بعد عشر سنين بحالهم من الحزن والمرمطة والخسارة، ربنا كرمنا أخيرًا ورزقنا ببنتنا المعجزة. بس يا حزني، أول ما الممرضة حطت البنت في حضن جوزي، وشه جاب ألوان واتغير ١٨٠ درجة — وفضل مبصص زاي المسطول على علامة صغيرة على كتفها، وهمس بصوت ميت: “لا.. مش للدرجادي.. مش ممكن.”
إحنا قضينا سنين جوازنا كلها بنجري عشان نعمل عيلة ونجيب بيبي. ست مرات حمل يروح مننا في عشر سنين. وكل مرة كانت بتسحب حتة من قلبنا وتروح. ولما عرفنا السنة اللي فاتت إني حامل من تاني، قعدنا مع بعض على مية بيضا واتفقنا إن دي آخر مرة، ولو ما حصلش نصيب هنقفل على الموضوع ده نهائي.
عشان كده التسع شهور بتوع الحمل دول كانوا عذاب، عمالين نعد الساعات ومستنيين أمتى الحمل يقع زي كل مرة. لدرجة إن أوضة العيال اللي جوه دي ما فتحناهاش ولا جبنا فيها قطعة هدوم.. خفنا نأمل نفسنا ونتعلق. بس سبحان الله، المرة دي كل حاجة مشيت على فجأة وزي الفل.. الحمل كمل للآخر.
ولما جالي الطلق ودخلت المستشفى الصبح، ما فارقنيش ولا ثانية ولا ساب إيدي.. قاعدة بساعة ودقيقة. وعلى بعد نص الليل بشوية، نورت دنيتنا وطلعت بالدنيا. صوت صريخها وهو ران في ودني كان أول مرة أحس فيها إن الهم والجبل اللي على صدري اتقشع وأخدت نفسي براحة.
شالوها وودوها على السرير الحراري عشان ينضفوها ويطمنوا عليها. الممرضة كانت مبتسمة وبتقولنا زي العسل وسليمة مفيهاش حاجة. وشوية وراحت لفاها في البطانية — وسايبة كتفها الصغير مكشوف — وجابتها عشان تديهاله.
الدموع كانت بتشر من عينه ومالية وشه كله. مد إيديه وأخدها في حضنه لأول مرة. كنت نايمة على السرير ومدّبرة ضهري للمخدة، ومستنية اللحظة اللي هيبص فيها لوشها عشان أشوف فرحته.
بس فجأة.. بص لتحت.
وملامح وشه اتخشت واتبدلت! الابتسامة طارت من على وشه. جسمه اتسمر، وتنفسه بقى بيطلع بالعافية. كان مبصص بغباء لعلامة صغيرة على كتفها.
“لا.. مش ممكن.”
قعدنا فترة طويلة ساكتين، ولما قدر أخيراً ينطق.. لَف البنت شوية بالبطانية عشان يوريني كتفها من ورا.
وقال لي بصوت مكسور: “دي.. دي كان عندها نفس العلامة بالضبط.”
وبعدها.. نطق اسم.
اسم عمري ما سمعته قبل كده في حياتي!
وساعتها بس فهمت وفوقت على كارثة.. إن بنتنا اللي راحت مننا في الشهر الخامس سنة 2019 — البنت اللي أنا رفضت حتى أفتح عيني وأبص عليها —
كان لها اسم!
وإن جوزي كان شايل الاسم ده في قلبه، وبيناديها بيه لوحده.. بقاله ست سنين كاملين من ورايا.
يومها في المستشفى سنة 2019، لما سألوني لو عايزة أشوفها وأودعها.
قلت لهم: لأ، مش قادرة.
وهو قال: أيوة، أنا عايز.
وقعد ورا الستارة، على بعد كام خطوة من سريري، تلت ساعة بحالها لوحده معها.
ولما رجع البيت بعديها بأربعة أيام وحاول يفتح معايا سيرة الموضوع واحنا في المطبخ —
ما كملش جملته.. قلت له تلات كلمات قفلت بابه، ومن يومها.. عمره ما نطق بحرف واحد في الموضوع ده تاني.
بصيت له ودموعي خانتني ونزلت على خدودي، وحرارة الأوضة بقت تقيلة على صدري.
لقيته قاعد حاطط راسه بين إيديه، والبنت نايمة في حضنه كأنها مش شايلة هم الدنيا كلها. وبص لي بعيون كلها وجع وقال بصوت واطي شبه العياط:
— أنا آسف.. والله العظيم ما كنت أقصد أخبي عليكي حاجة تضايقك. بس يومها.. إنتي كنتِ منهارة ومكسورة وخايفة تموتي، وأنا.. أنا كنت بموت من الجواي. لما سألوني عايز أشوفها ولا لأ، حسيت إني لو مشيت وسبتها تمشي من غير ما حتى أعرفها أو أودعها، هبقى أب حقير. دخلت ورا الستارة، شيلتها في إيدي.. دي كانت صغيرة أوي يا هند، أصغر من الخيال. حسيت إنها بتنطق في ودني.. سميتها “مليكة”. ومن يومها، كل ما الدنيا كانت بتضيق بيا، أو لما كنت بفتكرها لوحدي.. كنت
منوعات


