الطفلة اللي كشفت سر الزعيم الأعمى بعد 5 سنين في الضلمة ج1حكايات شروق خالد

الزعيم الأعمى بقاله خمس سنين، لحد ما بنت الخدامة الصغيرة لاحظت حاجة محدش غيرها قدر يشوفها. لمدة خمس سنين، كان «عزت الدمنهوري» عايش ورا نضارة سودا، بعد ما انفجار دمّر عينيه وقتل مراته وبنته. الدكاترة قالوا إن مفيش أي أمل إنه يشوف تاني. ومن يومها، بيت الدمنهوري بقى ماشي على تلات قواعد محدش يقدر يكسرهم: ممنوع الصوت العالي، ممنوع حد يغيّر مكان أي حاجة، وممنوع حد يبص مباشرة لراجل البيت.
لكن في يوم، بنت الخدامة الصغيرة «مريم»، اللي عندها تلات سنين، جريت ورا كورة زرقا دخلت أوضة صاحب البيت، ووجهت كشاف لعبة صغير ناحية عينيه.
وساعتها لاحظت حاجة كل الدكاترة المتخصصين ماخدوش بالهم منها…
بؤبؤ عينه انقبض مع النور.
والاكتشاف ده كان بداية لكشف خيانة دكتور، ودواء اتاخد بطريقة متعمدة لمدة عشر سنين، وقطعة معدن صغيرة جوه عينه ماكانش المفروض تكون موجودة أصلًا.
قصر عيلة الدمنهوري كان واقف على أطراف القاهرة، ورا بوابات حديد ضخمة، وجواه إمبراطورية كاملة كانت بتتحرك بنظام يخوف… من غير صوت، ومن غير أسئلة، ومن غير غلطة واحدة.
كان عزت الدمنهوري عنده تمانية وتلاتين سنة، ورغم عماه، كان لسه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في كل حاجة. شركات النقل، المخازن، الموانئ، والرجالة اللي شغالة تحت إيده… كلهم بيتحركوا بأمر واحد منه.
وكان يوم القصر بيبدأ كل يوم بنفس الطريقة.
الساعة ستة الصبح، أنوار الممرات تشتغل.
الساعة ستة ونص، الفطار يتحط على ترابيزة الجناح الشرقي. الطبق في النص بالظبط، الكوباية على اليمين، الفوطة على الشمال، والسكينة والمعلقة متوازيتين وبنفس المسافة من حافة الترابيزة.
الساعة سبعة ونص، ملفات المخازن توصل.
الساعة تسعة، تليفون مسؤول الميناء يرن.
وكل يوم، نفس النظام.
كان فيه ستاشر شخص شغالين جوه القصر؛ طباخين، سواقين، جناينية، خدم، وحرس.
ولا واحد فيهم كان بيتكلم مع عزت إلا لو هو اللي بدأ الكلام.
محدش كان بيقوله خبر زيادة.
محدش كان بيتكلم عن الجو.
محدش كان يعلق على الزرع أو المطر أو حتى صوت العربيات بره.
اتعلموا إن الخادم في بيت الدمنهوري مايتكلمش.
الخادم يشيل.
يرتب.
ينضف.
وبعدين يختفي.
أما «إيلين» فكانت وصلت لقصر الدمنهوري قبل سنتين.
كانت عندها تلاتين سنة، وكانت وكالة توظيف في القاهرة هي اللي بعتتها للقصر. المرتب كان أكبر من أي مرتب كانت طلبته في الشهور الإحدى عشر اللي فاتوا.
وقبل ما تخرج من مكتب التوظيف، الست اللي هناك قالتلها جملة واحدة:
“في البيت ده محدش بيحب الأسئلة… وإنتِ الأحسن ماتسأليش كتير.”
إيلين هزت راسها.
ماكانتش في وضع يسمح لها ترفض.
خصوصًا إن بنتها الصغيرة كانت معاها.
مريم كان عمرها خمستاشر شهر وقتها.
ماكانش عندها جد أو جدة تقدر تسيبها معاهم.
ولا خالة أو عمة تثق فيهم.
فالبنت كانت بتيجي معاها في كل مكان.
أول واحدة قابلتهم عند باب المطبخ الخلفي كانت «الحاجة بهية».
بصت للطفلة النائمة مرة واحدة، من غير ما يتغير تعبير وشها، وبعدها قالت لإيلين:
“تعالي ورايا.”
دخلوا.
وبعد كام خطوة، وقفت الحاجة بهية وقالت بصوت منخفض:
“البيت ده فيه تلات قواعد.”
إيلين بصتلها باهتمام.
“أول قاعدة… ممنوع الصوت العالي.”
سكتت لحظة وبعدين كملت:
“لا في الممرات، ولا في المطبخ، ولا حتى وإنتِ بتكلمي البنت. الصوت هنا بيوصل لأماكن إنتِ ماتتوقعيش إنها توصله.”
إيلين هزت راسها.
“تاني قاعدة… ممنوع تحركي أي حاجة.”
وأشارت حواليها.
“الكرسي اللي واقف هنا يفضل هنا. الفازة اللي عليها علامة التراب دي ترجع لنفس العلامة بالظبط. مفيش حاجة في البيت ده اتحركت من مكانها بقالها خمس سنين… ومش هتبدأ تتحرك بسببك.”
وبعدين سكتت.
لكن المرة دي نبرة صوتها بقت أشد.
“والقاعدة التالتة أهم واحدة.”
إيلين استنتجت إنها حاجة تخص صاحب البيت.
الحاجة بهية قالت:
“ممنوع تبصي في وش صاحب البيت.”
إيلين رمشت.
“لو دخلتي له حاجة، تنزلي عينيكي، تحطيها، وترجعي لورا. لو قابلتيه في الممر، تبعدي على جنب وتبصي في الأرض.”
وقربت منها أكتر.
“ممنوع تبصي على وشه… وممنوع تبصي في عينيه. أبدًا.”
إيلين ما سألتش ليه.
وبعد أسبوع، شافته لأول مرة.
كانت ماشية في الممر اللي فوق السلم الرئيسي، ولما سمعت صوت باب بيتفتح، دخلت بسرعة في تجويف جنب دولاب خشب ضخم.
الباب اللي في آخر الممر اتفتح.
وخرج منه راجل طويل لابس قميص أبيض ونضارة سودا.
عزت.
كان ماشي من غير ما يلمس الحيطان.
ماكانش بيمد إيده قدامه.
ماكانش بيختبر الأرض بعصاية.
كان ماشي بثبات غريب، وكل خطوة قد التانية بالظبط.
لكن شفايفه كانت بتتحرك من غير صوت.
كان بيعد.
إيلين فضلت تبص من بعيد لحد ما الحاجة بهية همست جنب ودنها:
“أربعة وتمانين خطوة.”
إيلين بصتلها.
“من باب أوضته لحد أول السلم. بيعدهم بقاله خمس سنين.”
وبصت ناحية عزت.
“ومحدش بيمسك دراعه… أبدًا.”
إيلين فضلت واقفة مكانها، وإيدها على الحيطة.
في اللحظة دي فهمت ليه المرتب في البيت ده أعلى من أي مكان تاني.
ومرت السنين.
ومريم كبرت جوه القصر كأنها طفلة اتولدت وسط متاهة.
اتعلمت تمشي على الرخام وهي ماسكة في رجل الترابيزة.
اتعلمت إن ممر الخدم أرضيته ناعمة، لكن الصالة الكبيرة أرضيتها صلبة، وإن الصوت بيمشي مسافة أطول فوق الأرض الصلبة.
ولما وصلت سنتين، كانت اتعلمت تتكلم بهمس.
قبل ما حد يقولها “وطي صوتك”، كانت بتحط صباعها الصغير على شفايفها.
سنتين عدوا.
القصر مااتغيرش.
إيلين كانت بتشيل الملايات والصواني، ومريم كبرت من طفلة بتنام على كتف أمها لبنت صغيرة عندها تلات سنين، هادية، ذكية، وحافظة كل ممر في البيت.
وجاء شهر أغسطس.
وكانت شمس العصر بتدخل من شبابيك الجناح الشرقي في خطوط طويلة ذهبية.
في اليوم ده، كانت مريم قاعدة على الأرض قدام المخزن، ماسكة كورة بلاستيك زرقا صغيرة، وبتدحرجها بين إيديها.
إيلين سابتها دقيقة واحدة بس.
كانت شايلة شوية قمصان مكوية وطلعت بيهم ناحية غرفة المفروشات.
لكن الكورة وقعت من إيد مريم.
اتدحرجت في الأول ببطء.
وبعدين سرعت.
عدت من جنب الترابيزة.
وعدت من جنب حامل الشمسيات.
لحد ما دخلت من تحت فتحة باب الصالة.
الباب اللي بيؤدي لجناح صاحب البيت.
الباب اللي مريم اتقال لها مية مرة ممنوع تفتحه.
وقفت مكانها.
بصت يمين.
وبصت شمال.
وبعدين مدت إيدها الصغيرة.
وزقت الباب.
الباب التقيل اتحرك.
واتفتح.
جوه الصالة، كان عزت قاعد على كرسي جلدي جنب الشباك.
شمس العصر كانت واقعة على وشه من الجنب.
وكان قاعد من غير حركة تقريبًا بقاله ساعة.
مريم نزلت على إيديها وركبها.
دخلت تحت الترابيزة الصغيرة اللي قدام الكرسي.
كانت الكورة علقت جنب رجل الكرسي.
قربت منها.
شعرها لمس حذاء عزت.
لكنه مااتحركش.
كان سامع الباب.
وسامع خطواتها.
مريم مسكت الكورة، وقعدت على ركبتها.
وبعدين رفعت وشها.
أول مرة في حياتها تشوفه من قريب.
ماكانتش شايفاه كزعيم يخاف منه الكبار.
ولا كرجل كل البيت بيمشي على مزاجه.
كانت شايفة راجل حزين.
راجل مش قادر يشوفها.
وبس.
قامت على رجليها.
خدت تلات خطوات ناحيته.
وبعدين مالت راسها على جنب.
وبصت في عينيه من ورا النضارة السوداء.
وبصوت طفولي هادي قالت:
“عمو عزت…”
إيده شدت مرة واحدة على ذراع الكرسي.
“ليه عينيك هربت من النور؟”
اتجمد عزت مكانه.
لأول مرة من خمس سنين…
حد قال له جملة ماحدش قدر يقولها قبل كده.
إيده ارتخت ببطء.
ووجهه اتجه ناحية صوت الطفلة.
ثم قال بصوت خافت:
“إنتِ قلتي إيه؟”
مريم ابتسمت.
ورفعت الكشاف البلاستيك الصغير اللي كان في إيدها.
“عينيك بتتحرك.”
اتسعت عينا عزت خلف النضارة.
وفي اللحظة دي، حصل شيء لم يحدث منذ خمس سنين.
الرجل الذي اعتاد الجميع أن يراه عاجزًا عن رؤية العالم…
رفع يده ببطء، وخلع نظارته السوداء لأول مرة أمام شخص آخر.
وكانت مريم لسه واقفة قدامه.
بتبتسم.
لكن عزت لم يكن يبتسم.
لأن في اللحظة التي دخل فيها ضوء الشمس إلى عينيه…
رأى شيئًا.
شيئًا صغيرًا جدًا.
شيئًا لم يره أي طبيب طوال خمس سنوات.
وبصوت مرتجف همس:
“يا نهار أبيض…”
ثم صاح لأول مرة داخل القصر:
“إيلين!”



