روايات وقصص

سِرٌّ في الشُّرْفَة .ج2 . #حكايات_شروق_خالد

عُمر مغيرش تعبيرات وشه، بس كل عصب في جسمه اتشد. سحب إيده بالراحة من على الأوراق، وحطها على حرف المكتب وهو بيحسس على المتثبت تحت الخشب من جوة.”أمارة مكنتش محتاجة تفهمني يا فريدة،” عُمر قالها بصوت هادي كأنه الرخام، “الورق ده هو اللي فهم كل حاجة.”فريدة وقفت قدام المكتب، وسندت بأطراف صوابعها عليه. نظرة البراءة المزيّفة اختفت تماماً، وحل مكانها برود يرعب.

“الورق ده اتكتب بعناية بقالها سنة ونصف يا عُمر.. من قبل حتى ما تعرف إن المحامية فريدة الكيلاني دخلت حياتك بالصدفة في اجتماع مجلس الإدارة،” فريدة قالتها وهي بتبتسم بنصف بؤم. “أبوك الله يرحمه دمر عيلة الكيلاني وباع أراضينا في الصعيد بتراب الفلوس عشان يبني الإمبراطورية اللي أنت قاعد عليها دلوقتي.. وكان فاكر إن الموضوع اتنسى.”عُمر بص لها بعينين مليانة صدمة مكتومة.”الكيلاني؟

أنتِ بنت منصور الكيلاني؟””أنا البنت اللي سابها أبوك تتشرد وهي عندها عشر سنين،” فريدة قالتها ونبرة صوتها اتغيرت وبقت مليانة غل. “قضيت عمري كله بدرس وبخطط عشان أرجع كل مليمتاخد منا.. بالمنطق.. وبالقانون. والجواز منك كان هيخليني أخد كل حاجة وأنت بتضحك ومبسوط، ومن غير ما

في اللحظة دي، خبط جامد على الباب، وصوت إبراهيم جه من بره ملهمق:”عُمر باشا! افتح يا باشا! فريدة هانم طلعت فوق والتليفونات تحت مقطوعة!”فريدة متهزتش. طلعت من شنطتها جهاز صغير للتشويش وحطته على المكتب.”التليفونات مقطوعة، والرجال بتوعي بره السرايا مستنيين الإشارة. أنا مش جاية أقتلك يا عُمر.. أنا جاية أخليك توقع على تنازل بسيط عن الأسهم دي دلوقتي، وإلا الشحنة اللي في بورسعيد مش بس هتتمسك.

. دي فيها حاجات هتخليك تقضي بقية عمرك في طرة.”عُمر فضّل باصص لها لثواني. وفي لحظة، هدوء عُمر الغريب هو اللي ابتدي يخوف فريدة. عُمر ابتسم.. ابتسامة صغيرة وباردة جداً.”أنتِ نسيتي حاجة واحدة يا فريدة،” عُمر قالها وهو بيميل لبي قدام. “أنتِ درستي القانون.. بس أنا درست أبويا. وأبويا علمني إن الراجل اللي بيسيب حقه، مبيستاهلش اسمه.

“عُمر داس بصباعه على زرار مخفي تحت المكتب. في نفس اللحظة، النور اتطفا عن السرايا كلها. فريدة شهقت وراجعت لورا بخطوة، وصوت ضرب نار خفيف ومكتوم ابتدى يتسمع من الجنينة تحت. صوت عُمر جه من الضلمة الكاحلة جنبها بالضبط، قريب من ودنها زي ما أمارة كانت قريبة منه من شوية:”إنك وثقتي في رجالتك.. وأنا من زمان أوي مابثقش في حد.

“#حكايات_شروق_خالدأنوار الطوارئ الخفيفة المخبأة في أركان السقف اشتغلت فجأة، ونورت المكتب بضوء أحمر باهت وخافت. فريدة اتجمدت في مكانها، وعينيها اتسعت وهي بتشوف عُمر واقف وراها تماماً عند باب المكتب—مش جنب المكتب زي ما كانت فاكرة.”عُمر…” صوتها خرج مهزوز لأول مرة. عُمر فتح باب المكتب بكل هدوء. إبراهيم كان واقف بره، ومسك بثبات، ووراه ثلاثة من رجالة العيلة المخلصين حاطين الكلبشات في إيدين اثنين من رجال فريدة اللي كانوا محاولين يتسللوا من السلم الخلفي.

إبراهيم بص لعُمر وأومأ برأسه:”المكان كله تحت السيطرة يا باشا. الرجال اللي بره السرايا أتقبض عليهم، وشحنة بورسعيد أتحركت لمكان آمن من بدري… الورق اللي هي مسكاه ملوش أي قيمة.”فريدة رجعت لورا بخطوات سريعة لحد ما خبطت في المكتب، وعينيها بتتأرجح بين عُمر وإبراهيم.”أنت… أنت كنت عارف؟”عُمر قرب منها بخطوات ثقيلة ومحسوبة، ووقف قدامها

أنا مكنتش عارف كل حاجة يا فريدة،” عُمر قالها بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف. “بس من اليوم اللي دخلتي فيه حياتنا، وأنا حاطط عين عليكي. أبوي الله يرحمه علمني إن اللي بييجي بالسهولة دي، في الغالب بيبقى وراه حساب قديم. كلام أمارة الصغيرة النهاردة كان مجرد الشفرة اللي كشفت الخيط كله.”سحب الملف من على المكتب وحطه في إيد إبراهيم.”إبراهيم..

هتاخد هوانم الكيلاني، والورق ده كله يترفق مع البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العامة بكرة الصبح بتهمة التزوير ومحاولة الاستيلاء والتآمر. والجيل الجديد من عيلة الكيلاني يتفهم إن اللعبة اتنهت خلاص.”فريدة بصت له بغل مكتوم، بس ملقيتش أي كلمة تقولها. إبراهيم أشار لرجاله، وأخدوها ونزلوا بيها من السلم الخلفي في هدوء تام من غير ما أي حد من الضيوف تحت يحس بحاجة.

عُمر وقف في المكتب لثواني، أخد نفس عميق، وطلع التليفون من جيبه وطلب رقم جناح الضيوف.”فاطمة.. انزلي بأمارة، الجو بقى أمان.”بعد عشر دقائق، عُمر كان واقف في التراس المفتوح تاني. النور كان رجع للسرايا، والمزيكا اشتغلت من جديد، والضيوف كانوا بيتحركوا وبيضحكوا كأن مفيش أي حاجة حصلت. فاطمة خرجت للتراس ومعاها أمارة. البنت الصغيرة كانت لسه متمسكة بلعبة الخروف، بس عينين فاطمة كانوا مليانين امتنان وخوف بنفس الوقت.

عُمر وطي على ركبه قدام أمارة تاني، وابتسم لها ابتسامة حقيقية ولطيفة.”أمارة.”البنت بصت له بعيونها الواسعة: “نعم؟””الست مشيت خلاص.”أمارة هزت رأسها بالراحة، وحطت إيدها الصغيرة على كتفه وقالت بطفولة:”عشان أنت شاطر.”عُمر ضحك بجد لأول مرة من شهور، وبص لفاطمة وقالها:”من بكرة يا فاطمة، أنتِ وأمارة ليكوا جناح خاص في السرايا هنا.. وأمارة تعليمها وكل مصاريفها عليا لحد ما تكبر وتتخرج.

“فاطمة دمعت وشكرته بصوت مهزوز. عُمر وقف وبص للمية اللي بتلمع في النيل تحت أنوار السرايا. الخاتم الفضة اللي في إيده اليمين حس بيه خفيف دلوقتي… خفيف جداً، كأنه اتخلص من حمل تقيل كان مضيق نفسه لسنين.#حكايات_شروق_خالدبعد مرور خمس سنوات…كانت السرايا في أبهى صورها، أضواء الجنينة الممتدة على ضفاف النيل منورة المكان، وصوت ضحكات دافية طالعة من التراس المفتوح.

عُمر كان واقف عند نفس الشباك الكبير اللي كان واقف قدامه ليلة القديمة، يقلّب ورق مشروعات جديدة لعائلته. الشركات كبرت، والاسم بقى له وزن أتقل في السوق، وكل الحسابات القديمة اتصفّت والقضايا أتقفلت تماماً. الباب اتفتح بالراحة، ودخلت أمارة. بقت عندها ثماني سنين، لابسّة فستان أبيض بسيط، ومسكين في إيدها كشكول رسم كبير.

“عُمر بيه؟” أمارة قالتها بنبرة طفولية بس فيها تهذيب شديد. عُمر ساب القلم من إيده، وابتسم لها ابتسامة حقيقية من قلبه:”كم مرة قلت لك يا أمارة بلاش كلمة ‘بيه’ دي؟ أنا عمك عُمر.”قربت منه وهي بتضحك، وحطت كشكول الرسم على المكتب قدامه.”شوف الرسمة دي.. دي السرايا، وده أنت، ودي ماما، وده الخروف بتاعي بس كبر شوية!”عُمر بص للرسمة باهتمام حقيقي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى