روايات وقصص

لحن العزة ج2 .حكايات شروق خالد

مرت الأيام والشهور، والحي كله بقى يتكلم عن “أمل” بنت الأوسطى عماد بتس دوزان الآلات.

البنت اللي كانت بتدخل من باب الخدم ورأسها مكسورة، بقت بتدخل من البوابة الرئيسية لفيلة الحاج شريف الباشا ورأسها مرفوعة للسما. ما بقتش بس بتظبط البيانو القديم، دي بقت بتشرف على قاعة المزيكا كلها، وبتعلم أطفال العيلة إزاي يحسوا باللحن قبل ما يعزفوه.

وفي يوم، وبعد سنة بالتمام، الحاج شريف الباشا جمع كل كبار العيلة والضيوف في صالة المزيكا.

البيانو المربع القديم كان لسة واقف في نص الأوضة، بيلمع ونظيف، ومفيش أي ساتر يداريه.

وقَف الباشا على عصايته الفضة، وبص للناس وقال: “من سنة، فيه ناس هنا ضحكت على بنت غلبانة عشان هدومها متخيطة، وكانوا فاكرين إن الفلوس والحرير هما اللي بيعملوا القيمة. النهاردة أنا جمعتكم عشان أعلن حاجة مهمة.”

كل الناس سكتت، والحاجة فريدة كانت قاعدة ورا ووشها تجمد من الخوف.

كمل الباشا كلامه وهو يبص لأمل: “النهاردة، أمل مش بس المسؤولة عن المزيكا هنا… أنا قررت أفتح أكبر معهد لتعليم وتصنيع الآلات الموسيقية في مصر، وهيكون باسم ‘معهد الأوسطى عماد’، وأمل هي اللي هتمسكه وتديره بالكامل.”

الأوضة اتملت تصقيف، وأمل دموعها نزلت من الفرحة… افتكرت أبوها اللي قضى عمره كله يظبط السلوك في الورشة الصغيرة، وافتكرت الليلة اللي شالت فيها البيانو بكتفها عشان ما يقعش.

الحاجة فريدة قربت منها بالراحة، ولأول مرة تحط رأسها في الأرض وتقول بصوت واطي: “سامحيني يا بنتي… أنا اتعلمت الدرس.”

أمل ابتسمت لها بكرامة وقالت: “المسامح كريم يا هانم… المزيكا علمتنا إن أي نغمة نشاز ممكن تتظبط لو أصحابها حابين يسمعوا الصح.”

ومن اليوم ده، بقى البيانو القديم في نص الفيلة مش مجرد آلة موسيقية… بقى شاهد على إن العز مش بالهدوم والفلوس، العز بالروح الصافية والصنعة اللي بتجبر الكل يحترمك.

#حكايات_شروق_خالدوبقت القصة دي يتردد صداها في القناة والمجلس والورش؛ البنت اللي دخلت بشنطة عدة سلك ورداء متخيط، بقت هي أستاذة المعهد وصاحبة الفضل.

وفي يوم افتتاح المعهد، وقف الحاج شريف الباشا جنب أمل قدام الشريط الأحمر. كانت الورشة القديمة بتاعة أبوها الأوسطى عماد اتطورت وبقت أرقى مكان لتعليم وتصليح آلات المزيكا في مصر كلها، وكل الفئات—من ولاد البشوات للصناع والشباب الغلابة—جايين يتعلموا السر.

الباشا بص لأمل وقال لها: “عارفة يا أمل… البيانو المربع القديم ده ماكانش بس آلة محتاجة تظبيط سلك؛ ده كان اختبار لكل واحد في الصالة الليلة دي. والوحيدة اللي نجحت فيه هي أنتِ.”

أمل مسكت المقص وقصت الشريط، وصوت التصقيف هز المكان.

ومن يومها، بقت المقولة اللي أبوها علمها لها في الورشة محفورة على باب المعهد برة بالبنط العريض عشان كل اللي يدخل يقراها:

“القيمة مش في الفلوس ولا الحرير اللي لابسيه… القيمة في الإيد اللي تعمر، والروح اللي ما ترضاش بالكسر.”

#حكايات_شروق_خالد

 

لحن العزة

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى