روايات وقصص

«دخلت قصر زعيم المافيا بالصدفة ج1 حكايات شروق خالد

دخلت بالخطأ إلى الجناح الخاص بزعيم المافيا… لكنه قفل الباب ورايا وقال: «دلوقتي إنتِ مدينة ليّا بتفسير.»
المحامي قال ست شهور وكأنه بيتكلم عن حاجة بسيطة، مع إنه في الحقيقة كان بيسلّمني حبل أربطه حوالين رقبتي.

قال وهو بيزحلق الوصية قدامي على الترابيزة:
«تعيشي في القصر لمدة ست شهور، وإلا المؤسسة هتاخد كل حاجة. دي كانت رغبة والدك بالحرف يا مريم.»
أنا ما دخلتش البيت ده من تسع سنين.
مشيت منه يوم ما كملت تسعتاشر سنة، ومن ساعتها ما بصتش ورايا، ودلوقتي أبويا بقاله تلات أيام تحت التراب، ومع ذلك لسه بيلاقي طرق جديدة يتحكم بيّا.
عشان كده رجعت.
ماكانش قدامي اختيار تاني.
قصر العيلة في الساحل ما اتغيرش.
نفس الأرضيات الرخام اللي كانت بتبلع صوت الخطوات.
نفس نباتات اللبلاب اللي كانت خانقة الجناح الشرقي.
ونفس البحيرة اللي كانت بتتحول للون الدهبي كل يوم وقت المغرب، كأنها بتتريق على قد إيه كل حاجة تانية في البيت ده كانت مبنية على الكذب.
قضيت أول ساعة وأنا بلف في القصر، أوضة ورا أوضة، وبحاول أفتكر انهي نسخة مني كانت عايشة هنا زمان.
المكتبة لسه ريحتها ريحة سيجار أبويا.
وأوضة الموسيقى لسه فيها بيانو أمي، زي ما هو، محدش لمسه من سنين، كأنه قطعة أثرية ممنوع حد يقرب منها.
وبعدين لقيت الأسانسير.
كان مستخبي ورا قبو النبيذ القديم، جوه مساحة ضيقة مخصصة للصيانة، ومش فاكرة إني شفته في أي رسمة أو مخطط للبيت قبل كده.
وأنا المفروض أعرف، لأن ترميم المباني القديمة هو شغلي.
قضيت سنين بدور على أساسات المباني وأتتبع تفاصيلها.
وعارفة كويس جدًا لما حاجة تكون مش مكانها الطبيعي.
والأسانسير ده…
ماكانش المفروض يكون موجود هنا.
قلت لنفسي إنه أكيد أسانسير للخدمة.
يمكن للغسيل.
يمكن لتخزين حاجات القصر.
لكن الفضول عمره ما خدم مصلحتي، وبرضه عمري ما اتعلمت.
ضغطت على الزر الوحيد الموجود في اللوحة.
الباب اتفتح.
حرارة وبخار ضربوا وشي، ومعاهم ريحة خشب الأرز والصابون الغالي.
كان فيه راجل واقف بضهره ليا، الميه بتنزل من على كتافه، وكل خلية في دماغي قالتلي أخرج قبل ما يلف.
لكنه لف.
وقال بهدوء:
«إنتِ في المكان الغلط.»
اتلخبطت وقلت بسرعة:
«أنا آسفة… ماكنتش أعرف إن الدور ده…»
قاطعني:
«مريم.»
اتجمدت مكاني.
بصيتله بصدمة.
«إنت عرفت اسمي إزاي؟»
ما ردش.
بدل كده، اتحرك ناحيتي بخطوات بطيئة وهادية، زي راجل عمره ما احتاج يستعجل عشان يوصل لحاجة في حياته.
مد إيده من جنبي وضغط على حاجة في الحيطة.
وفجأة…
سمعت صوت مزلاج حديد بيتقفل ورايا.
الصوت كان واضح ونضيف ومخيف.
كأنه بيتقفل كل يوم مخصوص عشان يمنع حد من الخروج.
بصيت للباب، وبعدها بصيتله.
«إنت بتعمل إيه؟»
صوتي كان ثابت أكتر بكتير من إحساسي الحقيقي.
قال:
«بتأكد إنك مش هتخرجي من هنا وتحكي لحد اللي شوفتيه.»
رديت بسرعة:
«أنا ما شوفتش حاجة.»
بصلي وقال:
«إنتِ شوفتيّ.»
عينيه اتحركت على وشي كأنه بيقرأ حاجة مكتوبة عليه.
وبعدين كمل:
«والأغرب إنك ما لقيتيش الدور ده في ولا مخطط واحد للبيت. وده معناه إنك نزلتي هنا لأنك لاحظتي إن فيه حاجة غلط.»
سكت لحظة.
وبعدين قال:
«وده أسوأ.»
بلعت ريقي وسألته:
«إنت مين؟»
ما ردش على السؤال.
بدل كده، مد إيده ناحية درج مدمج في الترابيزة الحديد اللي جنبه.
فتح الدرج.
وطلع صورة.
حطها قدامي ووشها لفوق.
أول ما شفتها، حسيت بإيدي بتتلج.
الصورة كانت لأبويا.
بس كان أصغر بسنين.
وكان بيضحك.
ودراعه محاوط كتف الراجل اللي واقف قدامي، كأنهم أصحاب من سنين.
رفعت عيني له ببطء.
وقلت:
«إنت كنت تعرف أبويا؟»
فضل باصصلي من غير ما يرمش.
وقال:
«أنا ماكنتش أعرفه وبس.»
سكت لحظة.
وبعدين قال:
«أنا كنت أكتر من كده بكتير.»
فضلت ساكتة وأنا بحاول أستوعب كلامه.
هو كان مستني.
بهدوء غريب.
كأنه عارف إن كل كلمة جاية هتغير حياتي.
وبعدين قال:
«أبوكي قضى تلات سنين بيجهزني لليوم اللي هتلاقي فيه الأوضة دي.»
شهقت من غير ما أحس.
«إيه؟»
قال:
«كان دايمًا بيقول إنك في الآخر هتختاري الأسانسير الغلط.»
قرب خطوة.
«هو كان عارفك أكتر مما تتخيلي.»
هزيت راسي بعنف.
«مستحيل.»
وبعدين قلت:
«أبويا كان شغال في العقارات.»
ظهر شيء غريب في عينيه.
ماكانش ابتسامة كاملة.
وماكانش تحذير واضح.
لكنه كان خليط من الاتنين.
وقال:
«اقعدي.»
وأشار للكرسي اللي قدامه.
«لأن اللي هقولهولك دلوقتي… هيغير كل ذكرى عندك عن أبوكي.»
حكايات شروق خالد
قعدت وأنا مش عارفة أصدق أنا فين ولا مين الراجل اللي واقف قدامي.
هو ما اتحركش.
فضل واقف قصادي، وملامحه هادية بشكل غريب، كأن الكلام اللي جاي بالنسبة له عادي جدًا.
مد إيده للصورة، ورفعها من على الترابيزة.
وقال:
«أبوكي ماكانش مجرد رجل أعمال عقارات يا مريم.»
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة توتر.
«أمال كان إيه؟»
بص للصورة تاني.
«كان واحد من أهم رجال الشبكة اللي كانت بتدير حاجات محدش يعرف عنها حاجة.»
سكت.
أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
«شبكة إيه؟»
قال:
«فلوس… تهريب… صفقات… وأسماء ناس كبيرة.»
وقفت مرة واحدة.
«إنت بتتكلم عن إيه؟»
«اقعدي.»
«مش هقعد!»
لأول مرة، صوته اتغير.
ما عليش.
ما صرخش.
بس كان فيه حاجة خلتني أرجع أقعد غصب عني.
قال:
«لو كنت عايز أأذيكي، كان زماني عملت كده من أول ما دخلتي.»
بصيتله بحذر.
«طب إنت عايز مني إيه؟»
قرب من الترابيزة وحط الصورة مكانها.
«ولا حاجة.»
ضحكت بسخرية.
«ولا حاجة؟ قافل عليا الباب وبتقولي ولا حاجة؟»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«أنا اسمي سيف الجوهري.»
الاسم وقع عليا زي الصدمة.
كنت سمعت الاسم ده قبل كده.
مش مرة.
كتير.
في أخبار، وحكايات ناس، وكلام بيتقال همس بين رجال الأعمال.
سيف الجوهري.
الرجل اللي محدش كان يعرف عنه حاجة مؤكدة.
البعض بيقول إنه صاحب مجموعة شركات ضخمة.
والبعض بيقول إن شركاته مجرد واجهة.
وفي ناس كانت بتقول إن اللي بيزعل سيف الجوهري، بيختفي من السوق للأبد.
بصيتله.
«إنت… سيف الجوهري؟»
هز راسه.
«أيوه.»
رجعت أبص للصورة.
«وأبويا كان شريكك؟»
«مش شريكي.»
سكت.
«كان حامي ظهري.»
الكلمة دي لخبطتني.
«يعني إيه؟»
قرب الكرسي وقعد قدامي.
«أبوكي أنقذ حياتي من سنين.»
بصيتله من غير ما أتكلم.
كمل:
«كنت أصغر بكتير. وفي ناس كانوا عايزين ينهوا وجودي. أبوكي خباني هنا.»
وأشار حوالينا.
«في البيت ده.»
اتسعت عيني.
«هنا؟»
«في المكان اللي إحنا قاعدين فيه دلوقتي.»
بصيت حواليا.
وفجأة كل حاجة بدأت تبان بشكل مختلف.
الممرات.
الأبواب.
الغرف المقفولة.
الأسانسير السري.
كل حاجة.
«ليه أنا ماكنتش أعرف؟»
سيف ابتسم ابتسامة حزينة.
«لأن أبوكي كان بيحميكي.»
«بيحميني من إيه؟»
بصلي طويلًا.
«مني.»
سكت.
قلبي دق بسرعة.
«منك إنت؟»

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى