دموعها.

“مدام هالة قالتلي إن نجلاء لو بنتها محتاجة علاج، تخرج من البيت وتروح تدور على شغل تاني.”

سكت لحظة.

“والطلب؟”

“قالتلي ما يوصلش لحضرتك.”

“ليه؟”

“قالت إنك مشغول، وإنك لو عرفت هتعمل مشكلة.”

“والـ٣٨٠ ألف؟”

سعاد رفعت عينيها.

“أنا ما خدتش منهم جنيه.”

“مين خد؟”

قبل ما تجاوب، سمعنا خبطتين على الباب.

سعاد اتخضت.

أنا فتحت الباب.

كان كريم، رجلي اليمين في البيت وأكتر واحد بثق فيه.

قال:

“يا ياسين، محتاجك تشوف حاجة.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى