روايات وقصص

عشقت عدوي اللدود” ج 2 حكايات شروق خالد

أمرت السواق يدوس بنزين للآخر، وأربع عربيات اللاندروفر السودا شقّت ليل القاهرة المظلم والمطر غارق الشوارع، لحد ما وصلنا قدام الفيلة الضخمة بتاعت عاصم في منطقة الهرم. الحراس بتوعه اللي على البوابة ما لحقوش حتى يرفعوا ، لأن رجالة سعيد كانوا هجموا عليهم زي الشياطين وربطوهم في ثواني معدودة.

نزلت من العربية، وخطواتي كانت ثابتة وصارمة كأنها دقات ساعة بتعد دقايقه الأخيرة. شديت باب الفيلة الرئيسي برجلي كسرت القفل بتاعه، ودخلت جوه وأنا رافع وقدامي سعيد وباقي الرجالة بيأمنوا المكان.

الصوت العالي والضحك اللي كان جاي من الصالة الكبيرة انقطع مرة واحدة أول ما دخلت. عاصم كان قاعد على كرسي فخم، وحواليه أربعة من كبار رجالته، وعلى ترابيزة قدامهم كاسات. أول ما شافني، وشه خطف ألوان ووقف مفزوع من مكانه:

* “ن… بيه؟! إيه جابك هنا في الوقت ده؟!”

قربت منه خطوة بطيئة، وعيني كانت بتطلع شرار:

* “جاي أخد حق مراتي وابني يا عاصم.. وجاي أخد روحتك جزاءً للي عملته.”

عاصم بلع ريقه وحاول يتماسك، وضحك ضحكة عصبية باينة في صوته:

* “مراتك مين يا راجل إنت؟! هو أنا جيت ناحية حد؟! أكيد فيه لبس في الموضوع…”

قبل ما يكمل كلمته، كنت وصلت قدامه ونزلت بكف إيدي على وشه بقوة لدرجة إنه اترزع على الترابيزة وكسرها، والكاسات اتفرتكت على الأرض.

* “سلطان اعترف بكل حاجة!” صرخت في وشه وأنا ماسكه من ياقة قميصه ومقربه مني بعنف: “قال لي إنك أمرته يرميها من على السلم عشان تكسرني في الشغل.. بس نسيت إني لو عايز أمسحك انت وعيلتك من الخريطة، مش هياخد في إيدي دقيقة واحدة!”

رجالة عاصم حاولوا يرفعوا  علينا، بس في نفس اللحظة كان تمن متوجهة لروسهم من رجالة سعيد، والصمت المرعب ملى المكان.

* “حركة واحدة.. واللي هيبقى شاهد على  نفسه.” قالها سعيد بصوت خشن .

بصيت لعاصم اللي كان دمه سايح من بوقه لدرجة إنه مبقاش قادر ينطق، ووطيت جنبه همست في ودنه بصوت يجمّد افي العروق:

* “كل شحناتك وأملاكك في الموانئ هتتتنازل عنها لينا دلوقتي حالاً.. وحياتك وحياة الكتاكيت اللي حواليك دول تمنها.. ولو فكرت بس ترمي طرف عينينا ناحية هبة أو ابني تاني، هخلي دبايب رجلي في جهنم أهون عليك من اللي هعمله فيك!”

عاصينه:

* “ح… حاضر! اللي تحمله.. كله تحت أمرك.. بس سيبني حي!”

الفصل الخامس

بعد ما أخدت ورقة التنازل موقعة ومختومة برعب عاصم ورجالته، سيبت الفيلة وهي ورايا كوم تراب، وركبت عربيتي اللاندروفر وسايق بجنون ناحية مستشفى السلام. كل اللي كان في عقلي وطاير برأسى طول السكة دي هو حاجة واحدة بس: هبة وابني.

وصلت المستشفى في دقايق معدودة، نزلت وجريت على السلم طيران لحد ما وصلت الدور التالت قدام العناية المركزة. فتحت باب من غير ما أستأذن حد، ولقيت دكتور طارق واقف جنب السرير وبيبص في شاشات الأجهزة.

* “دكتور! طمني.. هبة عاملة إيه؟ والبيبي إخباره إيه؟” سألت بصوت ملهوف وعيني على وشها الباهت.

التفت لي دكتور طارق وبان على وشّه ابتسامة راحة خفيفة:

* “الحمد لله يا بيه.. الضغط استقر، ونبض الجنين ممتاز وما تأثرش بالصدمة.. والأهم من ده كله…”

قربت خطوة وعيني طالعة براسي:

* “الأهم إيه؟”

* “الست هبة بدأت تسترد وعيها من دقايق، وحركت إيديها.”

ما استنيتش أسمع باقي الكلام؛ قربت من السرير بخطوات بطيئة كأني خايف تكون دي حلم وهيفوقني منه كابوس. سحبت الكرسي وقعدت جنبه، ومديت إيدي مسكت إيدها الباردة بين إيدي الاتنين، وبستها بحرارة ودموعي اللي عمري ما حد شافها لمعت في عيني.

همست بصوت مختنق ومشطوب:

* “هبة… حقك عليا.. سامحي الراجل اللي أذكي وأغبى مخلوق في الدنيا دي.. أنا أسف.”

بعد ثواني، جفونها تحركت ببطء شديد، وفتحت عينيها التعبانتين بصعوبة بالغة. فضلت باصة لي ثواني كأنها مش مصدقة إن أنا اللي قاعد قدامها، وبعدين بصوت واطي وناشف قالت:

* “… أنت… بجد إنت هنا.. ولا أنا في حلم؟”

ضغطت على إيدها بحنان خوفاً لتفلت مني، ونزلت دمعة حارقة على إيدها:

* “مش حلم يا قلب .. أنا هنا، وجنبك، ومش هسيبك تبعدي عني تاني أبداً.. لا إنتي.. ولا ابني.”

#حكايات_شروق_خالدالفصل السادس

فتحت هبة عينيها على آخرها كأنها استوعبت الكلام، ودموعها نزلت على خدها بصمت، وقالت بصوت مكسور وناشف من التعب:

* “ابني… هو ابني كويس يا ؟”

مسحت دموعها برفق شديد، وبست راسها قدام الأجهزة اللي بتنظم ضربات قلبها، وابتسمت وأنا باصص في عيونها:

* “ابننا كويس وزي الفل.. الدكتور لسه طمني عليه، محدش يقدر يلمس شعرة منه طول ما أنا عايش.”

هبة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بضعف:

* “بس… بس إنت قلت لي يوم الطلاق إن كل حاجة بينا كانت كذبة… ليه رجعت لي؟ وليه خايف عليا كده دلوقتي؟”

حرارة كلامها وجعت قلبي أكتر من أي رصاصة. مسكت إيدها وقربتها من شفايفي، وكلماتها كانت خارجة من جوايا بصدق عمري ما نطقته لأي مخلوق:

* “عشان كنت أجبن راجل في الدنيا يا هبة.. كنت فاكر إن بابتعادي عنك هحميكِ من أعدائي وعالم المافيا والقرف اللي عايش فيه. كنت مفكر إن لما أخليكِ تكرهيني، هتقدري تعيشي بعيدة عن خطر بيتي.. بس ما كنتش اعرف إن غيابك هو  بطيء لنفسي.”

سكتت ثواني وأنا باصص في عيونها اللي لمعت بدموع الفرح والوجع في نفس الوقت، وكملت:

* “كل كلمة قلتها يومها كانت كذبة.. كذبة كبيرة عشان أبعدك عن طريق الجحيم بتاعي.. إلا حاجة واحدة.. إني عشقتك من أول يوم شفتك فيه، وهفضل أحبك لآخر يوم في عمري.”

هبة غمضت عينيها ونزلت دمعة دافية على خدها، وبعدين هزت راسها ببطء شديد وبابتسامة تعبانة ظهرت على شفايفها:

* “وأنا عمري ما بطلت أحبك يا .. حتى وأنت قاسي.”

قربت منها أكتر،  راسها بحذر وخوف على جرحها، ودفنت وشي في شعرها وأنا حاسس إن الدنيا كلها رجعت تضحك لي تاني بعد عاصفة  تقيلة.

النهاية

عشقت عدوي اللدود”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى