روايات وقصص

رجوع بعد غياب ج2.#حكايات_شروق_خالد

مرت أسابيع وحمزة على الحال ده. كل يوم ينزل من عربية الشغل قبل ما يروح المينا أو يقابل الكبار، ويقف قصاد دار الأيتام. يبص عليها من ورا الزجاج وهو بيموت في اليوم مية مرة.

المنطقة كلها بقت عارفة إن المعلم حمزة، اللي كلمته سيف على أرقاب الكل، واقف حارس شخصي لست مش عوزاه.. ومحدش يتجرأ ينطق كلمة.

في يوم، المطر كان نازل بغزارة والدنيا كحل. هدى كانت بتقلّب في دفاتر الدار بالليل، وسمعت صوت عربية واقفة برة. طلعت من الباب ولقيت حمزة واقف تحت المطر، ساند على العربية وراسه في الأرض، من غير مظلة ولا حراسة.

نزلت السلم وقربت منه وهي ماسكة شالها: “أنت بتعمل إيه هنا في البرد ده؟ اذهب يا حمزة.”

رفع عينه ليها، وكانت أول مرة تشوف عيون الراجل الحديدي ده فيها دموع: “مش هقدر أمشي يا هدى.. أنا اكتشفت إني مكانش عندي بيتاً أساساً غير لما كنتي أنتي فيه. أنا كنت فاكر إني حاميكي من الدنيا، وطلعت أنا أكتر واحد آذاكي.”

مسك إيدها بالراحة—لأول مرة بلمسة فيها رجاء مش أمر: “أنا مش طالب منك ترجعي القصر.. أنا مستعد أسيب القصر وأجي أعيش هنا في الحارة دي، أو أبيع كل حاجة وأبدأ معاكي من الأول.. بس بلاش تحرميني إنك تكوني في حياتي.”

هدى بصت في عينيه ولقيت حمزة تاني خالص.. مش سيد المعلمين، ولا الراجل القاسي اللي بيحسب كل حاجة بمصلحته. لقيت راجل اتكسر كبرياؤه وعرف قيمة النعمة اللي كانت في إيده بعد ما ضاعت.

سكتت لحظة، وبعدين شالت الشال من على كتفها وحطته على راسه عشان يحميه من المطر، وقالتله بصوت هادي: “ادخل جوة الشاي يسخن.. ونتكلم.”

كانت دي أول خطوة في طريق طويل، بس حمزة عرف إن الباب اللي اتأفل في وشه أتعور فيه خرم أمل صغير، وإنه مستعد يقضي باقي عمره يبني الثقة دي من جديد.

دخل حمزة الدار وراها وهو بيحس إن كل خطوة بيمشيها في المكان البسيط ده أغلى عنده من القصر كله. قعد على كرسي خشب صغير في مكتبها، وهدى عملت الشاي وقعدت قدامه.

السكوت كان سيد المكان، بس المرة دي مكانش سكوت خنقة وقسوة.. كان سكوت إعادة حسابات.

حمزة بدأ يتكلم، ولأول مرة يفتح قلبه ويبوح باللي جواه: “أنا طول عمري متربي إن القوة هي كل حاجة، إن الراجل لو أظهر مشاعره يتكسر. كنت فاكر إن حمايتي ليكي ولأبوكي هي الحب، وما فهمتش إنك كنتي محتاجة تحسي إنك شريكة مش مجرد بروتوكول في حياتي.”

هدى كانت بتسمعه بهدوء، ومسكت كوباية الشاي وقالتله: “أنا مش زعلانة منك يا حمزة، أنا زعلت على نفسي.. الزعل لما بيطول بيطفي. أنا مش رافضة شخصك، أنا رافضة الحياة اللي كنت عايشاني فيها.”

“أنا غيرت كل حاجة،” حمزة رد بسرعة ولهفة: “شيرين مش هتشوف وشها تاني، الشغل اللي فيه شبهة أو بيجيب مشاكل صفيته، وسليم مسك إدارة المينا بالطريقة الجديدة. القصر هبيعه أو هنهده ونبنيه بالشكل اللي تحبيه.. ولو عاوزة نفضل هنا في الحي الشعبي ونكبر الدار دي، أنا معاكي.”

هدى ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكانت دي أول مرة تشوف نية حقيقية للتغيير في عينيه مش مجرد كلام أو حركات جدعنة.

“مش هينفع أرجع معاك النهاردة ولا بكرة يا حمزة،” هدى قالت بوضوح: “أنا محتاجة أرجع أثق في نفسي وفي مكانتي عندك الأول.”

حمزة هز راسه بالقبول ومسك إيدها وباسها بوجود وحب خالص: “أنا مستعد أستنى العمر كله.. المهم إنك تديني فرصة أثبتلك.”

ومن اليوم ده، حمزة بدأ يزور الدار كمتطوع، يتكفل بكل احتياجات الأطفال، ويقضي ساعات يتكلم مع هدى ويسمعها بجد. وبمرور الأيام، الجليد اللي كان على قلب هدى بدأ يدوب، وبدأوا يكتبوا حكايتهم من جديد.. بس المرة دي على نظافة، وباحترام وحب حقيقي.

مرت ست شهور كاملة وحمزة عايش بين عالمين؛ الصبح متابع شغله في المينا والشركات اللي نظمها وبقت كلها حلال وصح، وبعد الظهر موجود في الدار. بيسند، بيساعد، وبيمسح على رؤوس الأطفال اللي اتعلقوا بيه وبقوا يستنوا جيلته كل يوم.

في يوم، هدى كانت قاعدة في الجنينة بتراقب حمزة وهو شايل ولد صغير من الأطفال ومشغّله ضحك وهو بيلعّبهم. حسّت إن الراجل الجبل اللي مكانش بيعرف يبتسم إلا بحساب، بقى ينبض بحنية دفنتها الدنيا زمان.

قربت منه وقالتله بابتسامة دافية: “الولد ده مبيضحكش مع حد قدك يا حمزة.”

حمزة بص لها، وعينيه كان فيها كمية حب ورضا مع المطر والخضرة اللي حواليهم، وقالها: “لأنه أخد الحنية من المكان ده.. أخدها منك. أنا اتعلمت منك إزاي أكون بني آدم يا هدى.”

سكتت لحظة، وبعدين قالتله: “الدار هنا كبرت، والأطفال بقوا محتاجين مكان أكبر.. والقصر هناك فاضي أوي يا حمزة.”

حمزة اتسمر مكانه، والدموع جمعت في عينيه مش مصدق الكلمات: “تقصدي إيه يا هدى؟”

هدى مسكت إيده بثبات وقالتله: “أقصد إننا نفتح القصر ونخليه دار كبيرة للأطفال دول، ونرجع نعيش فيه سوا.. بس المرة دي، إحنا الاتنين أصحاب البيت، وإنتي وسطينا مش ورايا.”

حمزة نزل على ركبته ومسك إيدها وباسها بدموع حقيقية، مش دموع انكسار، لكن دموع فرحة بشرع جديد وحياة جديدة.

ورجعوا القصر.. بس المكان اللي كان زمان دافي بس بالأثاث والرخام، بقى مليان بضحك الأطفال وحركة الحياة. شالوا الكاميرات، وشالوا الجدران العالية، وحمزة بقى يتباهى بهدى قدام كل الدنيا، مش لأنها واجهة، لكن لأنها الروح اللي أحيت قلبه ورجعتله حياته من تاني.

#حكايات_شروق_خالد

رجوع بعد غياب

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى