منوعات

الخادمة حكايات شروق خالد

الكل كان فاكر إن زعيم المافيا مفيش أمل في إنقاذه… لحد ما خدامة غلبانة لاحظت حاجة الدكاترة كلهم ماخدوش بالهم منها

12 دكتور متخصص كانوا واقفين حوالين السرير الخشب الغالي، مستنيين أخطر راجل في المدينة ياخد نفسه الأخير.

عملوا كل التحاليل.

وطلبوا كل الأشعات.

وبدأوا بالفعل يفكروا بعقلية شهادة الوفاة.

كان ياسين الجبالي باين زي الشبح تحت الملايات الحرير.

لكن في الوقت اللي رجالة الطب كانوا مركزين في الشاشات والأجهزة، كانت بنت صغيرة بتنضف الأرض بتبص على الراجل نفسه.

وشافت الحاجة الصغيرة الوحيدة اللي كل الخبراء اللي في الأوضة ماخدوش بالهم منها.

قصر عيلة الجبالي كانت ريحته خليط من الكلور، والفلوس القديمة، وإحساس بالموت اللي قرب خلاص.

القصر كان عبارة عن حصن ضخم مبني على حافة صخرية في الساحل الشمالي، ومتعمل علشان يمنع أي عدو من الدخول.

لكن العدو كان دخل بالفعل.

عدّى من البوابات الحديدية.

وعدّى من الرجالة المسلحين المنتشرين في الحوش.

واستقر في أعمق مكان ممكن…

جسم ياسين الجبالي.

ياسين كان عنده 34 سنة.

ولمدة 6 سنين، كان هو المتحكم في عالم في المدينة، وبيحكمه ببرود يخوف.

ماكانش بيزعق.

وماكانش محتاج يستعرض قوته.

كان بيتكلم بس…

والرجالة كانت بتختفي.

لكن دلوقتي كان نايم في نص أوضة النوم الرئيسية الواسعة، فوق سرير طبي متحرك، وشكله بقى مجرد نسخة خاوية من الراجل اللي كان عليه زمان.

جلده بقى لونه شاحب زي الورق القديم.

ودواير غامقة شبه الكدمات كانت محاوطه عينيه المقفولة.

خراطيم بلاستيك كانت خارجة من دراعاته وصدره ومناخيره، وموصلة جسمه بمجموعة أجهزة بتطلع أصوات متقطعة وشاشات بتنور وتطفي.

12 دكتور كانوا ماليين الأوضة.

فلوس عيلة الجبالي جابت أشهر وأغلى متخصصين ممكن يتجابوا.

دكتور صدر.

وأشهر دكتور قلب في القاهرة.

ودكتور متخصص في الأمراض المعدية.

ودكتور مخ وأعصاب.

وكذا استشاري جراحة.

كانوا لابسين بدل غالية تحت ملابس العزل الطبية، وواقفين في مجموعات صغيرة، بيتكلموا بصوت واطي وهم بيراجعوا البيانات على الأجهزة.

بقالهم 8 أيام موجودين هنا.

8 أيام من وقت ما عربية ياسين الجبالي المصفحة اتفجرت.

نفسه .

التدريع استحمل بالقدر الكافي.

لكن قوة الانفجار كسرت له كذا ضلع، وخرمت رئة، وعملت له نزيف داخلي شديد.

العمليات نجحت.

النزيف وقف.

وبحسب كل المنطق الطبي الطبيعي، كان المفروض ياسين يفوق، وأول حاجة يعملها يسأل مين اللي أمر بمحاولة .

لكن بدل ما يفوق…

كان بيموت.

أعضاؤه كانت بتفشل واحدة ورا التانية.

ضغط دمه كان قرب ينهار.

وضربات قلبه كانت بتتغير بعنف، تطلع فجأة وتنزل فجأة بطريقة الدكاترة نفسهم مش قادرين يفسروها.

قال الدكتور جابر، كبير أطباء الجراحة، وهو بيفرك صدغيه:

“ده فشل عام ومتتابع في أجهزة الجسم.”

كان الدكتور جابر متعود إنه يكسب.

وخسارة المريض ده كانت عواقبها أكبر بكتير من مجرد إحراج مهني.

رجالة مسلحين كانوا واقفين بره الأوضة.

قال:

“إنزيمات الكبد عنده ضربت في السما. الكلى بدأت تفشل. الإصابة كانت عنيفة جدًا. جسمه ببساطة بدأ يستسلم.”

في الناحية التانية من الأوضة، جنب الباب الخشب التقيل، كان فارس الدمنهوري واقف من غير ما يتحرك.

فارس كان الرجل التاني لياسين.

راجل ضخم وعريض، وعينيه باردة بشكل يخلي أي حد قدامه يتوتر.

البدلة السودا اللي لابسها كانت باينة كأنه نام بيها.

قال بصوت واطي وخشن:

“أنا دفعتلكم مليوني جنيه علشان تنقذوه، مش علشان جسمه يستسلم.”

وسكت لحظة، وبص للدكتور جابر.

“صلّحه.”

الدكتور جابر بلع ريقه وقال:

“يا أستاذ فارس، مع كامل احترامي، الطب مش ميكانيكا.”

دكتور القلب الكبير، الدكتور برهان، عدّل نظارته وقال:

“إحنا مستخدمين أقوى علاج ممكن. مضادات حيوية قوية، أدوية لرفع الضغط، وأدوية لتنظيم ضربات القلب. لو كان فيه حل جراحي، كنا عملناه. لكن المشكلة دلوقتي على مستوى الخلايا. هو بيفلت من إيدينا.”

شد فارس فكه.

وبص ناحية ياسين.

من 15 سنة، كان ياسين هو اللي أنقذ فارس من الشارع.

ومن يومها وهما بينزفوا سوا.

قال فارس:

“خلوه عايش.”

وحط إيده تحت الجاكيت، قريب من المسدس اللي مخبيه.

“لو نفسه وقف، هبدأ أضرب فيكم. ونشوف ساعتها المشكلة على مستوى الخلايا ولا لأ.”

سكت الدكاترة.

ورجعوا تاني لملفاتهم، يغيروا جرعات الأدوية بنسب بسيطة، ويتكلموا عن مؤشرات الالتهاب والعدوى والضغط.

كانوا بيراقبوا الأرقام.

بيراقبوا الشاشات.

لكن جنب المدفأة الكبيرة، وتحت حافة الستارة، كانت مريم حمدي قاعدة على إيديها وركبها، وبتبص على الزبالة.

مريم كان عندها 24 سنة.

لابسة يونيفورم رمادي واسع، ولسه فيه ريحة منظف صناعي ماسكة فيه.

شعرها البني مربوط في كحكة مشدودة.

وإيديها كانت مجروحة ومحروقة من كتر الميه السخنة ومواد التنظيف.

كانت خدامة.

وفي ترتيب القوة جوه قصر الجبالي، كانت أقل من كل الناس تقريبًا.

يمكن حتى أقل من كلاب الحراسة.

لكنها كانت أعلى شوية من التراب اللي كانت بتنضفه دلوقتي.

ماكانش المفروض حد ياخد باله منها.

لكن أوض المرضى بتنتج مخلفات كتير.

أكياس نفايات طبية.

أغلفة معقمة.

زجاجات أدوية فاضية.

وكان لازم حد يشيلها.

الحرس فتشوها.

وبصوا على وشها بسرعة.

وبعدين سمحولها تدخل بجردل وكام كيس زبالة.

مريم كانت اتعلمت تتحرك من غير ما حد يحس بيها.

عينيها في الأرض.

ممنوع تبص في عين حد.

في بيت مليان رجالة خطرين، الاختفاء كان وسيلة للبقاء.

كانت مدينة لعيلة الجبالي بحوالي 40 ألف جنيه.

أبوها ساب لها الدين ده بعد ما انتحر من سنتين.

والعيلة جت تطالب بالفلوس.

مريم ماكانش معاها حاجة غير شغل إيديها.

قبل الدين، وقبل اليونيفورم الرمادي وحروق الكلور، كانت طالبة في السنة التالتة في كلية الصيدلة في جامعة حكومية.

كانت بتقضي الليالي تحفظ تركيب المواد الكيميائية، وفترات تأثير الأدوية، والتداخلات بينها.

وكان عندها ذاكرة شبه فوتوغرافية للمسارات الكيميائية.

لكن دلوقتي…

كانت بتشيل الزبالة.

قربت مريم من سلة المخلفات الطبية اللي جنب أجهزة المحاليل.

الهوا كان مليان بريحة الدم المعدنية واليود الحادة.

رفعت كيس البلاستيك.

اتحركت الزجاجات الفاضية جوه السلة وصوتها رن.

أميودارون.

موكسيفلوكساسين.

أوندانسيترون.

مريم وقفت.

نفسها اتغير.

رفعت عينيها من الزبالة.

خرطوم بلاستيك شفاف كان خارج من مضخات المحاليل وداخل مباشرة في الخط المركزي اللي داخل رقبة ياسين.

12 دكتور.

12 دكتور أذكياء.

ومتدربين.

ومتكلفين ثروة.

مريم بصت للزجاجات تاني.

وبعدين بصت لشاشة القلب.

خط أخضر كان بيرسم ضربات قلب ياسين.

الإيقاع كان بطيئًا.

لكن الأهم…

إن الفترة بين الموجات الكهربائية، أو فترة الـQT، كانت بتطول.

وبتتسع.

بلعت مريم ريقها.

هي مش دكتورة.

هي مجرد خدامة.

ولو فتحت بوقها، كان فيه احتمال كبير إن حد ياخدها ويرميها في البدروم.

لكن الخط الأخضر اتسع تاني.

وفجأة افتكرت صوت أستاذ قديم في كلية الصيدلة:

“ماتجمعيش الأدوية دي مع بعض… إلا لو عايزة توقفي قلب حد عمدًا.”

مسكت مريم طرف سلة الزبالة.

صوابعها ابيضت من شدة الضغط.

الدكاترة كانوا مركزين كل واحد في تخصصه.

قلب.

رئة.

عدوى.

جراحة.

لكن محدش كان باصص على صورة الأدوية كلها مع بعض.

محدش كان بيعمل الحساب البسيط.

هم مش بس فشلوا في إنقاذ ياسين الجبالي…

كانوا بيساعدوا على .

ربطت مريم كيس الزبالة.

إيديها كانت بتترعش لدرجة إن أول عقدة فكت منها.

عرق بارد غطى كفوفها.

راحت وقفت في ظل ستارة تقيلة.

طول السنتين اللي فاتوا، مريم كانت عايشة بقاعدة واحدة:

ما تتكلميش.

لما كان رجال العيلة قاعدين في السفرة بيتكلموا عن شحنات ومخدرات ورجالة اتكسرت رجليهم، كانت مريم تصب القهوة وتتعلم ما تسمعش.

ولما كانت بتنضف بقع بنية شبه الدم من على كراسي غرفة البلياردو، كانت بتتعلم ما تشوفش.

اشتغلي.

قللي الدين.

عيشي.

ياسين الجبالي كان مجرم.

ومريم كانت عارفة ده.

كان جزء من المنظومة اللي مسيطرة على أفقر مناطق المدينة.

ولو مات على السرير ده، يمكن العالم يبقى أهدى.

ويمكن دينها يختفي وسط الفوضى اللي هتحصل بعد موته.

لكن الجزء التحليلي في دماغها…

الجزء اللي كان بيحب المنطق الدقيق اللي مفيش فيه جدال في الكيمياء…

ماكانش قادر يسكت.

دي كانت حالة واضحة جدًا من تداخل الأدوية.

الدكتور برهان كان بيعالج اضطراب ضربات قلب ياسين بدواء الأميودارون، وهو دواء قوي لتنظيم ضربات القلب.

دكتور الأمراض المعدية شاف ارتفاع في كرات الدم البيضا، فكتب موكسيفلوكساسين، وهو مضاد حيوي علشان يعالج أو يمنع الالتهاب الرئوي.

حد تاني، غالبًا علشان يسيطر على الغثيان الناتج عن المسكنات القوية، أضاف أوندانسيترون.

كل دواء لوحده ممكن يكون طبيعي ومستخدم بشكل شائع.

لكن التلاتة مع بعض، في حالة ياسين، كانوا بيشكلوا خطر شديد.

كل واحد منهم ممكن يطول فترة الـQT.

وكلهم بيأخروا إعادة الاستقطاب الكهربائي للقلب، وبيخلوا عضلة القلب تحتاج وقت أطول علشان تستعيد حالتها الطبيعية بين كل ضربة والتانية.

مريم بصت للشاشة تاني.

الموجة ارتفعت.

نزلت.

واتأخرت بشكل واضح قبل ما ترجع.

القلب كان زي ماكينة.

وفي اللحظة دي، الماكينة دي كان مطلوب منها تستنى وقت أطول من اللازم بين كل نبضة والتانية.

لو التأخير الكهربائي زاد حتى بنسبة بسيطة، ضربات القلب ممكن تدخل في اضطراب خطير اسمه تورساد دي بوانت.

اضطراب كهربائي فوضوي في البطينين.

القلب مش هيقدر يضخ الدم بشكل طبيعي.

هيبدأ يرتعش.

وياسين هيموت.

همست مريم لنفسها:

“إزاي محدش شايف؟”

بصت حوالين الأوضة.

الدكتور جابر كان بيتخانق تاني مع الدكتور برهان.

قال جابر:

“أنا بقولك دي صدمة تسممية بسبب عدوى. لازم نزود السوائل والدعم.”

رد برهان بعصبية:

“قلبه مش مستحمل سوائل أكتر. السوائل بدأت ترجع على الرئة. الأميودارون محتاج وقت.”

كان كل واحد فيهم عايش في جزيرته.

جراح الصدمات شايف إصابة.

دكتور القلب شايف اضطراب كهربائي.

دكتور الأمراض المعدية شايف عدوى.

لكن محدش كان بيربط كل حاجة ببعض.

محدش كان بيراجع قائمة الأدوية كلها مع بعض، لأن كل متخصص كان فاكر إن حد تاني عمل ده بالفعل.

والنظام اللي قائم على التخصصات المنفصلة عمل فجوة كبيرة…

كبيرة لدرجة إنها كانت كفاية علشان تودي ياسين للقبر.

#حكايات_شروق_خالد

مسكت مريم جردلها.

مقبضه البلاستيك ضغط على كف إيدها.

واتجهت ناحية الباب.

“امشي.”

“مشكلتك إنتِ؟”

“سيبيه يموت.”

“ده مش شغلك.”

خطت خطوة تانية.

لكنها وقفت.

وبصت وراها ناحية ياسين.

كان راسه متوجهة ناحيتها شوية.

من غير البدلة.

ومن غير سمعته.

ومن غير الرجالة اللي مستنيين أوامره…

كان شكله صغير جدًا تحت الكدمات.

مجرد لحم.

وعضم.

وجسم بشري.

وفجأة افتكرت حاجة.

من سنتين، كانوا جابوها غصب عنها لمكتب ياسين وهي بتعيط لدرجة إنها كانت مش قادرة تتكلم.

أبوها مات.

والدين فضل عليها.

ماكانش معاها أي حاجة.

عرضت عليه كل اللي تقدر عليه.

ياسين مازعقش.

بصلها بعينيه السودا الباردة، وفضل يخبط بالقلم على المكتب.

وقال:

“هتشتغلي في القصر. هتاكلي وتنامي هنا. وبعد 5 سنين، نبقى خالصين.”

كان حكم بالسجن.

لكن في عالم ياسين الجبالي، كان ده كمان نوع من الرحمة.

ماكانش باعها للنوادي.

وماكانش خلاها تنقل مخدرات أو فلوس.

اداها مِقشة.

ووعدها.

وقال لها:

“محدش هيلمِسك.”

وقفت مريم.

نعل جزمتها المطاطي عمل صوت خفيف على الأرض الخشب.

لفت.

ومشت ناحية أقرب ممرضة.

الممرضة كانت مرهقة وبتسجل العلامات الحيوية على ورقة.

قالت مريم:

“لو سمحتي…”

الممرضة ما رفعتش عينيها.

وقالت بضيق:

“الزبالة مكانها في الصندوق الأحمر يا حبيبتي. كملي شغلك.”

قالت مريم بسرعة:

“لازم توقفوا الموكـسيفلوكساسين.”

الممرضة وقفت عن الكتابة.

وبصت لمريم.

يونيفورم رمادي.

إيدين مجروحين.

وجردل في إيدها.

ظهرت علامات الاستهزاء على وشها.

“إنتِ قولتي إيه؟”

قالت مريم:

“والأميودارون كمان. الاتنين بيتفاعلوا بشكل خطر.”

الممرضة بصت لها بعدم تصديق.

قالت مريم:

“فترة الـQT بتطول.”

وأشارت للشاشة.

“بصي على الرسم. التلات أدوية اللي في المحلول كلهم ممكن يطولوا فترة الـQT. لو ماوقفتوش المحاليل دي، قلبه ممكن يدخل في تورساد.”

ضحكت الممرضة بسخرية.

“إنتِ مين أصلًا؟”

ردت مريم:

“لو سمحتي… بس راجعي قائمة الأدوية كلها. شوفي التداخلات بنفسك.”

الممرضة قالت:

“اطلعي بره قبل ما أطلب الأمن يرمواكي.”

لكن صوت مريم ارتفع شوية:

“بصي بس.”

الدكتور جابر لف ناحيتهم.

“إيه اللي بيحصل هنا؟”

نبرة صوته اتغيرت أول ما شاف مريم.

وقال بضيق:

“ليه حد من الخدم بيتكلم؟ طلّعوها بره.”

فارس تقدم ناحيتهم.

صوت جزمته ضرب الأرض بقوة.

الأوضة كلها كأنها بردت فجأة.

قال:

“فيه مشكلة؟”

رد الدكتور جابر وهو بيعدل أساور قميصه:

“المشكلة يا أستاذ فارس إننا بنحاول ننقذ حياة راجل، والخدامة بتاعتكم بتتدخل في الرعاية الطبية.”

فارس بص لمريم.

عينيه كانت مرهقة وباردة.

وقال:

“اخرجي يا مريم.”

رجعت مريم خطوة.

قلبها كان بيخبط بعنف.

هي حاولت.

عملت اللي تقدر عليه.

مسكت الجردل ولفت علشان تخرج.مريم لفت علشان تخرج، لكن قبل ما توصل للباب، سمعوا صوت الجهاز.

بيب… بيب… بيب…

الصوت اتغير.

الخط الأخضر على الشاشة بدأ يتلخبط.

الدكتور برهان قرب بسرعة.

“استنى!”

مريم وقفت مكانها.

الدكتور بص للشاشة، وبعدين بص لياسين.

النبض كان بيطلع وينزل بطريقة مرعبة.

قالت الممرضة:

“دكتور… الـQT زاد أكتر.”

الدكتور برهان قرب من الشاشة، ووشه اتغير.

“مستحيل…”

جابر قال:

“إيه؟”

برهان ما ردش.

فضل مركز في التخطيط.

مريم بصت له من بعيد وقالت بصوت واطي:

“قلتلكم.”

فارس لف ناحيتها.

“إنتِ عارفة إيه؟”

مريم اترددت.

قالت:

“أنا درست صيدلة.”

جابر ضحك باستهانة.

“ودرستي كام سنة؟”

“تلاتة.”

“يعني مش دكتورة.”

مريم هزت راسها.

#حكايات_شروق_خالد

“عارفة.”

“ومش من حقك تشخصي مريض.”

“أنا ما شخّصتش.”

بصت للشاشة.

“أنا بس لاحظت تداخل الأدوية.”

الدكتور برهان مد إيده.

“هاتولي قائمة الأدوية كاملة.”

الممرضة جريت على الترابيزة.

بدأت تقلب في الملف.

وبعد ثواني، قالت:

“أميودارون… موكسيفلوكساسين… أوندانسيترون.”

برهان رفع عينه.

“مين كتب التلاتة؟”

سكتت الممرضة.

كل دكتور بص للتاني.

مريم قالت:

“كل واحد فيهم اتكتب من قسم مختلف.”

برهان أخد الملف.

وبدأ يقرأ بسرعة.

وفجأة وشه اتجمد.

“يا نهار أسود…”

جابر قال:

“فيه إيه؟”

برهان رفع الملف.

“هي صح.”

الأوضة كلها سكتت.

“الـQT عنده زاد بشكل خطير.”

جابر قرب.

“بس ده ممكن يحصل بسبب حالته.”

برهان هز راسه.

“ممكن. لكن التلات أدوية دول مع بعض زودوا الخطر بشكل كبير.”

وبص ناحية مريم.

لأول مرة، ماكانش بيبصلها كخدامة.

كان بيبصلها كحد لفت نظره لحاجة خطيرة.

قال:

“وقفي الأدوية دي فورًا.”

الممرضة اتحركت بسرعة.

لكن قبل ما تفصل المحاليل، شاشة القلب طلعت صوت إنذار عالي.

بيب بيب بيب بيب!

جسم ياسين اتشنج فجأة.

الخط الأخضر اتقلب لفوضى.

قال برهان:

“اضطراب بطيني!”

جابر صرخ:

“العربية الطوارئ!”

كل حاجة حصلت في ثواني.

الممرضة جريت.

دكتور جهز جهاز الصدمات.

وفارس وقف مكانه مش قادر يتحرك.

لأول مرة من سنين، الراجل اللي ماكانش بيخاف من حد، ظهر على وشه الخوف.

“ياسين!”

#حكايات_شروق_خالد

مريم كانت واقفة عند الباب.

إيديها بتترعش.

الدكتور برهان صرخ:

“ابعدوا!”

حط الجهاز على صدر ياسين.

“كل الناس بعيد!”

صوت الصدمة ضرب الأوضة.

جسم ياسين ارتفع عن السرير ورجع مكانه.

الشاشة فضلت بتدي إنذار.

“تاني!”

صدمة تانية.

ثواني.

ثم…

بيب…

خط واحد.

مستقيم.

الممرضة شهقت.

فارس قال بصوت مكسور:

“لا…”

الدكتور برهان بدأ ضغطات على صدر ياسين.

“أدرينالين!”

الممرضة حقنته.

مريم كانت بتبص للشاشة.

ثانية.

اتنين.

تلاتة.

وفجأة ظهر نبض.

بيب… بيب… بيب…

الدكتور برهان وقف لحظة.

وبعدين قال:

“رجع.”

الأوضة كلها كأنها أخدت نفس واحد.

فارس مسح وشه بإيده.

أما الدكتور جابر فكان واقف مصدوم.

بص لمريم.

وبعدين بص لقائمة الأدوية.

وقال:

“لو كانت خرجت من هنا…”

سكت.

ماحدش كمل الجملة.

مريم نزلت عينيها.

قال فارس:

“مريم.”

رفعت عينيها.

“أيوه.”

“تعالي هنا.”

مريم قربت بحذر.

فارس وقف قدامها.

كان أطول منها بكتير.

وأضخم.

وقالت لنفسها إن حياتها انتهت.

يمكن علشان اتدخلت.

لكن فارس قال:

“إنتِ أنقذتيه.”

مريم ما ردتش.

قالت:

“أنا بس لاحظت حاجة.”

“حاجة الدكاترة الـ12 ما لاحظوهاش.”

بص للدكاترة.

وبعدين رجع بص لها.

“من النهارده، محدش يطردك من الأوضة دي.”

الدكتور جابر اتوتر.

“يا أستاذ فارس…”

فارس رفع إيده.

فسكت فورًا.

“ومحدش يتعامل معاها كخدامة وهي جوه الأوضة دي.”

مريم حسّت إن كل العيون اتجمعت عليها.

#حكايات_شروق_خالد

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.

لأن بعد حوالي عشر دقايق، بدأت علامات ياسين الحيوية تتحسن.

ضغطه ارتفع.

الأكسجين اتحسن.

والكلى بدأت تستجيب.

الدكتور برهان كان بيقارن النتائج القديمة بالجديدة.

قال مذهول:

“هو مش كان بيموت بسبب إصاباته بس.”

مريم بصت له.

“لأ.”

“كان فيه حاجة تانية.”

هزت راسها.

“الأدوية كانت بتضغط على قلبه وهو أصلًا ضعيف.”

برهان سكت لحظة.

وبعدين قال:

“لو ماكنتيش خدتي بالك…”

مريم كملت عنه:

“كان هيموت.”

في نفس اللحظة، أصابع ياسين اتحركت.

الممرضة شهقت.

“استنوا…”

جابر قرب من السرير.

جفون ياسين ارتعشت.

مرة.

مرتين.

وببطء شديد…

فتح عينيه.

كل الموجودين اتجمدوا.

فارس قرب منه.

“ياسين؟”

عينين ياسين اتحركوا بصعوبة.

كان لسه مش واعي بالكامل.

لكن أول حاجة شافها…

كانت مريم.

البنت اللي واقفة في آخر الأوضة بزيها الرمادي.

ياسين فضل باصص لها ثواني.

وبعدين حاول يتكلم.

صوته خرج ضعيف جدًا:

“هي…”

فارس قرب أكتر.

“مين؟”

ياسين حاول يحرك إيده.

وبص لمريم مرة تانية.

“البنت…”

مريم اتوترت.

الدكتور برهان قال:

“ماتتكلمش دلوقتي.”

لكن ياسين أصر.

وشه اتشد من الألم.

وقال بصوت متقطع:

“هي… أنقذتني؟”

مريم ماعرفتش ترد.

فارس بص لها.

وبعدين قال:

“أيوه.”

ياسين فضل ساكت.

وبعد ثواني، عينيه قفلت تاني.

الممرضة قالت:

“نام.”

لكن قبل ما ينام تمامًا، سمعوا صوته الضعيف:

“خلوها… هنا.”

مريم رفعت عينيها.

وفارس بص لها.

أما الدكتور جابر، فبدأ لأول مرة يسأل نفسه سؤال مرعب:

إزاي خدامة عندها 24 سنة شافت اللي 12 دكتور ماشفوهوش؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى