منوعات

​سر في الدور الثامن ج1 .حكايات شروق خالد

شلتها على كتفي وزقيت باب القهوة برجلي. وزنها كان خفيف، بس أسلوب المشي بيها في شوارع القاهرة الساعة 12 بالليل كان يخلي أي حد يبصلي باستغراب. رأسها كانت مدلدلة ورا ضهري، وكلامها المشوش المقطوع بقى عبارة عن تمتمة مش مفهومة.

البرد بتاع الليلة دي كان بينخر في العظم، وكل خطوة كنت بمشيها ناحية شقتي كانت بتفكرني بالورطة اللي دخلت نفسي فيها.

أنا محمد مراد، الراجل اللي بقاله 10 سنين بيحسب كل خطوة عشان يتفادى المشاكل، ماشي في الشارع شايل زميلته في الشغل اللي كانت تعبانة ومش قادرة تقف على حيلها.

لما وصلت العمارة، اضطريت أعدل مسكتها عشان أطلع المفاتيح من جيبي. فتحت باب العمارة بالعافية، وطلعت بيها في الأسانسير وأنا باصص في السقف، مستني الدور الرابع يوصل بأسرع وقت، عشان خايف حد من الجيران يشوفنا ويفهم الموضوع غلط.

أول ما فتحت باب الشقة، دخلت بيها على الصالة على طول.

نزلتها بالراحة على الكنبة. وقعت لورا وغرست في المخدات، عينيها مقفولة وشكلها مرهق، وشعرها نازل على وشها.

وقفت قبالها باخد نفسي. الصمت بتاع الشقة كان مرعب مقارنة بالدوشة اللي كانت في دماغي.

قربت منها عشان أظبط قعدتها، وشنطتها المفتوحة اتعلقت في إيدي، اتقلبت على الكنبة ونزل منها حاجتها: روج، كروت عمل، والبطاقة الشخصية بتاعتها.

وطيت ألم الحوايج من على الكنبة، وعيني وقعت بالصدفة على البطاقة المرمية جنبها.

مسكت البطاقة عشان أرجعها، بس اسم عيلتها المكتوب بالبنط العريض خلاني أقف مكاني زي الصنم، والدم اتجمد في عروقي:

مريم المنصور.

بصيت للبطاقة تاني، وبعدين بصيت لوشها الباهت المرمي على الكنبة.

“المنصور”… نفس الاسم اللي متعلق على باب الشركة في الدور الأخير.

نفس اسم رئيس مجلس إدارة الشركة، عبد الحميد المنصور، أكبر رجل أعمال، والراجل اللي كلمته مؤثرة في أي صفقة كبيرة.

مريم مش مجرد زميلة في قسم التسويق…

مريم تبقى بنت صاحب الشغل والشخص صاحب القرار في الشركة.

وقفت في نص الصالة مذهول، البطاقة الشخصية في إيدي كأنها شيء لا أصدق وجوده.

بصيت لمريم المرمية على الكنبة، مش قادر أستوعب إن البنت اللي شغالة معانا في الدور التامن، اللي بتركب معايا الأسانسير في هدوء وبتاكل سندوتشاتها في بريك الغدا زيها زي أي موظف، تطلع مريم عبد الحميد المنصور.

بنت صاحب الشركة اللي يملك استثمارات ضخمة.

دماغي بدأت تدور في ألف اتجاه.

لو حد شافها وهي داخلة معايا العمارة في الوقت ده وفي الحالة دي؟

لو أبوها عرف؟

شغل الخمس سنين، واجتهادي، ومستقبلي كله ممكن يتأثر في لحظة لو اتفهم الموضوع غلط.

أخدت نفس عميق، وحاولت أهدي نفسي.

“محمد، أنت عملت الصح.. البنت كانت هتقع في الشارع، أنت بس ساعدتها.”

جبت غطا خفيف من الأوضة وغطيتها بيه بالراحة، وحطيت شنطتها وبطاقتها على الترابيزة جنبها.

قعدت على الكرسي اللي قبالها، ماسك كوباية مية في إيدي ومش قادر أغمض عيني.

الليل كله عدى وأنا بتنقل بين البص في الساعة والبص لوشها، مستنيها تفوق وفي نفس الوقت قلقان من اللحظة اللي تفتح فيها عينيها وتكتشف هي فين.

على الساعة سبعة الصبح، مع أول خيوط للشمس، بدأت أسمع حركة خفيفة على الكنبة.

مريم بدأت تتقلب، حطت إيدها على رأسها بتعب، وفتحت عينيها ببطء شديد.

رمشت كذا مرة تحاول تجمع الرؤية، وبعدين عينها وقعت على السقف الغريب… وبعدها عليا.

اتنفضت من مكانها في ثانية، والملاية وقعت من عليها، مسكت رأسها بألم وهي بتقول بصوت متحشرج ومصدوم:

“أنا… أنا فين؟ وأنت مين؟!”

وقفت مكاني ورجعت خطوة لورا عشان أطمنها، ورفعت إيدي بهدوء:

“اهدي خالص يا أستاذة مريم.. أنتِ في أمان. أنا محمد مراد… أخصائي التحليلات المالية في الدور التامن، معاكي في الشركة.”

فضلت تبصلي بذهول وعينيها بتتحرك في الأوضة، بتحاول تفتكر أي حاجة من امبارح، لحد ما ملامحها بدأت تقلق أكتر:

“محمد؟

أنت… أنا جيت هنا إزاي؟! إيه اللي حصل؟”

أخدت نفس عميق، وقعدت على الكرسي البعيد عشان أحسسها بالأمان، وبدأت أشرح لها بهدوء:

“امبارح بالليل كنت في القهوة اللي جنب بيتي، وشفتك بالصدفة. كنتِ تعبانة جداً ومش قادرة تتوازني، وقبل ما تقعي على الأرض مسكتك.

حاولت أكلمك بس مكنتيش مجمعة أي حاجة، وكان صعب أسيبك في الشارع بالمنظر ده.. فجبتك هنا عشان ترتاحي وتكوني في أمان.”

مريم فضلت باصة لي، ملامحها متلخبطة بين القلق والخجل.

حطت إيدها على وشها وغمضت عينيها أوي كأنها بتحاول تجمع شتات ذاكرتها، ولما فتحتهم تاني، كانت عينيها مليانة دموع:

“أنا…

أنا متأسفة أوي يا محمد. أنا مش مصدقة إن ده حصل.. أنا عمري ما حطيت نفسي في موقف زي ده.”

“ولا يهمك، المهم إنك بخير ومحصلش أي حاجة وحشة.”

رديت عليها بسرعة وأنا بحاول أطمنها، وبعدين شاورت على الترابيزة:

“حاجتك كلها في شنطتك أهي، والبطاقة كمان..

أستاذة مريم عبد الحميد المنصور.”

أول ما نطقت الاسم الكامل، جسمها اتشنج.

بصت لي بذهول والصدمة غطت وشها بالكامل، كأنها كانت خايفة من اللحظة دي بالذات.

“أنت… أنت عرفت أنا بنت مين؟”

سألتني بصوت مهزوز.

هزيت رأسي بهدوء:

“البطاقة وقعت من الشنطة بالصدفة وأنا بحط حاجتك..

ومتقلقيش، السر ده هيفضل معايا، محدش في الشركة هيعرف حاجة.”

وقفت مريم بسرعة، مسحت دموعها وحاولت تظبط شعرها وهدومها بحركة سريعة ومربوكة.

مسكت شنطتها وضمتها لصدرها كأنها بتحمي نفسها، وبصت لي بامتنان شديد خلطه خوف واضح:

“محمد..

بابا رجل شديد جداً، ولو عرف أي حاجة عن اللي حصل امبارح ده.. ممكن يأثر على مستقبلي، ويمكن يأثر عليك أنت كمان.

أرجوك، اللي حصل هنا يفضل بينا.”

“أنا أصلاً راجل في حالي يا أستاذة مريم، وما بحبش المشاكل.”

قلتُها بابتسامة صغيرة وأنا بفتح لها باب الشقة:

“سرك في بئر.”

بصت لي بامتنان أخير، ونزلت جري على السلم من غير ما تستنى الأسانسير حتى.

قفلت الباب وراها، ونزلت كتافي بتنهيدة طويلة.

افتكرت إن الموقف انتهى لحد هنا، وإن حياتي الهادية المستقرة هترجع زي ما كانت.

لكن الموقف مكنش غير بداية كرة الثلج.

يوم الأحد الصبح، دخلت الشركة كالعادة الساعة تمانية إلا ربع.

مشيت في الممرات بهدوئي المعتاد، وقعدت على مكتبي في الدور التامن أراجع الأرقام والتقارير.

على الساعة عشرة، التليفون اللي على مكتبي رن.

رفعت السماعة:

“صباح الخير، قسم التحليلات المالية، محمد مراد مع حضرتك.”

جالي صوت سكرتيرة الإدارة العليا، حاد ورسمي للغاية:

“أستاذ محمد.. الأستاذ عبد الحميد المنصور طالبك في مكتبه في الدور الأخير.. فوراً.”

سكتّ لثواني، والدم نشف في عروقي.

“تمام يا فندم، طالع حالاً.”

قفلت السماعة وإيدي بتترعش خفيف.

أول فكرة جت في دماغي إن مريم حكت لأبوها، أو إن حد شافنا ورصد الحركة وسربها للرجل الكبير.

عبد الحميد المنصور مش مجرد مدير، ده رجل صاحب نفوذ كبير في الشركة، وأي قرار منه ممكن يغير مستقبل الموظف بالكامل.

عدلت الجاكيت بتاعي، وطلعت الأسانسير للدور الأخير.

الدور ده كان مختلف تماماً؛ هدوء مرعب، سجاد بيشفط الصوت، ومكتب واسع وراه باب خشب أرو ضخم.

السكرتيرة شاورت لي أدخل.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى