
“أنا جاهزة يا محمد.”
طلعنا للدور الأخير تاني.
الممر المرة دي كان فيه جو مشحون، واثنين من رجال الأمن الشخصيين واقفين جنب باب مكتب الإدارة. أول ما فتحنا الباب، شفنا عبد الحميد بيه قاعد ورا مكتبه، ووشه مشدود ومشحون.
وقصاده على الكنبة الجلد العريضة، كان قاعد راجل في أواخر الأربعينات، متأنق بشدة، حاطط رجل على رجل وماسك كاس المية بهدوء وكأنه صاحب المكان.
ده كان “ماركوس”، الشريك الأجنبي وممثل المجموعة الاستثمارية.
“تعالوا يا شباب،” عبد الحميد بيه قالها بنبرة حازمة بتحاول تداري الضغط: “ماركوس بيه كان حابب يتعرف على الفريق المالي المسؤول عن مراجعة أوراق الدمج والتوسع الجديد.”
ماركوس وقف، وبص لمريم بنظرة فيها استعلاء وغمزة خفية ما يفهمهاش غيرهم، وبعدين لف لي ومد إيده بابتسامة باردة:
“أهلاً.. محمد مراد، صح؟ سمعت عنك كتير.. المحلل المالي الذي لا يخطئ.”
مسكت إيده وضغطت عليها بثبات وبدون أي انفعال:
“أهلاً ماركوس بيه.. الشرف لينا.”
ماركوس قعد تاني وميل بظهره لورا، وبص لعبد الحميد بيه وقال باللغة الإنجليزية بنبرة هادية بس ملغومة:
“يا عبد الحميد… أنا كنت بوضح لك إن الوقت المتبقي عشان نوقع اتفاقية الشراكة دي قليل جداً. التقرير المالي النهائي لازم يعتمد قبل نهاية الأسبوع، وإلا المجموعة هتشوف إن في محاولة للمماطلة.. وده ممكن يخلينا نضطر نفتح الملفات القديمة ونعيد تقييم الشراكة كلها من جديد من خلال الجهات الرقابية.”
الضغط كان واضح وصريح في قلب الأوضة. مريم إيدها اتقفلت، وعبد الحميد بيه صوابعه اتشنجت على حرف المكتب.
وقفت خطوة لقدام، وبصيت لماركوس بثبات وابتسامة هادية جداً، وقلت باللغة الإنجليزية المتناغمة:
“حقيقي يا ماركوس بيه، السرعة مطلوبة… لكن التناغم القانوني والمالي أهم. إحنا حالياً بنراجع التحويلات الخاصة بشركات الخدمات المساندة… وتحديداً الشركة المسجلة في ملاذ ضريبي أوفشور اللي جرى تحويل 15 مليون جنيه ليها الشهر اللي فات.”
أول ما نطقت الرقم واسم نوع الشركة، كاس المية في إيد ماركوس اتهز خفيف. الابتسامة الباردة اختفت من وشه فجأة، ونظرة الاستعلاء تحولت لجمود حاد. عبد الحميد بيه بص لي بذهول كامل، ومريم حبست أنفاسها.
كملت بنبرة هادية وأنا بطلع أجندتي الصغيرة من جيبي:
“لأن التحويل ده طالع كخدمات استشارية، والشركة دي مالهاش أي مقر مادي أو نشاط معلن، فإحنا محتاجين اعتماد توقيعك الشخصي على صحة الفواتير دي عشان ندرجها في تقرير الدمج النهائي للجهات الرقابية… طبعاً حضرتك معندكش مانع ترافقنا بالأوراق الثبوتية للشركة دي بكره الصبح؟”
ماركوس حط الكاس على الترابيزة بصوت حاد، ووقف وهو بيزرار جاكيت بدلته، وبص لي بنظرة استياء واضحة:
“أعتقد إن التفاصيل الصغيرة دي تتحل بين الإدارة العليا يا محمد… أنت موظف تحليلات، مش رجل قانون.”
“صحيح يا فندم،” رديت عليه ببرود: “أنا مجرد راجل أرقام… والأرقام ما بتعرفش المداراة.”
بص ماركوس لعبد الحميد بيه وقال بصوت متوتر ومكتوم:
“نتكلم بكره يا عبد الحميد… لوحدنا.”
وساب القاعة وخرج بسرعة، ورجاله مشيوا وراه.
أول ما الباب اتقفل، عبد الحميد المنصور وقف من على الكرسي، وبص لي بنظرة ذهول مخلوطة بالغضب والقلق، وقال بصوت هز الأوضة:
“أنت بتقول إيه يا محمد؟! أنت عرفت التحويل ده منين… وإزاي تتكلم معاه بالشكل ده؟!”
#حكايات_شروق_خالد

