
وصلوا السرايا، والجو كان دافي وهادي بعكس البرد اللي كان بره على الكورنيش. دادا فاطمة كانت مجهزة الفطار على الترابيزة الكبيرة في التراس المفتوح المطل على النيل . ريحة الفطير والعسل والقهوة كانت مالية المكان. قعدت إيمان قدام عُمر، وكانت لسه اللي حصل من شوية قدام المستشفى. حاسة إن الخوف القديم اللي كان كابس على نفسها سنين طويلة اتخرق واتبدل بإحساس غريب بالراحة.
عُمر صب فنجانين القهوة، وحطه قدامها بالراحة وهو بيبص لها بتركيز: “شريف مش هيظهر في طريقك تاني يا إيمان.. أنا تأكدت إن الحسابات اتسدت معاه تماماً، ومبقاش له عين ولا جراءة يقرب من المنطقة كلها.”
إيمان حركت معلقة القهوة ببطء، ورفعت عينيها فيه: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا عُمر.. بس أنا حاسة إني بقيت تقيلة عليك، وعاملة لك مشاكل مالهاش لازمة.”
عُمر حط الفنجان من إيده، ومال بظهره لورا وهو بيبص لها بثبات ونبرة صوته بقت أعمق: “أولاً، مفيش حاجة اسمها تقيلة.. ثانياً، المشاكل دي بالنسبة لي لعب عيال. بس أنا كنت عايز أكلمك في موضوع تاني خالص.”
إيمان سكتت واستنت تسمعه.
وصلوا السرايا، والجو كان دافي وهادي بعكس البرد اللي كان بره على الكورنيش. دادا فاطمة كانت مجهزة الفطار على الترابيزة الكبيرة في التراس المفتوح المطل على النيل مباشرة. ريحة الفطير المشلتت السخن والعسل والقهوة كانت مالية المكان. قعدت إيمان قدام عُمر، وكانت لسه بتستوعب اللي حصل من شوية قدام المستشفى. حاسة إن الخوف القديم اللي كان كابس على نفسها سنين طويلة اتخرق واتبدل بإحساس غريب بالراحة.
عُمر صب فنجانين القهوة، وحطه قدامها بالراحة وهو بيبص لها بتركيز: “شريف مش هيظهر في طريقك تاني يا إيمان.. أنا تأكدت إن الحسابات اتسدت معاه تماماً، ومبقاش له عين ولا جراءة يقرب من المنطقة كلها.”
إيمان حركت معلقة القهوة ببطء، ورفعت عينيها فيه: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا عُمر.. بس أنا حاسة إني بقيت تقيلة عليك، وعاملة لك مشاكل مالهاش لازمة.”
عُمر حط الفنجان من إيده، ومال بظهره لورا وهو بيبص لها بثبات ونبرة صوته بقت أعمق: “أولاً، مفيش حاجة اسمها تقيلة.. ثانياً، المشاكل دي بالنسبة لي لعب عيال. بس أنا كنت عايز أكلمك في موضوع تاني خالص.”
إيمان سكتت واستنت تسمعه.
المريضات والأطفال كانوا يتحركون في الساحة بابتسامات عريضة، والأطباء والممرضات يعملون بانتظام ودقة وكأنهم يعزفون مقطوعة هادئة. لم تعد إيمان تلك الفتاة الخائفة التي كانت تتجمد تحت مطر القاهرة الشديد في حارة مظلمة. أصبحت امرأة قوية، واثقة، تحظى باحترام وشغف كل من يعمل معها أو يتعالج في المستشفى. سمعت صوت خطوات ثقيلة وموزونة خلفها.
التفتت لتجد عُمر يقف عند باب الشرفة، يرتدي جلباباً صعيدياً فاخراً وشالاً أبيض على كتفيه، ملامحه الحادة كانت تفيض بكرامة وهيبة، لكن عينيه كانتا تشعان بالدفء والارتياح وهو ينظر إليها.
“الجو في قنا اليوم زاهي،” قال عُمر بنبرته الهادئة والعريقة وهو يقترب منها ويقف بجوارها عند السور. ابتسمت إيمان وبصت له بامتنان: “المستشفى أخيرًا شغالة بكل طاقتها يا عُمر.. الناس هنا يدعون لك في كل لحظة.”
عُمر نظر إلى الساحة تحتهم، ثم التفت لـ إيمان وبص في عينيها مباشرة.”الدعاء ده مش ليّا لوحدي يا إيمان.. الدعاء ده للمكان وللقلب اللي بيديره بضمير ورحمة. أنتِ غيرتي المكان ده، وزي ما السرايا غيرت حياتك، أنتِ غيرتي حياة آلاف الناس هنا.
سكت لثوانٍ، وسحب علبة مخملية صغيرة من جيب جلبابه، وفتحها بكل هدوء. داخل العلبة كان هناك خاتم بسيط، لكنه مصمم بأناقة شديدة ومرصع بحجر زمرد أخضر دافئ، يتلألأ تحت أضواء الشمس. إيمان اتسعت عينها وانقطعت أنفاسها.
“عُمر…”
“الخاتم القديم اللي كان في إيدك ليلة المطر كان يمثل الخـ،،ياـ،ـنه والرخص،” عُمر قالها بصوت عميق ومؤثر وهو يمد إيده بالعلبة نحوها. “ده خاتم جديد.. ملوش دعوة بالماضي، ولا بالصفقات، ولا بالبيزنس. ده خاتم بيطلب منك تبقي شريكة حياتي على سنة الله ورسوله.. لو قلبك قبلني.”
الدموع تجمعوا في عينين إيمان، بس المرة دي كانت دموع الفرحة المطلقة. افتكرت الليلة اللي شالها فيها بين إيديه من وسط الشارع، وافتكرت كل لحظة حمايتها فيها ورجع لها كرامتها. هزت رأسها بابتسامة واسعة وصافية: “أنا قبلتك من الليلة الأولى اللي حسيت فيها إنك أماني الوحيد في الدنيا يا عُمر.. أنا موافقة.”
عُمر ابتسم ابتسامة حقيقية ودافئة أضاءت وجهه الصارم، وأخذ الخاتم ووضعه في إصبعها. وفي تلك اللحظة، على أرض قنا الدافئة، تحت أوراق الأشجار ونسمات الهواء الصافية، أغلقت إيمان كتاب الماضي بكل آلامه، وفتحت مع عُمر صفحة جديدة عنوانها الأمان، والحب، والكرامة التي لا تنكسر.
#حكايات_شروق_خالد
شهدت السرايا في قنا ليلة من أجمل ليالي الصعيد. الأضواء كانت مالية المكان، وصوت المزمار البلدي مع هيبة الرجالة وعائلات الصعيد اللي جُم من كل مكان عشان يباركوا لـ “عُمر باشا” بـ جيزته من الدكتورة إيمان. الكل كان فرحان ومبسوط، ومش بس عشان الفرح، بس عشان هما شايفين الخير اللي دخل البلد على إيديهم هما الاثنين من يوم ما المركز الطبي اتفتح.
إيمان كانت واقفة في شرفة السرايا الكبيرة لابسة فستانها الأبيض، وبتبص على النيل والزرع والمهرجان اللي تحت.
افتكرت شريط حياتها كله في لحظات: المطر، والشارع، الخـ،،ياـ،ـنه، الخوف اللي كان بيقـ،،تـ،ـلها كل يوم.. وإزاي راجل واحد بكلمة وهيبة وشهامة غير كل الأقدار دي، ورجّع لها حقها وكرامتها وجعلها ست البنات. عُمر دخل الشرفة بخطواته الثقيلة الهادية، ولابس جلبابه العالي وشاله الأبيض، ووقف جنبها وهو بيسند إيده على السور.
“بتبصي على إيه يا عروسة الصعيد؟” عُمر قالها بصوت دافي مليان حنية.
إيمان التفتت له وابتسمت من قلبها، وحطت إيدها في إيده: “ببص على الفرق بين المكان اللي كنت فيه والمكان اللي أنا فيه دلوقتي يا عُمر..



