
في عشا عيد الميلاد، أختي رفعت كوبايتها وهي بتضحك وقالت:
— يلا يا جماعة نعمل نخب لأخويا… لسه أكبر خيبة أمل في العيلة!
كل اللي قاعدين ضحكوا.
حتى أمي وأبويا.
أنا بس ابتسمت، وصبيت لنفسي المشروب، وقلت بهدوء:
— اتبسطوا… دي آخر مناسبة هقضيها معاكم في حياتي.
قمت ومشيت من غير ما أقول كلمة زيادة.
بعد يومين، أختي اتصلت بيا وهي بتعيط:
— إنت ما سحبتش فلوسك من صندوق استثمار بابا، صح؟
بصيت للعقد المفتوح قدامي على المكتب…
وافتكرت كل حاجة.
أختي، نادين، رفعت كوبايتها قبل حتى ما ألمس الكوباية اللي قدامي.
كانت قاعدة على الناحية التانية من السفرة، لابسة فستان أحمر، وشها مليان ثقة، وعينيها بتلمع وهي مستمتعة إنها دايمًا تبقى محور الكلام.
قالت بصوت عالي:
— يلا يا جماعة… نخب لأخويا الكبير عمر!
الكل بص ناحيتي.
ابتسمت نادين أكتر.
— أكبر خيبة أمل في العيلة… ولسه محافظ على اللقب للسنة التانية على التوالي!
السفرة كلها انفجرت ضحك.
خالتي ضحكت.
جوز أختي ضحك.
ولاد عمي ضحكوا.
حتى أمي رفعت إيدها على بقها كأنها بتحاول تخبي ضحكتها.
لكنها ماخبتهاش.
أما أبويا…
فرفع كوباية العصير وقال:
— للتقاليد يا جماعة!
ضحكوا تاني.
وفي اللحظة دي…
حاجة جوايا سكتت.
مش اتكسرت.
لأ.
يمكن لأنها كانت مكسورة من زمان.
لكن حاجة جوايا أخيرًا بطلت تحاول.
أنا اسمي عمر الشناوي.
عندي اتنين وتلاتين سنة.
وكنت قاعد وقتها في بيت أهلي في التجمع، وسط الزينة والأنوار والريحة الحلوة اللي مالية المكان.
الديك الرومي فوق السفرة.
ريحة القرفة طالعة من المطبخ.
والدفا مالي البيت.
لكن أنا…
كنت حاسس ببرد غريب جوايا.
عيلتي كلها كانت بتضحك عليا.
كأني فقرة كوميدية مستنيينها كل سنة.
والأصعب؟
إني قضيت سنين أقنع نفسي إن ده هزار.
كل مرة كنت أزعل، يقولولي:
— يا عمر، إنت حساس أوي.
كل مرة نادين تتجاوز حدودها، أمي تقول:
— دي أختك يا ابني، بتهزر معاك.
كل مرة أبويا يقلل مني قدام الناس، أقول لنفسي:
“أصل ده طبعه.”
لكن المرة دي…
ماقولتش حاجة.
رفعت الكوباية.
وصبيت لنفسي شوية عصير.
وبصيت لكل واحد قاعد حوالين السفرة.
أبويا.
أمي.
أختي.
قرايبي.
الناس اللي قضيت عمري كله بحاول أكسب رضاهم.
وابتسمت.
ابتسامة هادية جدًا.
وقلت:
— اتبسطوا.
الضحك بدأ يقل.
كملت:
— علشان دي آخر مناسبة هقضيها معاكم.
السفرة سكتت.
مش لأنهم حسوا بيا.
لأ.
علشان افتكروني بعمل مشهد.
أمي قالت بضيق:
— عمر، بلاش الكلام ده. النهارده عيد.
بصيتلها.
وما رديتش.
زقيت الكرسي.
قمت.
خدت مفاتيحي.
ومشيت.
من غير ما أقول كلمة زيادة.
ولا حد جه ورايا.
ولا حد حاول يوقفني.
وده…
ماكانش مفروض يفاجئني.
لأن طول عمري وأنا عايش في مقارنة مستمرة مع نادين.
نادين كانت أصغر مني بتلات سنين.
لكن في نظر أهلي…
كانت دايمًا أحسن.
أشطر.
أذكى.
أنجح.
جابت مجموع عالي.
دخلت كلية كبيرة.
اشتغلت في بنك مشهور.
ظهرت في برامج اقتصادية.
وبقت بتحضر مؤتمرات وندوات.
أما أنا؟
كنت دايمًا:
“عمر اللي لسه ماحققش حاجة.”
“عمر اللي محتاج يثبت نفسه.”
“عمر اللي مش عارف هو عايز إيه.”
والمضحك…
إن محدش كان بيحب يفتكر إني من سنين وأنا اللي شايل جزء كبير من شركة المقاولات بتاعت أبويا.
وأنا عندي سبعتاشر سنة، كنت عايز أدخل هندسة وأدرس عمارة.
كنت بحب الرسم والتصميم.
لكن أبويا رفض.
قاللي وقتها:
— هندسة عمارة إيه يا ابني؟ دي شغلانة مافيهاش فلوس إلا لو بقيت مشهور. تعالى اتعلم المقاولات، دي شغلانة الرجالة.
بلعت حلمي.
ودخلت تجارة.
درست إدارة أعمال.
وأول ما اتخرجت، دخلت شركة أبويا.
وما دخلتش كمدير.
ولا حتى مساعد مدير.
بدأت من المخزن.
كنت بنزل الصبح بدري.
أراجع الشحنات.
أتابع العمال.
وأحيانًا أنضف المكان بنفسي.
وبعدها واحدة واحدة بقيت مسؤول عن تنسيق المشاريع.




