
«ولو آسر وصل للتسجيل ده… قوله إن أمه لسه عايشة.»
الصمت وقع على المكتب.
بصيت لمريم.
بصيت لسميحة.
وبعدين رجعت بصيت للشاشة.
«أمي… عايشة؟»
سميحة بدأت تبكي.
ولأول مرة في حياتي…
شفت عمتي سميحة منهارة.
قالت:
«أمك ما ماتتش يا آسر.»
اقتربت منها.
«فينها؟»
سميحة رفعت عينيها ليا.
«هي اللي كانت بتحرك كل حاجة من البداية.»
وفي اللحظة دي…
انطفأت أنوار القصر كلها.
وسمعنا صوت طلقة واحدة من الدور العلوي.
ثم صرخة مريم:
«الفلاشة!»
بصيت على المكتب.
الفلاشة اختفت.
وفوقها، بدل الفلاشة، كانت فيه ورقة صغيرة.
رفعتها.
كان مكتوب عليها:
«وصلت متأخر يا آسر.»
وتحت الجملة…
اسم واحد.
«نور.»
حكايات شروق خالد
فضلت ماسك الصورة بين صوابعي وأنا مش قادر أرمش.
الرجل اللي واقف ورايا ورا نور…
كان «حمدي الشناوي».
الرجل اللي مات في نفس الليلة.
الرجل اللي الشرطة قالت إنه اتقتل قبل الرصاصة اللي أصابت نور بدقايق.
الرجل اللي أنا شخصيًا شفت جثته.
والأغرب…
إنه كان بيبص للكاميرا.
مش ليا.
ولا لنور.
كأنه كان عارف إن الصورة دي هتفضل موجودة بعد موته بست سنين.
مريم قربت مني.
أول ما شافت الصورة، شهقت.
وقالت:
«يا نهار أبيض…»
بصيتلها.
«إنتِ تعرفيه.»
مريم ما ردتش.
رفعت الصورة قدام وشها.
«ده حمدي الشناوي.»
قلت بعصبية:
«أنا سألتك تعرفيه ولا لأ؟»
سكتت.
وبعدين قالت:
«أيوه.»
«إزاي؟»
«عشان كان السبب في موت أختي.»
حسيت إن الدنيا سكتت حوالينا.
بصيت للصورة مرة تانية.
«أختك؟»
هزت راسها.
«أختي كانت ممرضة في نفس المستشفى اللي كانت نور بتشتغل فيه.»
قلبي بدأ يدق أسرع.
«اسمها إيه؟»
مريم بصتلي.
«سلمى.»
الاسم ضربني في دماغي.
سلمى.
ممرضة كانت موجودة في المستشفى ليلة الحادث.
أنا فاكرها.
كانت واحدة من الناس اللي استقبلوا نور بعد ما نقلناها.
لكن…
في حاجة مكنتش منطقية.
«سلمى ماتت.»
مريم قالت بهدوء:
«أيوه.»
«من إمتى؟»
«بعد نور بشهر.»
فضلت باصصلها.
«إنتِ بتلعبي معايا؟»
«لأ.»
«إنتِ بتقولي إن أختك ماتت بعد نور بشهر… وإن حمدي الشناوي قتلها؟»
«أنا بقول إن حمدي كان جزء من حاجة أكبر.»
شدّيت الصورة من إيدها.
«إيه الحاجة دي؟»
مريم بصت ناحية المكتب.
«الحقيقة اللي إنت دفنتها من ست سنين.»
ضحكت بسخرية.
«أنا دفنت إيه؟»
«إن نور ما كانتش مجرد ضحية.»
تجمدت.
«يعني إيه؟»
مريم قالت:
«نور كانت عارفة.»
«عارفة إيه؟»
«كل حاجة.»
في اللحظة دي، اتسمع صوت خبطة من جوه المكتب.
دُم.
أنا ومريم بصينا للباب.
وبعدين صوت نور رجع.
«آسر… متصدقهاش.»
مريم قربت مني بسرعة.
«ماتسمعش الصوت.»
«ده صوت نور!»
«لأ.»
«إنتِ متأكدة؟»
قالت:
«أنا متأكدة إن نور ماتت.»
بصيت للباب.
«يبقى مين اللي بيتكلم؟»
مريم همست:
«الشخص اللي قتلها.»
اتجمدت.
مسكت مقبض الباب.
المرة دي مريم ما حاولتش تمنعني.
قالت:
«لو فتحته، مفيش رجوع.»
رديت:
«أنا من ست سنين مش راجع أصلًا.»
وفتحت الباب.
صرير طويل قطع سكون القصر.
المكتب كان مظلم.
دخلت.
ريحة الورق القديم والخشب ظهرت في الجو.
شغلت النور.
ولا حاجة.
كل حاجة زي ما هي.
المكتب اللي قفلته من ست سنين.
المكتبة.
المكتب الكبير.
صورة نور.
والخزنة.
لكن الخزنة كانت مفتوحة.
قربت منها.
«أنا كنت قافلها.»
مريم وقفت ورايا.
«إيه اللي جواها؟»
«حاجات خاصة.»
«زي إيه؟»
بصيت جواها.
كل الأوراق موجودة.
لكن فيه ظرف أبيض في المنتصف.
مكتوب عليه اسمي.
بخط أعرفه كويس.
خط نور.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
وكان مكتوب:
«آسر…
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مت.
ومتصدقش أي حد يقولك إن موتي كان حادث.
أنا كنت عارفة إنهم هيقتلوني.
وكنت عارفة إنهم هيحاولوا يخلّوك تصدق إنك السبب.
بس أهم حاجة…
ما تثقش في حمدي.»
رفعت عيني لمريم.
«دي رسالة نور.»
قالت:
«كمل.»
قريت باقي الرسالة.
«حمدي مش هو الرأس.
هو مجرد واحد من رجاله.
والرأس قريب منك أكتر مما تتخيل.
لو حصل لي حاجة، دور على التسجيل اللي خبأته في المكان الوحيد اللي كنت بتروح له لما تكون عايز تختفي من العالم.
نور.»
سكت.
المكان الوحيد…
كنت بروحه لما أهرب من الناس.
مكان نور نفسها.
الشقة القديمة اللي كانت بتعيش فيها قبل ما تموت.
بصيت لمريم.
«إنتِ كنتِ عارفة عن الرسالة؟»
هزت راسها.
«لأ.»
«يبقى عرفتي منين إن فيه سر؟»
قالت:
«من أختي.»
«سلمى؟»
«قبل ما تموت بأسبوع، قالتلي إن نور سلمتها حاجة.»
«إيه؟»
«فلاشة.»
حسيت ببرودة في جسمي.
«فينها؟»
مريم بصتلي.
«معايا.»
مدت إيدها في جيب الفستان.
طلعت فلاشة صغيرة.
مدتها لي.
«أختي قالتلي لو حصل لها حاجة، أسلمها لآسر الدمنهوري.»
بصيت للفلاشة.
«وليه ما سلمتهاليش من وقتها؟»
مريم قالت:
«لأنها ماتت قبل ما تقدر توصل لك.»
«وإنتِ؟»
«فضلت أدور عليك.»
«ست سنين؟»
«ست سنين.»
«وليه دخلتي تشتغلي عندي خادمة؟»
مريم بصتلي في عيني.
«لأن كل اللي حاولوا يقربوا منك قبل كده… ماتوا.»
سكت.
«وأنا كان لازم أعرف مين اللي بيحاول يحميك… ومين اللي بيحاول يقتلك.»
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة عند باب القصر.
مريم لفت بسرعة.
«حد دخل.»
إيدي راحت للسلاح.
سمعنا خطوات.
واحدة.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين صوت عمتي سميحة:
«آسر؟»
ارتحت للحظة.
لكن مريم مسكت دراعي.
«استنى.»
بصيتلها.
«دي عمتك؟»
«أيوه.»
قالت:
«يبقى هي اللي لازم نخاف منها.»
بصيتلها بعدم تصديق.
«عمتي؟»
قبل ما تجاوب، دخلت سميحة المكتب.
كانت لابسة روب أبيض، وشعرها مربوط، ووشها هادي بشكل غريب.
قالت:
«إيه اللي بتعملوه هنا الساعة دي؟»
بصيتلها.
«لقيت الرسالة.»
وشها اتغير.
ثانية واحدة فقط.
لكن أنا شفتها.
«رسالة إيه؟»
رفعت الورقة.
«رسالة نور.»
سميحة سكتت.
وبعدين قالت:
«آسر… اسمعني.»
«إنتِ كنتِ عارفة؟»
«عارفة إيه؟»
«إن نور كانت عارفة إنهم هيقتلوها؟»
وشها شحب.
مريم قربت مني.
سميحة بصت لمريم.
وبعدين قالت:
«إنتِ مين؟»
مريم ردت:
«أنا مريم حسن.»
سميحة اتجمدت.
«حسن؟»
«أيوه.»
سميحة رجعت خطوة.
أنا لاحظت ده.
«إنتِ تعرفيها؟»
مريم قالت:
«هي تعرف أختي.»
سميحة بصتلي.
«آسر… ابعد عنها.»
ضحكت بمرارة.
«غريبة.»
«إيه؟»
«كل الناس اللي عايزين يحموني بيقولولي أبعد عن مريم.»
سميحة قربت مني.
«لأنها خطر.»
مريم ردت:
«الخطر مش أنا.»
سميحة صرخت:
«إنتِ مش فاهمة حاجة!»
أنا رفعت صوتي:
«كفاية!»
سكت الاتنين.
حطيت الفلاشة على المكتب.
«هنشوف دلوقتي مين فيكم بيكدب.»
فتحت اللابتوب.
دخلت الفلاشة.
ظهرت ملفات كتير.
ملف واحد كان اسمه:
«1:17»
فتحته.
الشاشة اسودت.
وبعد ثواني…
ظهر تسجيل فيديو.
الجراج.
نفس الجراج.
نفس الليلة.
لكن التصوير كان من زاوية مختلفة.
شفت نفسي واقف جنب نور.
شفت حمدي.
وشفت الرجل اللي أطلق النار.
لكن فجأة…
اتسعت عيناي.
لأن الرجل اللي أطلق النار…
ما كانش حمدي.
كان شخصًا آخر.
شخص كنت أعرفه.
شخص كان واقف في الجراج قبل الرصاصة بدقائق.
شخص أنا وثقت فيه طول حياتي.
الصورة وضحت أكتر.
وشفت وجهه.
وشعرت إن رجلي فقدت قوتها.
مريم همست:
«مين ده؟»
أنا ما قدرتش أتكلم.
سميحة كانت بتبص للشاشة.
وبعدين قالت بصوت مكسور:
«آسر… اقفل التسجيل.»
بصيتلها ببطء.
«إنتِ عرفتيه.»
سميحة ما ردتش.
«عمتّي… إنتِ عرفتيه.»
بدأ التسجيل يكمل.
ظهر الرجل وهو بيكلم نور قبل إطلاق النار.
قال لها:
«كان ممكن تسكتي.»
نور ردت:
«مش هسكت.»
«هتضيعي مستقبله.»
«هو يستحق يعرف الحقيقة.»
الرجل قرب منها.


