منوعات

الطفلة وزعيم المافيا ج1 حكايات شروق خالد

“إزاي أعمل عضلات زي عضلاتك؟”.. ده كان سؤال بنت الشغالة الصغيرة لزعيم المافيا.

كان عندي أربع سنين لما دخلت الأوضة الوحيدة في الفيلا اللي الكل حذرني إني أقرب منها. أكتر راجل بيهابوه في القليوبية كلها كان جوة.

قلع قميصه، وجسمه مليان آثار قديمة، وعمال يرفع نفسه فوق شريط حديد وكأن الجاذبية دي حاجة مضايقاه شخصياً. ضمت الأرنب بتاعي، اللي بأذن واحدة، لصدري وسألته: “هو أنا إزاي أعمل عضلات زي عضلاتك دي؟”

أغلب ذكرياتي وأنا عندي أربع سنين بتيجي كده حتت متقطعة: ريحة كريم أمي.

الكرسي الأصفر الصغير اللي كنت بقف عليه عشان أطول الحوض. ياقة البالتو الأحمر اللي كنت بكره ألبسه وأنا رايحة الجمعية الشرعية عشان كانت بتضايق رقبتي.

بس الصبحية دي بالذات فاكراها بالملّي.

المطر كان ينزل على واجهة الإزاز الطويلة بتاعة الجيم الخاص بـ”سليم بيه” على شكل خطوط فضية معوجة.

الأوضة كان ريحتها مطاط، وحديد، وريحة المطهر بلمون اللي الخدامين كانوا بيمسحوا بيه كل شبر في البيت.. وكأن النظافة هتقدر تخلي الفيلا دي أقل رهبة!

أمي كانت قايلة لي ما أطلعش برة المطبخ. قالتها لي مرتين وركزت معايا وهي ماسكة دقني عشان تتأكد إني مش هعمل نفسي مش فاهمة.

– “زينب، تقعدي هنا.”
– “حاضر.”
– “ما تتسلليش وتمشي.”
– “حاضر.”
– “ده مش بيتنا.”
– “حاضر.”
– “ما تفتحيش أي أبواب.”

الشرط الأخير ده بالذات باين إني مفهمتوش كويس!

أمي، “أمينة”، كانت شغالة دادة ومدبرة منزل في بيت سليم بيه.

بقالها هناك 11 شهر، وقت كفاية جداً يخليها تفهم نظام البيت اللي الناس فيه بتتكلم بصوت واطي حتى لو مفيش حد نايم.

أنا بقى كنت فاهمة أقل بكتير.

كنت عارفة إن الجنايني بيقلع كابو أول ما عربية سودا معينة تدخل من البوابة.

عارفة إن الرجالة اللي لابسين بدل غالية ساعات بيقعدوا في الصالون الغربي ساعة كاملة من غير ما حد يعزم عليهم حتى بقهوة.

كنت عارفة إن الطباخين ينفع يزعقوا مع بعض على الخضار، ومدير البيت يشتكي من فواتير التدفئة، ورجالة الأمن الطوال العراض يقعدوا يهزروا على الماتش.

بس أول ما “سليم بيه” يدخل الأوضة، كل دول فجأة بيفتكروا إن عندهم شغل في حتة تانية خالص ولازم يبصوا بعيد!

بالنسبة لي، كان مجرد “سليم بيه”.

الراجل اللي عينيه رمادي. الراجل اللي نادراً لما بيضحك. الراجل اللي أمي قالت لي إني أوعى أضايقه أو أقف في طريقه.

في الصبحية دي، الطباخ كان بيتخانق مع سواق النقل عشان بدل ما يجيب 12 كرتونة طماطم، جاب 21.

وأمي كانت فوق بتلمع صالة العرض الشرقية. وأنا كنت زهقانة. وبيني، الأرنب بتاعي، كان زهقان هو كمان.

بيني كان بودان واحدة عشان الكلب البلدي بتاع جيراننا أخد منه ودنه من ست شهور.

أمي كانت كل شوية توعدني إنها هتركب له ودن جديدة بالخياطة.. بس أنا كنت بفضّله وهو كده، بحس إن ليه شخصية!

الصوت كان جاي من تحت المطبخ.

رزعة. سكوت. رزعة. سكوت.

مشيت ورا الصوت. نزلت سلم ضيق. عديت على طرقة عمري ما شفتها.

لحد ما وصلت لباب مفتوح يادوب قيمة 3 صوابع.

زقيت الباب.

الأوضة وراه كانت شكلها ضخم جداً بالنسبة لعيّلة عندها أربع سنين.

حيطة كاملة مرايات، وحيطة تانية إزاز باصص على جنينة غرقانة في المطر.

أوزان حديد سودا مترتبة على الأرفف بالنظام، لدرجة إني وأنا طفلة فهمت إن لو لمست حاجة منها هتحصل مشكلة كبيرة.

في نص الأوضة، كان فيه راجل متعلق في بار حديد. ظهره كان ليا.

كان بيرفع نفسه لفوق بالراحة.. من غير ما يتعب، من غير مزيكا، من غير مدرب يزعق.

كان صوت نفسه بس:

فوق.. تحت.. فوق.. تحت..

العضلات اللي في كتافه كانت بتحرك تحت جلده زي الكابلات الضخمة.

آثار قديمة ولونها باهت كانت مالية ظهره؛ واحدة مقوسة حوالين كتفه الشمال، وتانية نازلة ومستخبية تحت بنطلون التمرين.

عرفت هو مين من قبل ما يلف وشه.

أصل البيت كله حاله بيتغير أول ما يدخله.. ودي كانت علامة كفاية جداً لطفلة زيي.

كان المفروض أطلع أجري.

بس بدل ما أجري، وقفت مسكينة وببص، ومسكت بيني من ودنه الوحيدة.

سليم نزل من البار في هدوء تام. مد إيده يجيب الفوطة.. وبعدين شافني.

وقف.

وأنا وقفت.

ولمدة 5 ثواني كاملين.. أكتر راجل بيهابوه في القليوبية كلها، وطفلة عندها 4 سنين لابسة شراب بنفسجي.. كانوا مجرد بيبصوا لبعض في صمت!

#حكايات_شروق_خالد

هو كان من المفترض يحط إيديه على وسطه ويزعق في وشي، أو يطلب من الحراسة يخرجوني برة البيت.

بس هو عمل حاجة أغرب بكتير.

سكت.

وطى لمستوايا بالراحة وهو باصص في عينيا. الحركة دي خلت عضلات كتفه وظهره والآثار القديمة اللي عليه تبان أكتر تحت نور الإضاءة.

– “إنتي مين يا شاطرة؟ ودخلتي هنا إزاي؟”

صوته كان هادي جداً، بس هدوء غريب، هدوء عامل زي البحر قبل العاصفة.

– “أنا زينب.. وده بيني.”

رفعت الأرنب الأذن الواحدة فوق عشان يشوفه.

“وأمي قالتلي ما أفتحش أبواب، بس الباب ده كان مفتوح 3 صوابع.. وبيني كان عايز يعرف إنت بتعمل إيه.”

سليم بص للأرنب اللي بأذن واحدة، وبعدين بص لرجلي المبلولة بالشراب البنفسجي، وشكل وشه اتغير حاجة بسيطة.. مش ابتسامة، بس العبسة اللي على وشه خفت شوية.

– “بيني عايز يعرف؟”

– “أه.. وقاللي أسألك إزاي أعمل عضلات زي بتاعتك دي عشان يساعد الأرنب بتاعي ياخد حقه من الكلب البلدي اللي أخد ودنه.”

في اللحظة دي، سمعت صوت جاي من برة الأوضة.. صوت خطوات سريعة ومتوترة، وشهقة خلت قلبي يقف.

أمي كانت واقفة عند الباب، وشها أبيض زي اللبن، وإيدها على بقها وبتتكلم بسرعة.

– “سليم بيه!.. أنا آسفة، والله العظيم ما قصدت.. هي تسللت مني في ثانية.. أنا.. أنا هاخدها وأمشي فوراً، أرجوك ما تزعلش منها!”

أمي كانت بتتكلم وهي بترتعش ورجليها مش شايلاها.

قربت تسحبني وهي خايفة تمد إيدها في المساحة اللي واقف فيها سليم.

سليم وقف بطوله، والظل بتاعه غطى عليا وعلى أمي.

– “أمينة..”

صوته كان واضح وصارم.

– “أيوة يا سليم بيه.”

– “البنت بتتكلم عن عضلاتي، وبتقول إن الأرنب بتاعها عايز ياخد حقه من كلب الشارع.”

أمي بصتلي بذهول، وأنا هزيت رأسي بثقة وكأني بأكد كلامه.

سليم كمل وهو بيمسح عرقه بالفوطة:

“المرة الجاية لما تنزلي المطبخ يا أمينة، هاتيها معاكي.

بس خليها تلبس جزمة عشان الأرض هنا باردة.

والباب ده.. لو لقيتيه مفتوح تاني، اقفليه.”

أمي ما صدقت، مسكت إيدي بسرعة وطلعت بيا على فوق وكأنها خلصت من موقف صعب.

أنا مشيت معاها، بس قبل ما الباب يقفل، لفت وشي وبصيت لسليم.

كان واقف مكانه وبيرفع البار تاني.

يومها بس فهمت إن “سليم بيه” مش مجرد راجل بيهابوه..

ده راجل كل كلمة بيقولها بتغير كل حاجة حواليه.

ودي كانت أول مرة أعرف فيها إن حياتي وحياة أمي في البيت ده مش هتكون زي ما كنا فاكرين أبداً.

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى