
الكاميرات المستخبية كانت مغطية كل شبر في الفيلا، لأن الثقة زمان كّلفتني مراتي، وكانت هتكلفني ابني اللي عنده تمان سنين. ركبتهم وأنا مستني أقشب حرامي أو قاتل مأجور، بس لما الدادة الجديدة بتاعة ابني قفلت باب أوضته وهي فاكرة إن محدش شايفها، اللي عملته أجبرني أواجه حاجة أوجع بكتير من الخيانة.
أنا اسمي سيف المحمدي، والرجالة اللي زايي مبيعيشوش لو وثقوا في حد.
مكاني كان واخد مساحة ضخمة على طريق الساحل، حراسة مسلحة، وبوابات حديد، وكاميرات مراقبة كفيلة تحسب الأنفاس. بس رغم كل التأمين ده، المكان كان شبه المقبرة.
من سنة وأربعة أشهر، عربية مفخخة فرقعت عربيتي المصفحة. ابني، يوسف، نجا. أما أمه.. فلأ.
الانفجار قطع الحبل الشوكي عند يوسف، والولد اللي كان بيكسر البيت جري وفرحة عاد لبيته على كرسي متحرك. وفي السنة اللي بعدها، كان مبيتكلمش خالص.
كنت بقعد أراقبه طول الوقت من الشاشة رقم أربعة في غرفة التحكم تحت الأرض. يقعد جنب شباك أوضته يبص في الضلمة، زي الشبح اللي بيطارد طفولته.
دومينيك، أو عم حسنين رجل أمني الكبير، قال لي: “الدادة الجديدة بره يا سيف بيه.”
“دخليها.”
كنت طارد قبلها خمس دادات في ست شهور. في منهم اللي كانت بتعامل يوسف كأنه عاجز، وفي اللي كانت بتهمله أول ما تفتكر إن محدش شايف، وده بالضبط السبب اللي خلاني أركب كاميرات محدش يعرف عنها حاجة.
دخلت حنان. كانت لابسة بالتو كحلي دبلان، وجزمة مستهلكة، وشايلة شنطة جلد قديمة. شكلها كان مهدود من التعب، بس على عكس الباقيين، مكنتش خايفة مني.
“اقعدي.”
قعدت براحتها وبصت في عيني على طول.
رميت السيرة الذاتية بتاعتها على المكتب.
“مفيش شهادة تمريض. شغل في دور مسنين. سنتين قاعدين في البيت من غير شغل. ليه أأمنك على ابني؟”
“محتاجة الفلوس.”
صراحتها صدمتني.
“المكتب بتاعك بيبعت بضعف المرتب العادي. وأنا بعرف أنقل المريض، وأديه دواه، وأخد بالي من القسطرة والنظافة والعلاج الطبيعي.”
قربت بوشي منها:
“ابني مش مجرد شغلانة. لو غدرتي أو قصرتي، خروجك من الباب ده مش هيكون ساهل. فاهمة أنا مين؟”
“راجل بيدفع المصاريف في موعدها.”
فضلت باصص لها. مرمشتش حتى.
“أنا ماليش دعوة بشغلك يا سيف بيه. ابنك يفضل عايش، ونظيف، ومتقفل عليه أمان في شفتي. ومرتبي آخده يوم واحد ويوم خمسة عشر في الشهر. دي صفقتنا.”
“ما بيكلمش. مش هيتجاوب معاكي. وهيكرهك.”
حنان وقفت:
“كرهني رجالة أجدع منك. وريني أوضته.”
لمدة تلت أيام، كنت عايش تقريبًا قدام الشاشات.
حنان كانت بتيجي الساعة سبعة الصبح بالضبط، عمرها ما بصت على لوحة غالية ولا حاولت تتودد للحراس. والأهم من ده كله، عمرها ما عاملت يوسف على إنه بني آدم مكسور.
لما رفض ياكل الغدا يوم التلات، حطت الفاكهة جنبه وبس.
“كولها أو سيبها. أنا مش مطعم. بس مش هجيبلك أكل تاني عشان أنت زعلان.”
إيدي كانت هتتمد على الانتركوم أزعق. بس يوسف بص لظهرها وهي ماشية. ومسك شريحة تفاح. وأكل.
الحركة الصغيرة دي ذهلتني أكتر من أي حاجة. حنان مكنتش بتهمل ابني. كانت بتعامله كبني آدم طبيعي.
على يوم الخميس، كانت فيه مطرة وموج عالي بره على الساحل، وحنان بتعمل ليوسف تمارين العلاج الطبيعي. رجليه كانت محتاجة حركة كل يوم عشان تتفادى التيبس، بس الجلسات دي كانت دايماً بتنتهي بدموع وعياط.
عبر الكاميرا، شفت حنان بتتني ركبته الشمال. يوسف جسمه اتشنج. أصابعه مسكت في الملاية بقوة. ودمعة نزلت على خده.
جسمي كله اتشد. كفاية.. أقفلي.
قبل ما أتدخل وأشغل الانتركوم، حنان وقفت.
“بص لي يا يوسف.”
فتح عينيه.
“أنت بتكره الوضع ده. بتكره الكرسي. وبتكره البيت ده.”
وبعدين قالت كلمة نزلت على صدري زي السكين:
“وبتكره إن أباك بيبصلك طول الوقت وكأنه واقف في جنازتك.”
اتسمرت في مكاني. حنان كملت كلامها:
“من حقك تزعل وتغضب. اللي حصل معاك مش عدل خالص. بس لسه قدامك اختيارات.”
لمست ركبته بالراحة:
“ممكن تستسلم وتجيب ورا، وممكن تحافظ على جسمك جاهز. العالم مش هيقف عشان حادثة حصلتلك. أنت اللي لازم تقرر هتكمل مع الدنيا ولا هتفضل واقف مكانك.”
يوسف فضل باصص لها كذا ثانية. وبعدين حصلت حاجة على الشاشة رقم أربعة مكنتش شفتها من أكتر من سنة. شفايف ابني اتحركت.
قربت من الشاشة وأنا مش مصدق عينيا. حنان هي كمان قربت وشه منها. ويوسف فتح بقه وبدأ يتكلم.
قال بصوت طالع بالعافية، كأنه مطلعش من حنجه بقاله سنين:
— بحس باكتفة.. مش قادر.
حنان مغيرتش ملامح وشها، ولا صرخت من الفرحة ولا أخدته في حضنها زي ما أي حد تاني كان هيعمل. طبطبت على إيده بهدوء وقالت له:
— وجع التمارين أحسن مية مرة من وجع القعدة. كل ما تحس إنك مش قادر، افتكر إنك بتعمل ده عشان نفسك، مش عشان حد تاني.
في اللحظة دي، أنا كنت واقف في غرفة التحكم وشي محروق من الخجل. الكلمة اللي قالتها حنان نزلت عليا زي القلم على وشي: أنت بتبصله وكأنك واقف في جنازته.
كانت عندها حق. أنا من يوم الحادثة وأنا بتعامل مع يوسف على إنه بقايا ابني، مش ابني اللي لسه عايش. كنت حابسه في الخوف والرعب بتوعي، ورامي عليه همومي وضغوطي وذابحه بنظرات الشفقة والأسى اللي كنت ببصهاله بيها كل يوم.
نزلت من غرفة التحكم ومشيت في الطرقة الطويلة لحد ما وصلت لقصاد أوضته. وقفت بره الباب كذا ثانية، إيدي على الأكرة وبتترعش. لما فتحت الباب، حنان بصتلي بهدوء وانسحبت لورا عشان تديني مساحتي، وطلعت بره الأوضة وقفلت الباب وراها بسكوت.
قربت من يوسف، وقعدت على الركبتين قصاد الكرسي المتحرك بتاعه. كانت أول مرة أنزل لمستوى عينيه من شهور.
بصلي بعيون مليانة دموع، وبدال ما أقوله الكلام المعسول أو أطبطب عليه بذل، افتكرت كلام حنان.
— يوسف..
صوتي كان مخنوق، بس حاولت أكون ثابت.
— أنا آسف.. أنا نسيت إنك لسه هنا، وكنت فاكر إن الحماية هي إني أخبيك من الدنيا. بس أنت بطل، وأنا هكون جنبك في أي قرار تاخده.




