زعيم المافيا عصب عينيها وقال: «غلطة واحدة في النوتة… وهتدفعي التمن!» ج1 حكايات شروق خالد

زعيم المافيا عصب عيني عازفة البيانو وحذرها: «غلطة واحدة في النوتة… وليها تمن!»
قبل ما توصل الخطوات دي بعشرين دقيقة، أخدت مريم نفس عميق وهي بتنزل على السلم الرخامي، وفستانها الأحمر لازق على جسمها مع كل خطوة حذرة، وكعبها العالي بيعمل صدى خافت فوق الحجر.
خمسمية دولار في ليلة واحدة كان أكتر من اللي بتكسبه في أسبوع كامل في الكافيه.
ماكانش ينفع ترفض.
خصوصًا إن والدتها كانت مستنية منها الفلوس علشان تدفع مصاريف العلاج.
رفعت مريم عينيها وبصت حوالين القصر.
قصر ضخم في قلب التجمع الخامس بالقاهرة، محاط بسور عالي وبوابات حديد ضخمة، والهدوء اللي حواليه كان أغرب من أي مكان دخلته قبل كده.
بصّت في الممر.
مفيش حد.
وبعدين شافته…
في نص القاعة، تحت النجفة الكريستال مباشرة، واقف زي قطعة أثرية من عالم تاني…
بيانو أسود ضخم.
صوت كعبها سرّع وهي بتقرب منه، وكأن في حاجة جواها بتشدها ناحيته من غير ما تفهم السبب.
مفيش خطوات.
مفيش أصوات.
بس صمت تقيل وثابت، زي الضباب اللي معلق في الهوا.
سحبت كرسي البيانو بالراحة وقعدت عليه.
قدامها مباشرة كانت ساعة حائط ضخمة بإطار دهبي، وعقاربها بتتحرك بإيقاع منتظم.
٨:٥٨ مساءً.
حطت صوابعها برفق فوق المفاتيح.
العاج البارد خلّا جسمها يقشعر.
فاضل دقيقتين بس.
الساعة تسعة، وكان المفروض تبدأ تعزف.
استنت.
وفي وسط الصمت ده، ماكانتش سامعة غير نفسها وهي بتتنفس.
وفجأة…
قشعريرة باردة مشت في ضهرها.
إحساس واضح.
مؤكد.
في حد تاني موجود في الأوضة.
هي ما سمعتش أي صوت، لكن كل أعصاب جسمها كانت بتصرخ بالحقيقة.
ولما بدأت تلف راسها ببطء…
صوت وقفها في نص الحركة.
صوت واطي، ثابت، حازم.
صوت فيه هدوء غريب، لكن وراه قوة تخلي أي حد يطيع من غير نقاش.
— ما تلفيش.
تجمدت.
— خلي عينيكي على البيانو.
مريم رجعت تبص قدامها بسرعة.
هو استنى لحد ما اتأكد إنها أطاعت.
وكأن الطاعة بالنسبة له مش طلب…
دي حاجة متوقعة.
— أنا هقرب منك.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— مفيش سبب يخليكي تخافي.
جسمها اتشد كله.
نفسها بقى قصير ومتقطع، ومابقتش قادرة تتحرك حتى سنتيمتر.
وبدأت تسمع خطواته البطيئة وهي بتقطع أرضية القاعة من وراها.
خطوة…
وراها خطوة…
كل خطوة كانت بتشد العقدة اللي اتكونت في معدتها أكتر.
وبعدين…
وصل.
كان واقف وراها مباشرة.
ماكنتش محتاجة تشوفه علشان تعرف.
حضوره كان زي حرارة قريبة جدًا منها.
ولما نفسها لمست رقبتها وضهرها، جسمها تحرك قبل عقلها.
قال بصوت منخفض:
— مش مسموح لكِ تشوفيني.
سكت لحظة.
وبعدين قال بهدوء أكتر:
— أنا هغطي عينيكي.
صوتها خرج مكسور:
— هو… هو ده كل اللي حضرتك عايزه مني؟
رد فورًا:
— أيوه.
وبنبرة حاسمة تابع:
— هعصب عينيكي، وهتعزفي كده. مفيش أخطاء. فاهمة؟
بلعت ريقها بصعوبة.
— ولو غلطت؟
ما اترددش.
— يبقى فيه تمن.
إيديه اتحركت بعدها بهدوء ودقة.
حست بتغير بسيط في الهوا، وبريحة عطر قوية وعميقة قبل ما صوابعه توصل لها.
ريحة عنبر وخشب.
ريحة غامقة ومميزة.
ريحة راجل وجوده لوحده كان كفاية يخلي المكان كله يتغير.
كان سيف الجارحي.
الاسم اللي سمعته قبل كده بالصدفة، واللي كل الناس في القاهرة بتتجنب حتى إنها تنطقه بصوت عالي.
رجل أعمال ضخم.
لكن مريم كانت عارفة إن ده مش كل شيء.
كان فيه كلام بيتقال عنه في الخفاء…
عن نفوذه.
عن رجاله.
وعن الناس اللي اختفت من طريقه ومحدش عرف راحوا فين.
ولما الحرير لمس جلد عينيها، بارد وناعم، كل حاجة اختفت.
النور.
المكان.
الوقت.
ما بقاش موجود غير نفسها…
وريحة عطره الثقيلة اللي فضلت مالية صدرها.
خطواته بدأت تبعد.
خطوة ورا خطوة.
لحد ما اختفت تمامًا في الصمت.
بقت لوحدها.
معصوبة العينين.
ساكتة.
محاطة بسكون كامل لدرجة إن صوت نفسها بقى عالي بشكل مخيف.
وفجأة…
الساعة دقت تسعة.
دونغ…
أول دقة.
دونغ…
التانية.
كل دقة اترددت في القاعة الفاضية.
اتخضت.
لكن صوابعها، اللي كانت بالفعل فوق المفاتيح، ما اترددتش.
ضغطت أول مفتاح.
وبدأت مريم تعزف.
صوابعها الرفيعة اتحركت فوق المفاتيح برعشة خفيفة، لكن بعذوبة غريبة.
نغمات مقطوعة شوبان انتشرت في المكان…
ناعمة.
حزينة.
بطيئة.
زي نور شمعة بيرتعش فوق ستاير مخملية غارقة في الظلال.
كل ضغطة على المفتاح كانت بتحسها بعيدة عنها، كأن إيديها مش بتوعها.
كأنها إيدين واحدة أشجع منها.
واحدة مش بتتفكك من جواها.
لكنها كانت حاسة بيه.
سيف.
الراجل اللي ما تعرفش حتى شكله.
وجوده كان محاوط جلدها زي الكهرباء اللي بتسبق العاصفة.
وجود خفي…
قريب…
ومربك.
كأن في أي لحظة ممكن صوته يخرج من الظلام ويطلب منها تتوقف.
لكنها كملت.
نغمة ورا نغمة.
لحد ما حصلت الكارثة.
ضغطت على النوتة الغلط.
كل حاجة وقفت.
نفسها اتقطع.
الصمت نزل على القاعة فجأة وبقسوة.
ما بقاش مسموع غير أنفاسها المضطربة.
وبعدين…
خطوات.
بطيئة.
ثابتة.
واثقة.
بتقرب منها.
همست:
— أنا آسفة…
الخطوات ما وقفتش.
قربت أكتر.


