
مريم بصت له باستغراب وذهول، وما عرفتش هي ليه حست بأول لمحة أمان غريبة في حياتها بعد الكلمة دي، بس صوابعها بترتعش رفعت إيدها بالراحة ونزلت الزعبوط عن راسها.
شعرها البني الناعم ينزل على كتافها من جديد، ودمعة تانية خانتها ونزلت على خدها المحمر. حمزة عينيه ما نزلتش من عليها، كان بيبص لها بنظرة فيها تركيز وغموض يربك أي حد.
— «هتوديني فين؟».. سألته مريم بصوت واطي ومكسور وهي ضامة إيدها جوة جيب الهودي الكبير.
— «على القصر بتاعي في التجمع،» رد حمزة ببرود وهو بيعدل أكمام بدليته: «مكان محدش يقدر يوصل لك فيه، ولا حتى البوليس لو مديرك حاول يرمي بلا بلاكي عليكي.»
— «أنا مش هعيش معاك في مكان واحد يا أستاذ حمزة! أنت فاهم أنت بتعمل إيه؟ أنا بنت ناس ومتربية وعمري ما عملت حاجة غلط!».. صوتها علي من الخوف والحرقة.
حمزة حط رجل على رجل وبص لها بنظرة حادة خلتها تسكت في ثانية: «القصر كبير وفيه جناح كامل ليكي لوحدك بمفتاحك، ومفيش مخلوق يدخله غير بإذنك. أنا مش جايبك هنا عشان أضايقك، أنا جايبك عشان إنتي السلاح اللي ههد بيه اللي حاولوا يلعبوا معايا.. وعشان الديون اللي على أبوكي تتسدد قرش قرش.»
العربية وقفت قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت إلكترونياً، ودخلت في جنينة واسعة جداً لحد ما وقفت قدام قصر فخم زي القلاع. الحراس فتحوا الأبواب، وحمزة نزل ونزلها وراه بمسكة إيد قوية بس مش موجعة.
أول ما دخلوا البهو الرئيسي، كان فيه ست كبيرة في السن لابسّة زي رسمي وأنيق، استقبلتهم بهدوء.
— «دي “دادة فاطمة”،» قال حمزة وهو بيبص للست: «دادة.. مريم هتفضل معانا هنا. هتاخديها الجناح الشرقي، وتشوفيها محتاجة إيه.. وأهم حاجة، الهدوم دي تتغير.»
مريم انكمشت في نفسها ومسكت في الهودي أكتر: «مالها هدومي؟»
حمزة قرب منها خطوة واحدة، وطى مستواه لحد ما بقى قصاد عينها العسلي مباشرة، وقال بصوت هادي وبطيء: «هدومك واسعة عشان كنتي فاكرة إنك بتستخبي من الدنيا.. بس معايا إنتي مش محتاجة تستخبي من حد. الحماية اللي كنتي بتدوري عليها في القماش التقيل ده.. أنا هكون هي يا مريم.»
الكلمات نزلت على قلبها عملت دربكة مش فاهمة سببها. دادة فاطمة قربت منها بإبتسامة دافية وطبطبت على كتفها: «تعالي معايا يا بنتي ترتاحي، باين عليكي التعب.»
مريم مشيت مع الدادة طلعت السلم الفخم وراها وهي حاسة إنها في حلم غريب. دخلت جناح واسع وجميل جداً، فيه كل وسائل الراحة. أول ما الدادة سابتها وقفلت الباب، مريم جرت قفلت الباب بالمفتاح وقعدت على طرف السرير الضخم، وحطت وشها بين إيديها وبكت بكل قوتها.
بعد نص ساعة، خبط خفيف على الباب. مريم قامت بالراحة وسألت: «مين؟»
— «أنا حمزة.. افتحي.»
مريم فتحت الباب سنة صغيرة، ووقفت وراه: «نعم؟»
حمزة كان شال الجاكيت بتاع البدلة ورافع أكمام قميصه الأبيض، وفي إيده ملف أسود تقيل. إدادهولها من الفتحة الصغار.
— «إيه ده؟»
— «دي الحسابات الحقيقية لشركة النقل البحري.. والورق اللي أبوكي مضى عليه زمان.».. قالها حمزة وعينيه متثبتة على وشها: «اقتحي الملف وشوفيه.. عشان تعرفي إن كلامي مكنش كدب، وعشان تبدأي شغل من بكرة الصبح.»
مريم أخدت الملف بإيدين بترتعش، وقبل ما تقفل الباب، حمزة مسك طرف الباب بيده وقال نبرة مختلفة تماماً، نبرة دافية ومفههاش أي قسوة:
— «تصبحي على خير يا مريم.. ومتقفليش المفتاح جامد، مفيش حد هنا هيأذيكي.»
سابها ومشي في الممر، ومريم فضلت واقفة مكانها ماسكة الملف، قلبها بيدق بسرعة ومش عارفة هي خايفة منه.. ولا خايفة من المشاعر الغريبة اللي بدأت تتولد جواها ناحية غول المافيا اللي طلع عارف كل حاجة عنها من أول ثانية.
#حكايات_شروق_خالددخلت مريم الأوضة وقغلت الباب بالراحة، مسكت الملف الأسود بـ إيدين بترعش وقعدت على الكنبة اللي جنب الشباك. فتحت أول صفحة، وعينيها بدأت تتحرك على الأرقام والخطوط بسرعة المحاسبة المحترفة.
وفجأة.. صوابعها اتجمدت مكانها.
في آخر الورقة، كان فيه إمضاء أبوها «طاهر» بخطه الشهير اللي تحفظه أكتر من أي حد في الدنيا، وتحتيه بند مكتوب بخط إيد تاني: «في حالة وفاة الطرف الثاني، تُستحق كافة الديون والتعهدات على ابنة الطرف الثاني والمفوضة بالحسابات: مريم طاهر.»
الدموع اتجمعت في عين مريم وحست بغصة في حلقها. أبوها فعلاً اتدبس، بس الإمضاء حقيقي، والراجل ده مكنش بيكدب في كلمة واحدة.
تاني يوم الصبح..
الشمس كانت طالعة مغرقة الجناح بالنور. مريم قامت أخدت دش دافي يفك التوتر اللي في جسمها، ولقيت دادة فاطمة حاطة لها على السرير فستان أسود بسيط وواسع جداً ومحتشم، ناعم وأنيق ومغطي جسمها كله بالكامل من غير ما يضايقها.
لبست الفستان، وعملت شعرها بني الغامق ديل حصان بسيط، ونزلت السلم بالراحة وهي حاسة بفرقعة في معدتها من التوتر.
كان حمزة قاعد على ترابيزة السفيرة الضخمة، لابس قميص أسود كاجوال ورافع أكمامه، قدامه اللاب توب وكوباية قهوة سادة، وبيقرأ أوراق. أول ما سمع صوت خطواتها، رفع عينه.
نظرة حمزة تثبتت عليها لثواني.. عينيه الثلجية امتلأت بإعجاب صريح ومكتوم وهو شايفها بالفستان اللي مبيّن جمالها الهادي ومن غير ما تستخبى جوة الهودي الرجالي.
— «صباح الخير يا مريم،» قالها بصوته الرخيم وهو بيشاور لها تقعد: «اقعدي افطري الأول.»
— «أنا مش جيعانة،» ردت بصوت ثبّتته بالعافية وهي واقفة بعيد سنة: «أنا قريت الملف إمبارح.. وعايزة أعرف الشغل هيتم إزاي.»
حمزة قفل اللاب توب بالراحة، وقام وقف بطوله الفارع، وقرب منها لحد ما بقى قصادها: «الشغل بيبدأ من المكتب بتاعي جوة والقصر.. كل الشركات الوهمية اللي باسم “جمال” هتقفلي حساباتها، وهتجمعي الدلائل اللي تثبت تورطه هو والأشخاص اللي وراه.. عشان لما أرميهم للنيابة، تبقي إنتي براءتك بتمشي على الأرض قدام الدنيا كلها.»
مريم بصت له بذهول: «أنت.. أنت بتعمل كل ده عشان تبرأني؟ أنت مش قلت إني مسؤولة منك عشان الدين؟»
ابتسامة غامضة ظهرت على وش حمزة، وقرب منها خطوة كمان، وإيده اتمدت بالراحة ومسكت إيدها الناعمة جوة كف أيده القوي:
— «الدين ده كان الحجة الوحيدة اللي أقدر أجيبك بيها هنا وأحميكي يا مريم.. من أول ليلة شفتك فيها وأنا عارف إنك مالكيش ذنب في أي حاجة، وعارف إن حتة الهودي الواسع دي كانت درعك ضد الدنيا.. بس من النهاردة، أنا درعك.»
مريم حسّت بضربات قلبها بتعلى جداً، وبصت لإيده اللي ماسكة إيدها بدفء وهدوء، وحست ولأول مرة إن الخوف اللي كان جواه طول عمرها بدأ يتدوب ويختفي.. قدام الغول اللي الكل بيخاف منه، بس هي الوحيدة اللي شافت حقيقته.
#حكايات_شروق_خالد



