
“متخافش.. أنا جبتلك حاجة سخنة ترم عضمك.” ما تحركش من مكانه. قالتله بنفس الطريقة اللي حد بيكلم بيها قطة شارع خايفة — وده اللي فهمه بعد سنين طويلة لما كبر: “والله مش هقول لمعلم ولا لحد. شكل من زمان مأكلتش.. أنت جعان صح؟”
هز رأسه بس، لأن صوته ما كانش طالع من الزور.
كانت الحارة ورا الحاتي كلها ريحة زيت طعمية ومية غسيل ركضة، والواد كان خلاص جاب أخيره وبطل يحس بالبرد من تاني يوم.
قعد وساند ضهره على الحيطة الطوب التلج، لافف إيديه حوالين ركبه وشاددهم على صدره، عشان دي القعدة الوحيدة اللي كانت بتمسك جسمه شوية بدل ما الرعشة تقلب بمصيبة.
الجاكيت بتاعه كان خفيف أوي ومبلول مية، وكان بتاع حد تاني قبله رمى أمه. مأكلش ولا لقمة من يوم التلات. والوقت كان ليلة الجمعة أو يمكن بعد الفجر — هو أصلاً تاهت منه الأيام من بعد تالت مرة شاف باب المسجد بيتقفل في وشه الساعة تسعة.
حتى الخوف من البرد راح منه. ودي الحاجة اللي كان المفروض ترعبه بجد، بس هو كان مهدود ومفهوش حيل يخاف حتى.
“استحمل بس.. هي ليلة كمان وتعدي”، قال لنفسه كده قبل ما الباب يتفتح.
لما الباب اتفتح، طلع منه نور أصفر ضرب في الحارة المبلولة ووقف عند طرف جزمته المقطوعة.
كانت واقفة بت صغيرة شايالة شنطة زبالة. كانت صغيرة أوي — أصغر منه كمان، مع إنه هو نفسه كان عنده تسع سنين ونص وطول عمره معصعص. كانت لابسة مريلة مطبخ مش بتاعتها خالص، ملفوفة على وسطها مرتين من كبرها. وإيديها كانت محمرة ومتسلخة من كتر الصابون والمية السخنة طول النهار.
بصلها. وكان مستني الباب يترزع في وشه زي كل مرة. خلاص أخد على صوت الخبط وما بقاش يفرق معاه.
بس هي حطت الشنطة على جنب ودخلت جوة، وبعد دقيقتين طلعت وفي إيديها الاثنين سلطانية طالع منها بخار، ماسكاها بالراحة عشان ما تتلسعش. وقعدت على ركبها قدامه. النور اللي طالع من الباب كان منور نص وشها والنص التاني في الضلمة.
حطت السلطانية على الأرض جنب رجله ورجعت خطوتين لورا. مش بعيد أوي، بس خطوتين عشان تفهمه إنها مش هتاخد الأكل منه تاني.
كانت شوربة لسان عصفور بحتة فرخة وعيش ناشف. أكل بسرعة غريبة لدرجة إنه اتلسع في بؤه وما فارقتش معاه.
قعدت تبص عليه طول ما هو بياكل، وهي قاعدة على قفص رنديل خشب مقلوب وحاطة دقنها على إيديها.
سألته: “أكلت أمتى آخر مرة؟”
فكر شوية.
قالها: “التلات.”
سكتت ثانية كده.
وبعدين قالت: “تمام.”
لما خلص، أخدت السلطانية وقامت. وقبل ما تدخل من الباب لفت وبصلتله.
“اسمك إيه؟”
“ياسين.”
كررت الاسم كأنها بتحفظه: “ياسين.. أنا مريم. أنا هنا كل يوم لحد الساعة تسعة. فيه لمبة فوق الباب اهي، طول ما هي قايدة تعرف إن أنا جوة.”
دخلت، والباب اتقفل، والنور الأصفر اختفى، والحارة رجعت ضلمة تاني.
بس البرد ما بقاش يوجعه زي الأول.
حكايات شروق خالد
عدت خمسة عشر سنة.
الحارة اللي ورا المحل اتغيرت، المحل نفسه كبر وبقى مطعم كبير، بس المطبخ القديم والباب الوراني كان لسه زي ما هو، واللمبة الأصفر المكسورة اللي فوق الباب لسه بتنور كل ليلة.
في ليلة شتا تلج مطرها مش راضي يقف، وقفت عربية جيب سودة فخمة ومظللة عند أول الحارة. نزل منها راجل في التلاتينات، لابس بدلة غالية أوي وساعة بتبرق في الضلمة، بس عينه كانت رايحة مباشرة للباب الوراني بتاع المطعم.
كان ياسين.
مشى في المطر بالراحة، رجليه بتاخد نفس الخطوات اللي كان بيمشيها وهو حافي وشرقانه البرد من سنين. وقفت رجليه عند نفس النقطة اللي كان قاعد فيها زمان، وبص على الباب.
الباب اتفتح.
خرجت واحدة ست باين على وشها التعب والتجاعيد المبكرة، شايالة صينية ألومنيوم قديمة. كانت مريم. كبرت، وإيديها لسه محمرة ومتسلخة من كتر الغسيل والمية السخنة، ومريلة المطبخ لسه ملفوفة على وسطها بنفس الطريقة.
بصلها ياسين وابتسم، وسألها بنفس النبرة: “المحل بيقفل الساعة كام؟”
مريم بصت للبدلة وللعربية وقالت باستغراب: “بندقفل تسعة يا بيه.. بس المحل الكبير من قدام، الباب ده للمطبخ والعمال بس.”
ياسين قرب خطوتين، وشاور على اللمبة اللي فوق الباب وقالها: “أنا عارف.. بس أنا أصلًا جاي عشان اللمبة دي لما تكون قايدة.”
مريم فضلت تبصلح بشدة، تحاول تفتكر ملامح الوش ده.
ياسين كمل وهو بيطلع من جيبه عقد ملكية المطعم كله والعمارة اللي فوقيه وصك بمبلغ خيالي باسمها: “من ١٥ سنة، في ليلة زي دي بالضبط، كان فيه ولد صغير بيموت من البرد والجوع هنا.. دخلتيله بسلطانية شوربة لسان عصفور وبحتة فرخة وعيش ناشف.. وقوتليه متخافش. النهاردة الولد ده رجع، ومش بس جيبلك حق الشوربة.. أنا جيت أقولك إن المطعم ده، والعمارة دي، وكل حاجة هنا بقت بتاعتك أنتِ يا مريم.”
مريم إيديها اترعشت والصينية وقعت من إيدها، والدموع نزلت من عينها وهي مش مصدقة.
ابتسم ياسين وقالها: “اسمك مريم صح؟ وأنا ياسين.. وزي ما وعدتيني زمان، اللمبة دي عمرها ما هتطفي تاني.”
مريم فضلت واقفة مكانها، عينيها بتتحرك بين الورق اللي في إيد ياسين وبين وش الراجل اللي واقف قدامها في المطر بالبدلة الغالية. الدموع اتجمعت في عينيها بس ما نزلتش فوراً، كانت حالة من الذهول تامسها، مش قادرة تستوعب إن اللحظة دي حقيقية.
“ياسين؟” صلب صوته يخرج مبحوح، كأنها بتسترجع الاسم من صندوق قديم ومقفول في ذاكرتها من سنين.
“أيوه يا مريم.. ياسين.” رد عليها وهو بينزل الورق إيديه بالراحة، ومسك إيديها المحمرة والمتقشرة من المية السخنة بنفس الحنية اللي هي مسكت بيها السلطانية زمان. “الولد اللي قعدتي قدامه على قفص الخشب ورجعتي خطوتين لورا عشان ما يخافش منك.”
مريم غطت وشها بإيديها الاثنين وبدأت تبكي بجد، بكاء طالع من قهر سنين .
ياسين شال الجاكيت الثقيل بتاعه وحطه على كتفها عشان يحميها من المطر، وقالها بنبرة هادية وبثقة: “من النهاردة مفيش شغل لغاية تسعة، ومفيش مية سخنة تبوظ إيديكي، ومفيش حد يقدر يرفع صوته عليكِ هنا. المكان ده كله بتاعك، والعمال اللي جوة دول أنتِ اللي هتشغليهم وتديهم مرتباتهم.”
حكايات شروق خالد
في اللحظة دي، الباب الوراني اتفتح وفجأة خرج المعلم حامد — صاحب المطعم المتكبر اللي كان ديماً بيهين مريم — وهو بيزعق: “إيه يا مريم أنتِ واقفة ترغي مع مين وسايبة المواعين جوة؟!”
بس كلامه وقف في زوره لما بص لـ ياسين وللعربية الجيب السودة وللحراس اللي نزلوا وقفو ورا ياسين في الحارة.
ياسين لفتله بكل هدوء وطلع كارت شخصي وحطه في جيب قميص المعلم حامد، وقال بلهجة حاسمة: “المكان ده اتباع بالكامل النهاردة من المالك الأصلي. وأنا المالك الجديد.. أو بمعنى أصح، الأستاذة مريم هي المالك الجديد. قدامك ساعة واحدة تلم حاجتك وتفضي المحل، مالكش شغل هنا تاني.”
المعلم حامد وشه جاب ألوان، وبص لمريم باستغراب ومش مصدق عينيه، وما قدرش ينطق بحرف واحد، ودخل جوة يلم حاجته وهو بيتنفض.
ياسين بص لمريم وابتسم: “تفتكري كده اللمبة اللي فوق الباب هتفضل قايدة؟”
مريم مسحت دموعها وابتسمت وسط البكاء، وهزت رأسها وقالتله: “طول ما فيه ناس زيك يا ياسين.. اللمبة دي عمرها ما هتطفي.”
ياسين مسك إيد مريم وشاور لسائقه يفتح باب العربية الجيب الفخمة.
“تعالي يا مريم.. الشقا خلاص خلص، ولازم ترتاحي.”
مريم بصت لعربيتها وللمطعم وبصت لإيديها اللي متسلخة من المية السخنة والصابون، وقالت بصوت بترعش: “ترتاح فين يا ياسين؟ أنا بقالي ١٥ سنة ما بعرفش أعمل حاجة في دنيتي غير إني أغسل مواعين وأمسح بلاط هنا.. أنا ماليش بيت أصلًا، كنت بنام في الأوضة الكركبة اللي فوق المطبخ.”
ياسين ابتسم ابتسامة هادية وهو بيفتح لها باب العربية: “عشان كده العمارة دي كلها بقت بتاعتك.. الأوضة الكركبة دي هتهدم النهاردة، والشقة اللي في الدور الأولاني فوق المطعم جاهزة ومتفرشة بكل حاجة تتمنيها. ومن بكره هتمسكي إدارة المطعم كله.. مش هتغسلي ولا طبق، أنتِ اللي هتأكلي الغلابة اللي بيعدوا في الحارة دي كل يوم.”
مريم قعدت في العربية وهي خايفة تبهدل الكراسي بجلابيتها ومريلتها، بس ياسين قفل الباب بالراحة وقعد جنبها.
تاني يوم الصبح.. الحارة صحيت على حركة مش طبيعية.
عمال ومهندسين نازلين تجديد في المطعم، يغيروا يافطته، وبيظبطوا المطبخ بأحدث أجهزة. المعلم حامد مشى وهو بيجر أذيال الخيبة، والعمال اللي كانوا بيتأمروا على مريم زمان وقفوا كلهم طابور قدامها عشان يستأذنوا منها يكملوا شغل ولا لأ.



