منوعات

​سر في الدور الثامن ج2#حكايات_شروق_خالد

بلعت ريقي بالعافية وحاولت أحافظ على جمود ملامحي، بالرغم من إن قلبي كان بيدق زي الطبلة. بصيت لعبد الحميد بيه وقلت بنبرة هادية متزنة: “تمام يا عبد الحميد بيه.. شرف ليا طبعاً، وأنا تحت أمر حضرتك في أي وقت. أستاذة مريم هتنور القسم وهنبدأ في الملفات فوراً.”

عبد الحميد هز رأسه برضا: “ممتاز.. تقدروا تبتدوا من دلوقتي، المكتب الفرعي المقفول في الدور السابع جاهز ومجهز بكل الأوراق، مش عايز تسريب لأي رقم من الملفات دي خارج الأوضة دي.”

طلعنا من مكتب الرئيس في هدوء تام.

مشينا في الممر الفاضي لحد ما وصلنا للأسانسير. أول ما الباب اتقفل علينا والحديد عزلتنا عن باقي الدور، مريم أخدت نفس طويل وكأنها كانت كاتمة نفسها طول القاعدة. بصت لي بعيون واسعة مليانة توتر وقالت بصوت واطي: “محمد.. أقسم لك أنا مكنتش أعرف إن بابا هيحطني معاك أنت بالذات! صدقني أنا اتفاجئت زيي زيك بالضبط!”

ابتسمت ابتسامة خفيفة ومحسوبة، وقولت وأنا باصص لشاشة الأسانسير وهي بتنزل للأرقام: “ولا يهمك يا أستاذة مريم.. ده شغلي وأنا محترف فيه، ومحدش هيفهم أي حاجة من تعاملنا.

السر هيضل سر، والشغل يفضل شغل.”

مريم اتنهدت بتعب وضغطت على إيدها: “شكراً يا محمد.. بجد شكراً على كل حاجة.”

وصلنا الدور السابع، ودخلنا المكتب المقفول. كان عبارة عن قاعة اجتماعات صغيرة فيها مكتبين قصاد بعض، وترابيزة كبيرة مليانة ملفات ومستندات مالية معقدة.

قعدنا وبدأنا نشتغل. مريم كانت ذكية جداً وبتفهم بسرعة، لكن كان واضح إن في هالة من الخوف والضغط النفسي محاوطاها من ناحية باباها. كل ما تليفونها يرن أو تفتكر حاجته، كانت إيدها بترتعش.

على الساعة أربعة العصر، وأنا براجع كشف حساب ضخم للمشروع الجديد، عيني وقعت على تحويل مالي غريب.

رقم ضخم جداً خارج من حسابات الشركة ومكتوب جنبه بند غير مفهوم كودياً، والتحويل ده متمش عن طريق القسم المالي بتاعنا، ده تمت إجازته مباشرة من الإدارة العليا قبل شهرين!

حطيت القلم من إيدي وبصيت للورقة بتركيز.

مريم لاحظت سكوتي المفاجئ، رفعت عينها وقالت: “في حاجة غلط في الأرقام يا محمد؟”

رفعت الورقة وبصيت لها بجدية: “أستاذة مريم.. التحويل ده بمبلغ 15 مليون جنيه، ورايح لحساب شركة أوفشور بره مصر.. البند ده مش متسجل في أي تقرير من تقارير المراجعة الدورية، مين اللي ماضي على الإجراء ده؟”

مريم أول ما شافت اسم الشركة المكتوب في الورقة، وشها اصفر تماماً، والورقة اللي في إيدها وقعت على الترابيزة. قامت وقفت بسرعة وقربت من مكتبي وبصت في الورقة، وصوتها بدأ يتهز: “هـ.. الرقم ده تاني؟! لا.. مش معقول!”

بصيت لها باستغراب: “أنتِ تعرفي التحويل ده بتاع إيه؟”

دمعة نزلت من عينها، وبصت لي بقلة حيلة وقالت: “محمد.. ده السبب اللي خلاني بالحال اللي شفتني بيه امبارح بالليل.. المشروع ده مش مجرد شراكة، ده في حد بيضغط على بابا وبيساومه على الشركة، ولو المبلغ ده اتكشف في المراجعة.. الشركة كلها هتقع!”

#حكايات_شروق_خالد

اتسمرت في مكاني وأنا باصص للورقة اللي في إيدي، وبعدين رفعت عيني لمريم اللي دموعها كانت نازلة على خدها وهي بتحاول تداري وشها بإيدها.

“بيضغط عليه؟” كررت الكلمة بصوت واطي جداً كأني بختبرها، “عبد الحميد بيه المنصور بنفسه في حد بيضغط عليه؟”

مسحت دموعها بسرعة بقماشة منديل وأخدت نفس مكسور، قعدت على الكرسي اللي قصادي ومالت برأسها لقدام وهي بتتكلم بصوت شبه مهسوس:

“الموضوع بدأ من ست شهور.. بابا اكتشف إن الشريك الأجنبي في مشروع التوسع الجديد معاه وثائق ومستندات تدين الشركة في صفقات قديمة تمت أيام الأزمة الاقتصادية، صفقات لو اتكشفت للرأي العام أو للهيئة المالية، مش بس الشركة اللي هتتعرض لأزمة.. بابا ممكن يدخل في قضية.”

سكتت لحظة وهي بتفرك إيدها بتوتر، وكملت:

“الشركة الأوفشور دي ملك الشخص ده، وبابا اضطر يحول المبلغ ده بشكل غير معلن عشان يشتري وقته وسكوته لحد ما نلاقي مخرج قانوني، أو نسحب أصولنا بالتدريج.

امبارح بالليل، الشخص ده كلمني أنا شخصياً، وضغط عليا إني لو ما أثرتش على بابا يوافق على شروطه الجديدة في عقد الشراكة، هيسرب كل المستندات للصحافة.. عشان كده اتدمرت وانهارت بالمنظر اللي شفتني بيه.”

وقفت من على الكرسي ومشيت خطوتين في الأوضة المقفولة وأنا بحسبها في دماغي.

المنطق البارد اللي عايش بيه من 10 سنين كان بيصرخ في دماغي: لم حاجتك يا محمد، واعمل نفسك مش شايف حاجة، وقدم استقالتك وشوفلك مكان تاني.. ده بحر كبير ومفيهوش عواقب غير المشاكل.

بس لما بصيت لمريم، والبنت القوية اللي كانت من ساعتين طالعة بكامل شياكتها وكرامتها ودلوقتي مكسورة ومستنية حبل نجاة، افتكرت نظرة أبويا زمان وهو بيحارب لوحده في الدنيا عشان يحميني وما يخليش حد يكسره.

قربت من المكتب، وسحبت القلم، وفتحت اللاب توب بتاعي.

“مين الراجل ده يا مريم؟ واسمه إيه بالكامل؟”

بصت لي بذهول وهي مش مصدقة: “أنت.. أنت بتسأل ليه يا محمد؟ الموقف خطر عليك جداً!”

قعدت قصادها وبصيت في عينها بثبات لأول مرة من ساعة ما عرفتها:

“أنا راجل أرقام يا أستاذة مريم.. والأرقام مابتكدبش، ومافيش ثغرة مالية ملهاش خيط يوصل للطرف التاني.

عبد الحميد بيه حطنا في الأوضة دي مع بعض، والشخص ده فاكر إنه بيلعب مع ناس ما بتفهمش في كواليس الحسابات.”

ابتسمت ابتسامة هادية وتابعت:

“الـ15 مليون دول ما نزلوش من السماء، والشركة الأوفشور دي ليها أوراق تسجيل وحسابات وسيولة متدفقة.

لو هو بيضغط عليكم بمستندات قديمة، فإحنا هنمسك عليه قضية مالية وتجارية بالقانون وبأرقام صريحة تخلي موقفه صعب جداً.”

مريم فتحت عينها بذهول، والشحوب اللي كان في وشها بدأ يختفي ويحل محله أمل مفاجئ:

“تفتكر نقدر نعمل كده فعلاً؟”

“نقدر..” قلتها وأنا بفتح ملف جديد على الحاسبة: “بس الشغل ده هيحتاج نفضل في الأوضة دي بعد المواعيد الرسمية، ومحدش يعرف عنه حرف.. ولا حتى باباكي، لحد ما نكتمل الأدلة في إيدينا.”

في اللحظة دي، تليفون المكتب الأرضي رن بصوت حاد هز الأوضة.

بصينا للتليفون إحنا الاتنين، وبعدين رفعت السماعة ببرود:

“ألو.. قسم المراجعة الخاصة.”

جالي صوت عبد الحميد المنصور، بس المرة دي مكنش هادي، كان حاد وفيه نبرة قلق مكتومة:

“محمد.. سيب اللي في إيدك وتعال أنت ومريم فوراً.. الشريك الأجنبي وصل وموجود معايا في مكتب الإدارة دلوقتي.”

#حكايات_شروق_خالد

تبادلنا النظرات أنا ومريم لثوانٍ معدودة.

ملامحها اتغيرت فوراً، ورجعت لها حالة الرعب والتوتر، بس المرة دي كان فيه حاجة مختلفة… بريق أمل خفيف بيبص لي من عينيها.

قفلت الملف الضخم بسرعة وحطيته جوة الدرج المقفول، وحطيت المفتاح في جيبي.

“جهزي نفسك يا أستاذة مريم،” قلتها بنبرة ثابتة وأنا بظبط رابطة العنق: “الراجل ده فاكر إنه داخل اجتماع تفاوض عادي.. مش فاهم إن اللعبة بدأت تتغير.”

أخدت مريم نفس عميق، وحاولت تستجمع قواها وتفرد ظهرها. طلعت من شنطتها الروج ولمست بيه شفايفها بحركة سريعة عشان تداري بهتان وشها، ورفعت رأسها:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى