
نزلت الكلمة عليا زي المية الساقعة. اللحظة اللي افتكرنا فيها إن الكابوس انتهى، طلعت مجرد بداية للعبة أكبر.
بصيت لياسين.. الضحكة اللي كانت على وشه من ثواني اختفت تمامًا، وحل مكانها ذهول مرعب. إيده اللي كانت ماسكة إيدي شدت بجدية، وعينيه فضلت مثبتة على شاشة الموبايل المغلقة.
— ياسين.. قالك إيه تاني؟
صوته طلع واطي ومخنوق:
— قال إنه كان موجود يوم الحادثة.. وقال إن أبويا مش الوحيد اللي خبى عليا.
— إزاي؟ محمود قال إن محدش كان هناك غيركم!
ياسين هز راسه ببطء، وكأنه بيحاول يستوعب:
— المكالمة اتخلعت فجأة.. الخط اتقفل.
ما ترددتش.. سحبت الموبايل من إيده وحاولت أطلب الرقم تاني. الجرس ضرب مرتين، وبعدين جالي الصوت الآلي: «عفوًا، هذا الرقم غير متاح حاليًا».
الهدوء اللي كان في الشقة اتنسخ تمامًا. الباب اللي قفلناه ورا محمود عشان تبدأ حياتنا، حسيت إن في حد بيخبط عليه من الماضي.
— ندى.
بصيتله.. عينيه كانت مليانة تشتت.
— إنتِ مصدقة اللي بيحصل؟
قربت منه وحطيت إيدي الاثنين على وشه عشان أخليه يبصلي:
— ياسين.. اسمعني. التسجيل اللي محمود جابه واضح.. أبوك اعترف بنفسه إنه ظلمك.
— بس مين ده اللي يتصل دلوقتي؟ وفين كان طول السنين دي؟ وليه يظهر في الليلة دي بالذات؟
الأسئلة كانت بتطاردنا زي السهام. كان واضح إن اللي اتصل عارف كل تحركاتنا، عارف إن الحقيقة اتكشفت الليلة دي بالتحديد، ومستني اللحظة اللي نطمن فيها عشان يرمي القنبلة الجديدة.
فجأة، موبايل ياسين وصلته رسالة نصية من نفس الرقم المجهول.
ياسين فتح الرسالة وهو بيتنفس بصعوبة.
كان فيها عنوان.. وصورة قديمة جدًا، باهتة، محطوطة في المرفقات.
الصورة كانت للبيت القديم بتاع عيلتهم.. وفي ظهر البيت، باين خيال شخص واقف بعيد ورا الشجر، بيبص على ياسين ومحمود وهم صغار.
وتحت الصورة مكتوب:
«أبوك خاف من قوتك.. بس غيره استغلها. لو عايز الحقيقة الكاملة، تعالوا العنوان ده بكره الصبح.. لوحدك يا ياسين. من غير ندى.»
ياسين بصلي بسرعة، وفي لحظة، الحيرة اللي في عينيه تحولت لخوف حقيقي.. مش خوف على نفسه، خوف عليا أنا.
— مش هتروح لوحدك.
— ندى.. الرسالة واضحة.
— وأنا مش هسيبك تمشي لواحدك بعد كل اللي عرفناه! إحنا اتقفل علينا باب واحد الليلة دي، يعني مشاكلك بقت مشاكلي.
ياسين سكت، حط الموبايل على الترابيزة، وقرب مني وضم جبهته لجبهتي وهو بياخد نفس طويل.
— أنا طول عمري فاكر إني الخطر على اللي حواليا.. بس اكتشفت إن الخطر هو اللي كان حاسمني من زمان وأنا مش فاهم.
مسكت إيده وقبلتها:
— المرة دي إنت مش لوحدك.. ومفيش سر تاني هيهدنا.
بص للعنوان اللي في الرسالة، وبعدين بصلي بثبات جديد كأنه بيتاخد لأول مرة:
— الصبح.. هعرف مين اللي بيلعب بينا، وهنهي المهزلة دي للأبد.
الليلة مرّت بطيئة تقيلة.. الشمس لما بدأت تطلع، ما جابتش معاها دفا، جابت لون رمادي باهت حسسنا إن الصبح طالع بحساب.
ياسين كان قاعد على طرف السرير، لابس جاكيته ومستعد. طول الليل ما غمضش عين، يمسك الموبايل ويبص للعنوان والصورة، وبعدين يبصلي.
قمت وقفت قدامه وصممت:
— أنا نازلة معاك.
بصلي بهدوء بس كان فيه حسم ما شفتهوش قبل كده:
— ندى.. اللي بعت الرسالة عارف إحنا مين وعارف كل التفاصيل. لو شافك معايا، ممكن يعمل أي حاجة.. أنا مش هخاطر بيكي بعد ما صدقت لقيتك.
— مش هسيبك تروح لشيء مجهول لوحدك!
مسك إيدي الاثنين، وقال بصوت حنين بس صلب:
— مش هكون لوحدي.. محمود جاي معايا. كلمته الفجر وحكيتله، وهو أصر ييجي. محمود هو الطرف التاني في الحادثة، ومن حقه يعرف. إنتِ هتقعدي هنا.. وتنزلي ترباسي الباب، وما تفتحيش لأي حد مهما كان.
ترددي اتهزم قدام نظرة خوفه عليا. هزيت راسي بالموافقة بصعوبة.
ساعة بعد الفجر، صوت عربية محمود ضرب تحت البيت. ياسين باس دماغي، وقال بصوت واطي:
— ساعة.. ساعة واحدة وراددلك بالحقيقة.
مشى وقفل الباب.. سمعت صوت تكّة الترباس، وحسيت إن قلبي نزل في رجلي.
العنوان كان بيت قديم مهجور على أطراف المنطقة الصناعية، مكان أبعد ما يكون عن عمران الناس.
وصل ياسين ومحمود. العربيات مركونة بعيد. النزول كان بحذر، والمكان يسوده صمت يقطع النفس.
محمود وهو حاطط إيده في جيبه وبيتطلع حواليه بتوتر:
— ياسين.. المكان ده مش مريح.. أبوك عمره ما جابنا هنا زمان؟
— ولا مرة.
دخلوا المبنى المهجور.. جدران متأكلة وشبابيك مكسورة. صوت خطواتهم كان بيرن في المكان.
فجأة، صوت خشبة اتكسرت وراهم.
ياسين لف بسرعة:
— مين هنا؟
من وسط الضلمة، خرج راجل عجوز.. شعره أبيض كليًا، بيمشي بعكاز بس وقفته فيها كبرياء غريب. كان لابس بالطو قديم ومخطط، وعلى وشه ندبة قديمة من جنبه اليمين.
محمود اتفاجئ:
— عمي توفيق؟!
ياسين بص لمحمود بدهشة:
— مين ده؟
الراجل العجوز ابتسم ابتسامة باهتة، وصوته كان أبحّ زي ما ظهر في التليفون:
— أهلاً يا ياسين.. أخيرًا شفتك وإنت كبير وشايل هيبة أبوك.
ياسين قرب خطوة وعينيه مشدودة:
— إنت مين؟ وليه بتتصل بيا بالليل؟ وإيه علاقتك بحادثة محمود؟
توفيق بص لمحمود وقال بثبات:
— أنا الشريك القديم لأبوكم.. الراجل اللي أبوكم طرده ورمى عليه تهمة النصب زمان عشان يغطي على سر أكبر.
محمود زعق:
— أبويا ما ظلمش حد! إنت اختفيت من عشرين سنة بعد ما…
توفيق قطعه وهو بيرفع عكازه:
— بعد ما أبوك اتهمني إني أنا اللي زقيت محمود من على السور عشان ألبسها لياسين؟
ياسين اتجمد مكانه.. كلماته طلعت مقطوعة:
— إنت… إنت بتقول إيه؟
توفيق بص لياسين بصة كأنها سهم:
— أبوك خبى عليك إنك ما زقيتش محمود.. بس ما قالكش ليه حسّ بالذنب طول حياته.
ياسين مسكه من ياقة البالطو بعصبية:
— انطق! خبى إيه تاني؟!
توفيق ما خافش، بص في عين ياسين وقال بهدوء يرعب




