
الساعة كانت 11:47 بالليل لما حداشر كاميرا متدارية جابوا ست غلبانة مالهاش مأوى ماشية بالراحة بين الشجر ورا فيلتي في القاهرة، وبتمتد إيدها من بين الحديد بتاع شباك أوضة البنات. صباعي كان فوق زرار الإنذار على طول—لمسة واحدة وكانت كفيلة تجيب اتناشر راجل مسلح بيكروا، بس لقيت بنتي اللي عندها ثلاث سنين جريت حافية على الست كأنها مستنياها طول الليل.
فريدة مكنتش بتصرخ.
فريدة كانت هتموت من الجوع.
ووراها اختها ندى اللي عندها سنتين بتجر الدبدوب بتاعها على الأرض، وخدودها دبلانة ومخطوفة تحت الإضاءة الخضراء بتاعة كاميرا الرؤية الليلية. الست برة حطت إيدها جوة شنطة قماش مقطعة، وطلعت طبق صاج مفعوص، وزقته بالراحة من بين الحديد.
وشوفت بناتي بينقشوا الأكل وبيأكلوا زي العصافير الجعانة.
في اللحظة دي فهمت حاجة خلت دمي يتجمد في عروقي: الحرامي مكنش برة البيت.
كان فيه حد جوة بيتي بياكل قُوت عيالي وبيسرقهم.
الفيلة بتاعتي كانت ورا بوابات حديد طولها أربعة متر على طريق السويس، متأمنة كويس وحواليها شجر وحراسة تقفيل كامل تكسر عين أي حد. الناس في مصر تعرفني بصفتي جلال الألفي، رجل أعمال ومستثمر له مطاعم وشركات مقاولات وخطوط نقل في الجيزة والصعيد.
بس فيه ناس تانية كانت تعرف اسم تاني وشغل تاني للّي أنا بعمله.
أنا عديت من حروب ومشاكل عمري ما شوفتها في الصحف، وخيانات انتهت بنساف ناس ومحدش لقى لهم أثر. أنا بنيت كل اللي حيلتي بإن عينيا بتلقط التفاصيل اللي غيري مابيشوفهاش.
بس للأسف، جوة بيتي، غمضت عينيا وما شوفتش.
مراتي سارة توفت من سنتين فجأة بسبب جلطة. يوم عادي جداً اتقلب لإسعاف، واضواء، ودكتور طالع من الرعاية المركزة بيقولي: “شد حيلك، عملنا كل اللي نقدر عليه.”
من بعد اليوم ده، حزني اتحول لقواعد وحديد.
جناح البنات بقى زي القلعة—أبواب مصفحة، شبابيك بحديد، شغاليين متفتشين ومفحوصين بالواحدة، ووجبات بالمواعيد. حتى الشغالين كانوا بين الملاغاة بيسموا الأوضة “القفص الحديد” لما يفتكروني مش سامعهم.
ضحكت على نفسي وقولت فريدة وندى كده في أمان.
ومدام ماجدة، مديرة البيت، كانت دايماً مطمناني ومخلياني أصدق إنهم بياكلوا أحسن أكل. كل يوم إثنين، تجيلي بمنيو متغلف في مشمع، فيه سلمون أورجانيك، بوريه بطاطا، توت، زبادي، شوربة كوارع ومكملات مستوردة للعيال.
كانت تقول لي دايماً وهي مبتسمة: “البنات بياكلوا زي الفل يا جلال بيه.”
وكنت بأمضي وأدفع مصاريف الأكل.
تسعين ألف جنيه في شهر.
مية ألف في الشهر اللي بعده.
فواتير من محلات غالية في الشيخ زايد، أجبان مستوردة، سمك طازة، لحوم مزارع—كل حاجة كانت طالعة على الورق بالمسطرة. ولأن الضغط والشغل كان بيعملي زن جامد في ودني الشمال وبيخلي التركيز بالعافية، صدقت الورق والختم.
لحد ما جيه يوم أحد، رفعت فريدة على إيدي.
البنت كانت خفيفة بشكل يرعب.
همست لها: “أنتِ بتاكلي كويس يا روزي؟”
راحت دفنت وشها في رقبتي وسكتت.
وبصيت لندى وهي قاعدة على السجادة بتبصلي بعيون حسيتها كبرت فجأة على وشها المصفصوف.
ساعتها على طول طلبت كشف الأكل الأخير.
جت ماجدة ومعاها الدوسيه الجلد بتاعها، وورتني صور لأكل شكله يفتح النفس ومترتب في أطباق صيني صغيرة. سلمون، توت، زبادي، بوريه برتقالي—حاجة كده زي اللي بنشوفها في مجلات الأطفال.
بصيت لفي صورة منهم وقولتلها: “مين اللي بيصور الصور دي؟”
“أنا يا بيه.”



