Uncategorized

الرقصة اللي غيّرت حياة نور» ❤️ حكايات شروق خالد

بنتي المريضة راحت حفلة التخرج وهي معاها أسطوانة أكسجين وعلى كرسي متحرك، ولما نجم فريق الكرة طلب منها ترقص معاه، الطلبة ضحكوا. بعدها المدير مسك الميكروفون وقال كلام خلّى القاعة كلها تسكت.

بنتي نور كانت بتحلم بحفلة التخرج من وهي عندها 12 سنة.

سنين وهي محتفظة على موبايلها بفولدر مليان صور لفساتين كانت بتحبها. وكل ما تشوف مشهد حفلة تخرج في فيلم، كانت توقفه وتتخيل نفسها هناك.

كانت بتقولي:

“أنا عايزة فستان كحلي، وعايزة أرقص طول الليل لحد ما رجلي توجعني.”

لكن السرطان سرق منها تقريبًا كل حاجة.

من 18 شهر، حياتنا اتغيرت بسبب تشخيص مفيش أب ولا أم مستعدين يسمعوه.

ومن وقتها، نور خضعت لعمليات وعلاجات، وقضت ساعات طويلة في المستشفيات، وعاشت وجع أكتر بكتير من اللي أغلب الناس ممكن يستحملوه في حياتهم كلها.

المرض أخد منها استقلالها.

بقت محتاجة كرسي متحرك عشان تتحرك، وجهاز أكسجين صغير محمول يساعدها على التنفس.

معظم سنة التخرج بتاعتها قضتها في البيت بدل المدرسة.

وفي الوقت اللي زمايلها كانوا بيخططوا لمواعيد حفلة التخرج وحفلاتهم واحتفالاتهم، بنتي كانت بتحارب عشان تفضل عايشة.

لكن رغم كل حاجة حصلت، كان فيه حلم واحد عمرها ما قدرت تتخلى عنه تمامًا.

حفلة التخرج.

في يوم، سألتها:

“لسه بتفكري في الحفلة؟”

ابتسمت وهزت كتافها.

“أوقات.”

لكن رغم إنها قالت كلمة واحدة، أنا سمعت الحزن اللي وراها.

ساعتها أخدت قرار.

لو نور مش هتقدر تعيش سنة التخرج اللي كانت تستحقها، فأنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أديها على الأقل ليلة واحدة ما تنساهاش طول عمرها.

ولما فاجأتها بتذاكر حفلة التخرج، انفجرت في العياط.

“ماما، دي أحلى هدية في حياتي!”

الابتسامة اللي رجعت لوشها وقتها خلت كل التعب اللي عشناه يستاهل.

في ليلة الحفلة، نور كانت جميلة جدًا.

فستانها الكحلي كان بيلمع تحت الأنوار.

ولأول مرة من شهور، ما كانتش بتفكر في الدكاترة، ولا العلاج، ولا أوض المستشفى.

كانت مجرد بنت صغيرة فرحانة إنها رايحة حفلة التخرج.

لكن أول ما دخلنا القاعة، عرفت إن فيه حاجة غلط.

الناس كانت بتبص.

والطلبة كانوا بيتهامسوا.

بعضهم كان بيبعد بعينه أول ما نور تبتسم له.

وغيرهم كانوا بيتجنبوا يتصوروا جنبها.

وفيه كام واحد كانوا باين عليهم مستغربين هي أصلًا إزاي جت الحفلة.

شفت فرحتها وهي بتختفي واحدة واحدة.

وقلبي اتكسر عليها.

ومع كده، حاولت تستمتع بالليلة.

لحد ما الـDJ أعلن عن الرقصة الهادية.

الأزواج بدأوا ينزلوا على أرضية الرقص.

ونور فضلت قاعدة في هدوء، بتتفرج على الكل وهو بيعيش الليلة اللي كانت بتحلم بيها من سنين.

وفجأة، حد غير متوقع بدأ يمشي ناحيتنا.

آدم الشاذلي.

نجم فريق الكرة.

أشهر وأكتر ولد محبوب في المدرسة.

الولد اللي تقريبًا كل بنت كانت معجبة بيه.

مشى على طول ناحية نور، وابتسم، ومد إيده ليها.

وقال:

“نور، تحبي ترقصي معايا؟”

لثواني، نور بصت له وهي مش مصدقة.

“أنا؟”

ابتسم وقال:

“أيوه… إنتِ.”

وشها كله نور.

“بكل تأكيد.”

آدم مسك كرسيها برفق، وبدأ يوديها لأرضية الرقص.

وفجأة، كل عيون القاعة اتوجهت ناحيتهم.

بنتي كانت بتضحك.

وبتبتسم.

وكانت فعلًا سعيدة.

ولأول مرة من وقت طويل جدًا.

لكن بعدها بدأت التعليقات.

“يا آدم، ملقتش حد تاني ترقص معاه؟!”

كام طالب ضحكوا.

وبعدها صوت تاني صرخ:

“هي أصلًا ينفع تكون على أرضية الرقص؟!”

القاعة كلها كأنها اتجمدت.

شفت الابتسامة وهي بتختفي من على وش نور.

وشفت الدموع وهي بتتجمع في عينيها.

وساعتها حاجة جوايا اتكسرت.

اتحركت فورًا ناحيتها.

كنت مستعدة آخد بنتي ونمشي.

مفيش حفلة تستاهل الإهانة دي.

لكن قبل ما أوصل لها، مدير المدرسة، الأستاذ محمود، لمس دراعي بهدوء.

بص في عيني وقال:

“لو سمحتي… استني خمس دقايق بس.”

بصيت له باستغراب.

“إيه؟”

كرر كلامه:

“خمس دقايق بس.”

وبعدها طلع على المسرح.

الموسيقى وقفت.

والقاعة كلها سكتت.

الأستاذ محمود مسك الميكروفون وقال:

“يا جماعة، عايز من كل واحد فيكم يسمعني كويس.”

نبرة صوته الجادة خلت كل الموجودين يركزوا معاه فورًا.

بص على كل الطلبة.

وبعدين بص مباشرة لنور.

وقال:

“اللي حصل على أرضية الرقص الليلة دي اداني فرصة إني أتكلم معاكم في موضوع مهم جدًا.”

#حكايات_شروق_خالد

الأستاذ محمود مسك الميكروفون وقال:

“اللي حصل على أرضية الرقص الليلة دي اداني فرصة إني أتكلم معاكم في موضوع مهم جدًا.”

سكت ثواني، وبعدين قال:

“أنا مش هسأل مين اللي ضحك… ومش هسأل مين اللي قال الكلام ده. لأن الحقيقة إن اللي حصل مش مشكلة نور لوحدها.”

القاعة فضلت ساكتة.

“المشكلة فينا إحنا.”

بدأت الهمهمات تختفي تمامًا.

الأستاذ محمود كمل:

“إحنا ساعات بنفتكر إن القوة معناها إنك تكون أسرع، أو أقوى، أو جسمك سليم، أو إنك تبقى نجم فريق الكرة.”

وبص ناحية آدم.

“لكن النهارده، أكتر واحد شجاع في القاعة دي مش اللي سجل أكبر عدد أهداف.”

آدم نزل عينه في الأرض بتواضع.

المدير أشار لنور.

“أكتر شخص شجاع هو البنت اللي دخلت القاعة دي وهي عارفة إن الناس هتبص عليها… وعارفة إن ممكن حد يضحك… ومع ذلك قررت تيجي.”

نور بدأت تعيط.

لكن المرة دي دموعها ماكانتش دموع إحراج.

كانت دموع إحساس.

المدير قال:

“نور كان ممكن تقعد في بيتها. كان ممكن تقول أنا تعبانة، أنا مش قادرة، أنا مش عايزة أسمع كلام الناس.”

وسكت لحظة.

“لكنها اختارت الحياة.”

واحدة من الطالبات بدأت تمسح دموعها.

المدير كمل:

“إنتوا عارفين نور قضت قد إيه من السنة دي في المستشفيات؟”

القاعة فضلت ساكتة.

“عارفين كام مرة كانت بتدخل عملية وهي مش عارفة هتخرج منها إمتى؟ عارفين كام مرة كان أهلها بيحاولوا يخبوا خوفهم عنها عشان ما تخافش؟”

نور حطت إيدها على وشها.

وأنا وقفت بعيد، مش قادرة أتمالك نفسي.

المدير قال:

“إنتوا شايفين كرسي.”

“شايفين أسطوانة أكسجين.”

“لكن أنا شايف بنت فضلت تحارب لمدة 18 شهر عشان توصل لليلة دي.”

آدم بص لنور وابتسم.

المدير رفع صوته:

“والموضوع مش بس عن نور.”

“الموضوع عن كل إنسان في القاعة دي اتوجع في حياته وسكت.”

“عن كل واحد حس إنه مختلف.”

“عن كل بنت اتكسرت من كلام الناس.”

“عن كل ولد اتعرض للتنمر.”

“عن كل طالب رجع بيته بالليل وهو بيضحك قدامكم طول اليوم، لكنه كان بينهار من جواه.”

وبعدين قال الجملة اللي خلت القاعة كلها تصفق:

“الاختلاف مش عيب… العيب إنك تشوف إنسان بيتوجع وتختار تضحك.”

التصفيق بدأ من آخر القاعة.

وبعدين زاد.

وفي ثواني، كل القاعة كانت بتصفق.

آدم قرب من نور.

وقال لها بصوت واضح:

“إنتِ لسه عايزة ترقصي؟”

نور مسحت دموعها وضحكت.

“أيوه.”

آدم قال:

“يبقى نكمل.”

رجع الموسيقى تشتغل.

آدم وقف قدام نور، ومد إيده.

وبدأت نور تحرك كرسيها على إيقاع الموسيقى.

وفجأة، بنت من بعيد قربت منهم.

وبعدين ولد.

وبعدين اتنين.

وبعد أقل من دقيقة، أرضية الرقص كلها تقريبًا بقت مليانة طلبة.

محدش كان بيضحك.

محدش كان بيبص لنور كأنها مختلفة.

كانوا بيرقصوا معاها.

وفي وسط الزحمة، واحدة من البنات اللي كانت بتضحك من شوية قربت منها.

وشها كان مليان دموع.

وقالت:

“نور… أنا آسفة.”

نور بصتلها شوية.

وبعدين ابتسمت.

“خلاص.”

البنت حضنتها.

وساعتها أنا حسيت إن بنتي أخيرًا أخدت اللي كانت بتحلم بيه.

مش مجرد حفلة تخرج.

لكن ليلة حسّت فيها إنها مش أقل من أي حد.

بعد انتهاء الحفلة، وإحنا خارجين، آدم جري ورانا.

قال لي:

“حضرتك ممكن تستني ثانية؟”

وقفت.

آدم بص لنور وقال:

“أنا عايز أقولك حاجة.”

نور ابتسمت:

“قول.”

قال:

“النهارده أنا اللي كنت محظوظ إني رقصت معاكي.”

نور ضحكت.

“إنت بتقول كده عشان تخليني مبسوطة.”

هز رأسه.

“لأ.”

وبص لها بجدية.

“أنا دخلت الحفلة وأنا فاكر إن أهم حاجة في الليلة دي إني أطلع أحسن لاعب في المدرسة.”

“وخرجت وأنا عرفت إن البطولة مش كده.”

سكت لحظة.

“إنتِ علمتيني يعني إيه شجاعة.”

نور ماعرفتش ترد.

اكتفت إنها ابتسمت.

وفي طريقنا للبيت، كانت ماسكة الموبايل وبتبص على الصور اللي اتصورتها الليلة دي.

بعد شوية قالت:

“ماما؟”

“نعم يا حبيبتي؟”

قالت:

“فاكرة لما قلتلك وأنا عندي 12 سنة إني عايزة أرقص لحد ما رجلي توجعني؟”

ضحكت رغم دموعي.

“فاكرة.”

قالت:

“النهارده رجلي ما وجعتنيش.”

وبصت من الشباك.

“بس قلبي كان مبسوط أوي.”

حضنت إيدها.

وفي اللحظة دي فهمت إن أحيانًا الحياة مش بتدينا اللي طلبناه بالحرف.

لكن ممكن تدينا لحظة واحدة تعوضنا عن سنين كاملة من الوجع.

بعد أسبوع، المدرسة عملت حفل صغير تاني.

لكن المرة دي كان مختلف.

الأستاذ محمود أعلن قدام كل الطلبة عن تأسيس مبادرة جديدة لمواجهة التنمر ومساعدة الطلاب اللي بيعانوا من أمراض أو إعاقات.

والمفاجأة الأكبر إن آدم طلب من نور إنها تكون أول سفيرة للمبادرة.

نور بصت لي وهي مش مصدقة.

وقالت:

“أنا؟”

الأستاذ محمود ابتسم:

“أيوه، إنتِ.”

ومن اليوم ده، نور ما بقتش مجرد البنت اللي دخلت حفلة التخرج على كرسي متحرك.

بقت البنت اللي علمت مدرسة كاملة إن الإنسان مش بيتقاس برجليه، ولا بشكله، ولا بصحته.

بيتقاس بقوة قلبه.

وبعد شهور، لما العلاج كان لسه مستمر، جالها خطاب من المدرسة.

فتحت الظرف.

وكان مكتوب فيه:

“إلى نور… البنت التي دخلت القاعة وهي تحمل أسطوانة أكسجين، وخرجت منها وهي تحمل قلوب مئات الأشخاص.”

نور قرأت الخطاب وسكتت.

وبعدين قالت لي:

“ماما… أنا كنت فاكرة إني رايحة الحفلة عشان أحقق حلمي.”

ابتسمت.

“طلعتي حققتي حلم ناس كتير معاكي.”

حضنتني وقالت:

“أجمل حاجة إن الناس أخيرًا شافوني أنا… مش المرض.”

وضميتها وأنا بعيط.

لأن في اللحظة دي عرفت إن بعض المعارك مش لازم نكسبها بإزالة الألم.

أحيانًا يكفي إننا نثبت إن الألم مش هيقدر يمنعنا نعيش.

ونور؟

نور كملت علاجها.

وكملت دراستها.

وكملت تحلم.

لأنها في ليلة واحدة، قدام مئات الناس، اكتشفت حاجة عمرها ما هتنساها:

إن الكرسي ممكن يشيل جسمها…

لكن عمره ما يقدر يشيل أحلامها.عدت الأيام، لكن اللي حصل في حفلة التخرج ماكانش مجرد ذكرى عابرة.

صور نور وهي بترقص مع آدم انتشرت بين الطلبة، وبعدها وصلت لصفحة المدرسة.

وفي يوم الصبح، وأنا قاعدة جنبها على السفرة، لقيتها ساكتة وبتبص في موبايلها.

قلت لها:

“مالك يا نور؟”

رفعت عيني وقالت:

“ماما… في حد بعتلي رسالة.”

“مين؟”

ناولَتني الموبايل.

كانت الرسالة من بنت اسمها سارة، واحدة من الطالبات اللي كانت موجودة في الحفلة.

كانت كاتبة:

“نور، أنا محتاجة أقولك حاجة. أنا كنت واحدة من الناس اللي ضحكت عليكي.”

نور بلعت ريقها.

“وبعدين؟”

كملت:

“أنا آسفة… بس مش عشان المدير وبس. أنا آسفة لأني اكتشفت إن أنا كنت بعمل فيكي حاجة عمري ما كنت أقبل حد يعملها فيا.”

نور فضلت ساكتة.

وبعدها ظهرت رسالة تانية.

“أمي عندها مرض مزمن، وأنا طول عمري بزعل لما الناس تبص لها بطريقة مختلفة. بس لما شفتك، اكتشفت إني بقيت شبه الناس اللي كنت بكرههم.”

نور مسحت دمعة من عينها.

وقالت:

“هي مش وحشة يا ماما.”

بصيت لها.

“عرفتي منين؟”

قالت:

“عشان اعترفت.”

وفي نفس اليوم، سارة جت لحد بيتنا.

دخلت وهي متوترة جدًا.

أول ما شافت نور، قالت:

“أنا مش جاية أطلب منك تنسي.”

نور بصتلها.

“أمال جاية ليه؟”

قالت:

“جاية أطلب فرصة أصلح اللي عملته.”

نور سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

“تعالي اقعدي.”

قعدت جنبها.

ومن اليوم ده، الاتنين بدأوا يشتغلوا مع بعض في مبادرة المدرسة.

لكن بعد شهر، حصلت حاجة محدش كان متوقعها.

الأستاذ محمود طلب يقابلني.

دخلت مكتبه، لقيته ماسك ملف.

قال:

“أنا عايز حضرتك تشوفي حاجة.”

فتح الملف.

كان فيه طلب من مستشفى كبير.

وبصراحة، أول ما شفت اسم المستشفى، قلبي وقع.

قلت:

“هو في إيه؟”

ابتسم وقال:

“نور اتقبلت في برنامج تعليمي للطلاب اللي بيحاربوا أمراض طويلة، والبرنامج ده هيغطي تعليمها بالكامل.”

بصيت له مش مصدقة.

“يعني إيه؟”

قال:

“يعني لو نور حبت تكمل تعليمها، هي مش هتضطر توقف.”

دموعي نزلت.

لكن المفاجأة ماكانتشي هنا.

الأستاذ محمود أخرج ورقة تانية.

وقال:

“وفي حد تبرع بمبلغ كبير للبرنامج، بشرط إن نور تكون أول طالبة تستفيد منه.”

سألته:

“مين؟”

ابتسم.

“آدم.”

سكت.

“آدم؟”

هز رأسه.

“هو ووالده.”

في اللحظة دي فهمت إن الولد اللي دخل حفلة التخرج عشان يرقص مع بنت مختلفة عن باقي البنات، كان بدأ يفهم إن المساعدة الحقيقية مش صورة تتاخد ولا موقف يتصور.

كانت مسؤولية.

لما حكيت لنور، فضلت ساكتة.

قلت لها:

“إيه رأيك؟”

ابتسمت.

“هكلمه.”

وبالفعل، كلمته.

قالت:

“آدم، ليه عملت كده؟”

رد:

“عشان إنتِ تستاهلي.”

قالت:

“بس أنا مش عايزة حد يعمل معايا حاجة عشان يشفق عليا.”

رد فورًا:

“أنا مش بشفق عليكي.”

سكت لحظة.

“أنا شايفك أقوى حد قابلته.”

نور ابتسمت.

“طب اتفقنا.”

“على إيه؟”

“إنك تساعدني… وأنا أساعد غيري.”

قال:

“اتفقنا.”

مرت سنتين.

والبنت اللي كانت بتدخل المدرسة على كرسي متحرك، بقت بتدخل قاعات جامعية كبيرة.

العلاج ماكانش سهل.

وفي أيام كانت بتتعب.

وفي أيام كانت بتحتاج ترجع للمستشفى.

لكنها ماوقفتش.

وفي أول يوم لها في الجامعة، طلبوا منها تتكلم قدام الطلاب الجدد.

وقفت على المسرح، وفضلت لحظة تبص للقاعة.

وبعدين قالت:

“من سنتين، دخلت حفلة تخرجي وأنا على كرسي متحرك ومعايا أسطوانة أكسجين.”

القاعة سكتت.

“وكان فيه ناس ضحكت.”

“لكن كان فيه شخص واحد مد إيده وقال لي: تحبي ترقصي؟”

ابتسمت.

“أنا وقتها كنت فاكرة إن آدم هو اللي أنقذ ليلتي.”

وبصت للجمهور.

“لكن بعدين فهمت إن الحقيقة غير كده.”

سكتت.

“هو ما أنقذنيش.”

“هو بس اداني فرصة أفتكر إني لسه عايشة.”

القاعة بدأت تصفق.

نور كملت:

“والفرق كبير.”

“لأن طول الوقت، أنا ماكنتش محتاجة حد يعاملني كأني ضعيفة.”

“كنت محتاجة حد يعاملني كإني إنسانة.”

التصفيق زاد.

وبعدين قالت:

“ولو فيه حاجة واحدة عايزة كل واحد فيكم يفتكرها، فهي إنك ماتعرفش أبدًا الحرب اللي الشخص اللي قدامك بيخوضها.”

“فلو مش هتقدر تساعده… على الأقل ماتزودش وجعه.”

بعد المحاضرة، خرجت نور من القاعة.

وكان آدم مستنيها بره.

بص لها وقال:

“فاكرة أول رقصة؟”

ضحكت.

“إزاي أنساها؟”

قال:

“تحبي نرقص؟”

بصت له وضحكت:

“هنا؟”

قال:

“ليه لأ؟”

مد إيده.

نور مسكتها.

وفي ممر الجامعة، قدام عشرات الطلاب، بدأوا يرقصوا بهدوء.

لكن المرة دي محدش ضحك.

الناس كانت بتصفق.

وأنا كنت واقفة بعيد، بتفرج عليهم ودموعي بتنزل.

افتكرت بنتي وهي عندها 12 سنة، وهي قاعدة على السرير وبتقلب صور فساتين التخرج على موبايلها.

افتكرت لما قالت:

“أنا عايزة فستان كحلي.”

وفعلًا لبسته.

يمكن رجليها ماقدرتش ترقص في الليلة دي.

لكن قلبها رقص.

والأهم…

إنها ماخليتش المرض يكتب نهاية قصتها.

هي اللي كتبت النهاية.

وبعد سنين، لما نور بقت بتشتغل في مجال مساعدة الأطفال المصابين بأمراض خطيرة، سألتها صحفية:

“إيه أكتر لحظة غيرت حياتك؟”

نور ابتسمت وقالت:

“مش يوم ما عرفت إني مريضة.”

“ومش يوم ما بدأت العلاج.”

“ومش حتى يوم ما نجحت.”

سألتها الصحفية:

“أمال إيه؟”

نور قالت:

“ليلة حفلة التخرج.”

“لأن في الليلة دي، فهمت إن الناس ممكن تشوف الكرسي… لكن أنا اللي بقرر إذا كان الكرسي هيحدد أنا مين.”

وبصت للكاميرا.

وقالت:

“أنا نور.”

“مش مرضي.”

“ومش كرسيي.”

“أنا البنت اللي كانت عايزة ترقص.”

“ورقصت.”

“ولسه برقص.”

ومن يومها، كل سنة في نفس موعد حفلة التخرج، كانت نور بترجع مدرستها.

مش كطالبة.

لكن كضيفة.

وكان الأستاذ محمود، رغم إنه كبر في السن، بيقف جنب المسرح كل مرة.

وفي كل حفلة، كان يكرر نفس الجملة للطلاب:

“قبل ما تضحك على حد… افتكر إنك ممكن تكون آخر شخص محتاجه.”

أما نور؟

كانت تدخل القاعة بفستان جديد.

وتبتسم.

وتطلب من أي طالب أو طالبة قاعدين لوحدهم:

“تحب ترقص؟”

لأنها كانت عارفة إن أحيانًا…

دعوة واحدة للرقص ممكن تغير حياة إنسان كاملة.بعد عشر سنين، رجعت نور لنفس المدرسة.

المكان كان اتغير، والطلبة اتغيروا، وحتى الأستاذ محمود بقى شعره كله أبيض.

لكن أول ما شافها، ابتسم وقال:

“لسه فاكرة أول رقصة؟”

نور ضحكت.

“عمري ما هنساها.”

دخلت القاعة، والطلبة كانوا مستنيينها.

ولما الموسيقى اشتغلت، نور قامت من كرسيها بمساعدة بسيطة، ووقفت لأول مرة من سنين.

القاعة كلها صفقت.

بصت لأمها، اللي كانت واقفة في آخر القاعة ودموعها بتنزل، وقالت:

“ماما… أنا وعدتك إني هرقص لحد ما رجلي توجعني.”

ضحكت أمها وسط دموعها:

“وأنا وعدتك إنك هتعيشي عشان تحققي حلمك.”

نور بصت للقاعة وقالت:

“أنا ماكسبتش معركتي عشان بقيت أقوى من المرض… كسبتها لأني رفضت أخليه يحدد أنا مين.”

وبعدين بصت لآدم، اللي كان واقف وسط الحضور، ومدت إيدها له.

“يلا… الرقصة دي ليك.”

ضحك آدم وقرب منها.

وبين تصفيق كل الموجودين، بدأت نور ترقص.

مش لأنها نسيت كل اللي مرت بيه…

لكن لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الأحلام بتتأخر، لكنها ما بتموتش.

وفي آخر الليلة، بصت لأمها وقالت:

“فاكرة لما كنتِ بتقولي إن الحياة ممكن تاخد مننا حاجات؟”

أمها هزت رأسها.

نور ابتسمت:

“طلعت غلطانة.”

“ليه؟”

قالت:

“الحياة خدت مني كتير… بس ادتني سبب أعيش عشانه.”

وبعدين حضنت أمها.

ومن يومها، بقت نور كل سنة ترجع لنفس المدرسة، وتطلب من أي طالب واقف لوحده:

“تحب ترقص؟”

لأنها كانت عارفة إن كلمة بسيطة، أو إيد ممدودة، أو رقصة واحدة…

ممكن تغير حياة إنسان للأبد.

تمت.

«الرقصة اللي غيّرت حياة نور» ❤️

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى