منوعات

حضن أنقذ روح صغيرة» حكايات شروق خالد

لكن جهاز القلب كان بيطلع صوت واحد متواصل…

صوت يخلي الدم يتجمد في العروق.

بيبـــــــــــــــــــــ…

بيبـــــــــــــــــــــ…

بصيت للشاشة وأنا حاسس إن الدنيا كلها بتلف بيا.

ابني بيموت.

ابني آدم… اللي لسه ماكملش ست شهور… بيموت قدام عيني.

وأنا واقف عاجز.

أنا ياسين الجارحي.

الناس كلها كانت بتقول إن مفيش حاجة تعجزني، وإن الفلوس بتحل أي مصيبة، وإن اسمي لوحده يفتح أبواب مقفولة.

بس في اللحظة دي؟

ولا فلوسي نفعت.

ولا رجالة الحراسة اللي مالية الفيلا نفعت.

ولا الدكاترة اللي جبتهم من أكبر مستشفيات القاهرة عرفوا يعملوا حاجة.

ابني كان بيموت…

وأنا واقف بتفرج عليه.

المطر برا كان نازل بغزارة، بيخبط في إزاز الشبابيك، والرعد كل شوية يجلجل في السما لحد ما الفيلا كلها تهتز.

نزلت على ركبتي جنب سرير آدم.

إيدي كانت بتترعش.

بصيت لوشه الصغير وقلت:

«لأ… لا يا ابني… قوم. قوم يا حبيبي.»

مفيش رد.

«حاولوا تاني!»

صرخت فيها لدرجة إن كل اللي في الأوضة اتخض.

الدكتور المسؤول بصلي بوش متوتر وقال:

«يا أستاذ ياسين، إحنا حاولنا أكتر من مرة…»

رفعت راسي له بسرعة.

«وأنا قولت حاولوا تاني! هو أنا بتكلم صيني؟!»

اتحركت ناحية السرير بعصبية، وخبطت كتفي في الترابيزة اللي جنب الحيطة.

ولا حتى حسيت.

كان في بقعة دم صغيرة على كم القميص الأبيض بتاعي، وصدري كله عليه لبن الأطفال اللي آدم كان لسه شاربه من شوية.

من شوية بس…

كان بيعيط ويزعق عشان الببرونة اتأخرت عليه.

من شوية كان بيشد في صباعي بإيده الصغيرة.

من شوية كان عايش.

دلوقتي؟

مرمي قدامي زي العروسة.

لا بيتحرك.

ولا بيعيط.

ولا حتى بيفتح عينه.

«حطوا له الأكسجين تاني!» صرخت.

واحد من المسعفين رد وهو بيضغط على الجهاز:

«ما إحنا بنعمل كده يا باشا! بس الهوا مش داخل كويس.»

بصيت لصدر ابني.

كان بالكاد بيطلع وينزل.

الدكتور قرب منه وحاول يدخل أداة صغيرة، وبعدها شتم بين سنانه.

«التورم زاد… مش قادر أوصل لمجرى النفس.»

الكلام دخل ودني وطلع منها.

أنا ماكنتش سامع غير صوت الجهاز.

بيبــــــــــــــ…

بيبــــــــــــــ…

بيبــــــــــــــ…

كل صوت كان حاسسني إن حد بيضربني في قلبي.

ريحة المطهرات مالية الأوضة.

والدنيا مقلوبة.

أسلاك.

أجهزة.

شنط إسعافات.

دكاترة بيجروا من هنا لهنا.

وعند الباب كانت أمينة، المربية اللي بتقعد مع آدم بالليل، واقفة بتعيط وبتضرب كف على كف.

«يا رب استر… يا رب يا كريم…»

جنبها كان صبري، أقدم راجل عندي.

صبري اللي عمره ما اتهز قدام حد.

الراجل اللي شفته داخل على الموت وهو بيضحك.

بس الليلة دي؟

كان واقف ساكت.

وشه مصفر.

قال لي بصوت واطي:

«العربية جاهزة يا باشا… والمستشفى بلغناهم. فريق كامل مستنينا.»

لفيت له وأنا شبه المجنون.

«أمال ابني مش بيتنفس ليه يا صبري؟!»

سكت.

كلهم سكتوا.

بصيت للدكتور.

«رد عليا! ابني مش بيتنفس ليه؟!»

الدكتور نزل عينه للأرض.

وفي اللحظة دي…

قلبي وقع.

عارف الإحساس لما تكون مستني مصيبة، وفجأة تحس إنها حصلت قبل ما حد يقولك؟

ده اللي حصل.

رفعت عيني ناحية جهاز القلب.

الخط اللي كان بيتحرك…

بقى خط واحد مستقيم.

والصوت اتغير.

بيبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ…

صرخة طويلة طالعة من الجهاز.

صرخة حسيت إنها بتعلن موت ابني.

«لأ…»

الكلمة خرجت مني ضعيفة.

قربت أكتر.

«لأ يا آدم.»

مفيش حركة.

«آدم… يا حبيبي.»

مفيش رد.

مديت إيدي ولمست خده.

كان ساكن.

سكون يخوف.

بصيت للدكتور.

«اعمل حاجة.»

ما ردش.

صرخت:

«اعمل حاجة يا ابن الـ… اعمل أي حاجة!»

واحد من المسعفين قال بصوت متوتر:

«يا فندم، إحنا لسه بنحاول…»

«يبقى حاولوا أكتر!»

أمسكت الدكتور من هدومه.

«ابني مش هيموت! سامع؟! ابني مش هيموت!»

صبري جري عليا ومسكني.

«اهدى يا باشا…»

زقيته بعيد.

«ما تقوليش اهدى! ابني بيموت!»

أمينة انهارت في العياط.

واحدة من المسعفات غمضت عينها.

أما الدكتور…

فأخد نفس طويل.

النظرة اللي في عينه كانت كفاية تقتلني.

كان هيقولها.

الجملة اللي محدش يتمنى يسمعها.

لكن فجأة…

«ابعدوا عنه.»

الصوت جه من ناحية الباب.

صوت ست.

بس ماكانش صوت واحدة خايفة.

كان صوت حاد.

قوي.

لدرجة إن كل اللي في الأوضة لفوا مرة واحدة.

وقبل ما أي حد يستوعب…

الباب اتفتح بعنف.

ودخلت نور.

الخدامة.

نور اللي بقالها تمن شهور شغالة في الفيلا.

البنت اللي طول عمرها ماشية وراسها في الأرض.

لا بتتكلم كتير.

ولا بتدخل نفسها في حاجة.

تنضف.

ترتب.

تعمل اللي عليها.

وتختفي.

بس اللي دخلت الأوضة دي…

ماكانتش نور اللي أعرفها.

كانت وشها محمر، ونفسها سريع، وعينيها فيها خوف وغضب بشكل غريب.

جريت ناحية سرير آدم.

الدكتور وقف قدامها.

«إنتِ داخلة هنا بتعملي إيه؟ اطلعي برا!»

لكنها زقته من طريقها.

«ابعد عني.»

الراجل اتصدم.

وأنا نفسي اتصدمت.

«نور!»

لفت لي.

«اخرجي برا حالًا.»

بصت لآدم.

وبعدين رجعت بصت لي.

وقالت جملة خلت الدم يوقف في عروقي:

«لو خرجت دلوقتي… ابنك هيروح منك.»

الأوضة كلها سكتت.

الدكتور قرب منها بغضب.

«إنتِ دكتورة؟»

هزت راسها.

«لأ.»

«أمال داخلة تقولي كلام فاضي ليه؟»

بصت له باحتقار وقالت:

«عشان إنتوا واقفين تتفرجوا عليه وهو بيموت ومش فاهمين السبب.»

«إنتِ بتتهمينا إننا مش فاهمين شغلنا؟!»

صرخت فيه:

«أنا بقول إنكم لو كملتوا اللي بتعملوه ده… هتقتلوه بإيديكم.»

الحراس اتحركوا ناحية نور.

لكن رفعت إيدي.

«محدش يلمسها.»

نور نزلت على ركبتيها جنب آدم.

بدأت تبص عليه كويس.

لشفايفه.

لرغوة صغيرة عند بقه.

للبطانية الملفوفة تحته.

لحرارة جسمه.

وبعدين بصت حوالين الأوضة.

الدفاية كانت شغالة.

أجهزة التدفئة.

بطاطين تقيلة.

فجأة صرخت:

«اقفلوا الدفاية دي!»

الدكتور بص لها باستغراب.

«إيه؟»

«قولت اقفلوها! وشيلوا البطاطين من عليه!»

واحد من المسعفين قال:

«إحنا بنحاول نحافظ على حرارة جسمه.»

نور بصت له وقالت:

«وده اللي هيخلص عليه!»

أنا قربت منها.

«نور… إنتِ عارفة إنتِ بتقولي إيه؟»

رفعت عينيها ناحيتي.

«أيوه. ابنك مش محتاج يتدفى… ابنك محتاج يتنفس.»

وبدون ما تستنى إذن من حد…

مدت إيديها ناحية آدم.

وفي نفس اللحظة…

كل الحراس اتحركوا.

لكن اللي عملته نور بعدها…

خلانا كلنا نتجمد في مكاننا.

حكايات شروق خالد

مدت إيديها ناحية آدم بسرعة.

وفي نفس اللحظة…

كل الحراس اتحركوا.

لكن اللي عملته نور بعدها…

خلانا كلنا نتجمد في مكاننا.

رفعت جسم آدم الصغير من على السرير بحذر.

مش زي الدكاترة اللي كانوا بيتعاملوا معاه وسط الأجهزة والأسلاك.

لأ.

شالته بطريقة غريبة.

حطته على ذراعها وبطنه لتحت، ورأسه مائل شوية ناحية الأرض.

الدكتور صرخ:

«إنتِ اتجننتي؟! نزليه حالًا!»

نور ما بصتش له حتى.

كانت مركزة في آدم.

إيدها ثبتت رقبته.

والإيد التانية بدأت تربت على ضهره.

مرة.

اتنين.

تلاتة.

أنا قربت خطوة.

«نور… بتعملي إيه؟»

ما ردتش.

كانت بتبص لوش آدم.

وفجأة…

صرخت:

«حد يفتح الشباك!»

صبري جري بنفسه ناحية الشباك.

فتح الستارة.

وبعدين فتح الشباك الكبير.

الهوا البارد دخل الأوضة مرة واحدة.

المطر كان بيرش على الأرض من بره.

الدكتور اتعصب أكتر.

«إنتوا سايبين الخدامة تتحكم في الحالة؟! الطفل جسمه ضعيف!»

نور لفت له بعينين مليانين غضب.

«اسكت!»

الدكتور اتصدم.

أنا نفسي اتصدمت.

بس محدش قال حاجة.

لأن في اللحظة دي…

آدم كح.

كحة صغيرة.

ضعيفة.

لكن…

كحة.

كلنا ثبتنا مكاننا.

أنا حسيت قلبي وقف.

نور قربت ودنها من صدره.

«يلا يا حبيبي…»

قالتها بصوت مختلف تمامًا.

صوت أم.

مش صوت خدامة.

«يلا… خد نفسك.»

ربتت على ضهره مرة تانية.

وفجأة…

آدم كح بعنف.

ومن بقه خرجت رغوة.

وبعدها…

صوت.

صوت صغير جدًا.

«آه…»

أنا شهقت.

«آدم؟»

نور ما وقفتش.

كانت لسه ماسكاه.

والدكتور أخيرًا قرب منها، لكن المرة دي وشه ماكانش فيه غضب.

كان فيه ذهول.

«استني… استني مكانك.»

قرب بالسماعة من صدر آدم.

ثواني.

ثواني حسيتهم عمر كامل.

وبعدين…

جهاز القلب عمل صوت.

بيب.

كلنا بصينا للشاشة.

الخط المستقيم…

اتحرك.

بيب.

نبضة.

بيب.

نبضة تانية.

«النبض رجع!»

واحد من المسعفين صرخ.

الأوضة انفجرت حركة.

«الأكسجين!»

«جهزوا الجهاز!»

«النبض بيتحسن!»

وأنا؟

أنا ما سمعتش أي حاجة.

كنت واقف مكاني.

ببص لابني.

آدم فتح بقه.

وأخد نفس.

نفس صغير.

متقطع.

لكن نفس.

وبعدين…

صرخ.

عيط.

أعلى وأجمل صوت سمعته في حياتي كلها.

«واااااااااااه!»

رجلي ما شالتنيش.

وقعت على ركبتي.

وضميت وشي بإيديا.

أنا…

ياسين الجارحي.

الراجل اللي محدش عمره شافه بيعيط.

كنت بعيط.

بعيط قدام كل رجالة البيت.

قدام الدكاترة.

قدام الحراس.

وماهمنيش.

«ابني…»

الكلمة خرجت مني وأنا مخنوق.

«ابني رجع يتنفس.»

أمينة صرخت من العياط.

«الحمد لله يا رب! الحمد لله!»

صبري لف وشه ومسح عينه بسرعة، كأنه خايف حد يشوفه.

أما نور…

كانت واقفة.

شايلة آدم على دراعها.

والطفل متعلق في هدومها الصغيرة بإيده.

وكأنه…

عارفها.

عارفها أكتر من أي حد فينا.

الدكتور قرب منها ببطء.

«إنتِ… عرفتي منين؟»

نور رفعت عينيها له.

وسكتت.

قال تاني:

«اللي عملتيه… إنتِ كنتي شاكّة إنه اختناق؟»

ردت بهدوء:

«كان بيتنفس بصعوبة من قبل ما قلبه يقف.»

الدكتور هز راسه.

«أيوه، ده واضح.»

قالت:

«بس محدش فيكم كان بيسأل ليه.»

وشه اتغير.

نور كملت:

«الطفل كان سخن زيادة. نفسه سريع. وبعدها بدأ يضعف. الدفاية شغالة والبطاطين فوقه، وكل ما كان جسمه بيتعب أكتر كنتوا بتزودوا التدفئة.»

الدكتور بص حوالين الأوضة.

وبعدين بص لي.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى