Uncategorized

أوضة 317» ج1 حكايات شروق خالد

وفي اللحظة دي، كانت الساعة قربت من…

1:17.

حكايات شروق خالد

دقّت الساعة الكبيرة المعلقة في آخر المطبخ.

دقّة واحدة.

وبعدها…

دقّة تانية.

أنا بصيت للساعات.

1:17.

في اللحظة دي، إيدي بدأت ترتعش بعنف، والمج اللي في إيدي خبط في أسناني.

ريحة الخرسانة المبلولة رجعت فجأة.

صوت الرصاصة.

صرخة نور.

الدم اللي كان بينزل على إيدي.

كل حاجة رجعت مرة واحدة.

وقعت عيني على الأرض، وحاولت أتنفس.

مريم ما اتحركتش من مكانها.

بس قالت بهدوء:

«بصلي يا آسر.»

مردتش.

«آسر… بصلي.»

رفعت عيني ليها بالعافية.

قالت:

«إنت هنا.»

هزيت راسي بعصبية.

«لأ… أنا هناك.»

«لأ. إنت هنا. في مطبخ بيتك. الأرض تحت رجلك. مفيش جراج. مفيش رصاصة. ومفيش حد بيموت قدامك.»

حاولت أتكلم، لكن صوتي خرج مبحوح:

«إنتِ عرفتي منين؟»

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

«عشان أنا شفت حد قبل كده كان بيحصل له نفس اللي بيحصل لك.»

الكلام خلاني أبصلها بحدة.

«مين؟»

مريم نزلت عينيها للمج اللي في إيدي.

«اشرب الأول.»

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.

«إنتِ فاكرة إني هشرب حاجة من حد دخل بيتي من كام يوم؟»

«لو كنت عايزة أأذيك، كنت حطيت السم في العشا… مش في مشروب ريحته واضحة كده.»

بصيتلها باستغراب.

ولأول مرة من سنين…

ضحكت.

ضحكة صغيرة جدًا، لكنها كانت حقيقية.

مريم ابتسمت.

«شايف؟ لسه بتعرف تضحك.»

اختفت الابتسامة من وشي فورًا.

«متتدخليش في حاجات تخصني.»

«وأنت متدخلش في حاجات تخص نومي.»

«يعني إيه؟»

«يعني أنا كمان مش بعرف أنام.»

الجملة دي خلتني أسكت.

حطت إيديها على طرف الرخامة وقالت:

«بس الفرق بيني وبينك إنك بتحارب اللي حصل… وأنا بحاول أفهمه.»

بصيتلها طويلًا.

«إنتِ مين بالظبط يا مريم؟»

ابتسمت ابتسامة غريبة.

«خادمة.»

«مش مصدق.»

«دي مشكلتك.»

وسابتني وخرجت من المطبخ.

فضلت واقف مكاني، والمج لسه في إيدي.

بصيت للمشروب.

وبعد تردد طويل…

شربت.

كان طعمه غريب.

زنجبيل، قرنفل، وشيء آخر معرفتش أحدده.

بعد دقائق، بدأت رعشة إيدي تهدى.

صدري ارتاح.

والصورة اللي كانت بتتعاد في دماغي بدأت تختفي.

لأول مرة…

الساعة 1:17 عدّت.

من غير ما أشوف نور بتموت.

بصيت للساعه.

1:23.

فضلت واقف مش مصدق.

ست سنين.

ألفين ومئتين يوم تقريبًا.

ولا ليلة واحدة عدّت من غير ما أموت معاها.

لكن الليلة دي…

أنا كنت لسه عايش.

طلعت أوضتي.

ولأول مرة من ست سنين، نمت.

لكن نومي ما استمرش كتير.

صحيت الساعة 4:03 الفجر على صوت خبط شديد جاي من الدور الأرضي.

قمت بسرعة.

إيدي راحت تلقائيًا ناحية السلاح الموجود في درج الكومودينو.

خرجت من الأوضة.

البيت كله كان ساكت.

لكن صوت الخبط رجع.

دُم.

دُم.

دُم.

نزلت السلم بهدوء.

ولما وصلت نص السلم، شفت مريم واقفة عند باب المكتب.

ظهرها ناحيتي.

قلت:

«مريم؟»

لفت بسرعة.

وشها كان شاحب.

قالت:

«آسر… متدخلش هنا.»

بصيت للباب.

«ليه؟»

«عشان الباب ده مقفول من ست سنين.»

«وأنا اللي قفلته.»

هزت راسها.

«لأ… إنت مش اللي قفلته.»

نزلت باقي السلم ببطء.

«إنتِ بتقولي إيه؟»

مريم قربت مني وهمست:

«أنا سمعت صوت من جوه.»

في اللحظة نفسها…

اتسمع صوت امرأة من داخل المكتب.

صوت ضعيف.

مخنوق.

لكن واضح.

«آسر…»

اتجمدت.

مريم بصتلي.

«مين دي؟»

ما قدرتش أرد.

لأن الصوت رجع مرة تانية.

«آسر… متفتحش الباب.»

قلبي وقف.

كان صوت نور.

نفس نبرتها.

نفس طريقتها في نطق اسمي.

نفس الهمسة اللي سمعتها آخر مرة قبل ما تموت.

مديت إيدي ناحية مقبض الباب.

لكن مريم مسكت دراعي.

«متفتحش.»

صرخت فيها:

«سيبيني!»

«اسمعني! الصوت ده مش طبيعي.»

«دي نور!»

«نور ماتت.»

الكلمة نزلت عليا زي صفعة.

بصيتلها.

«إنتِ متعرفيش حاجة.»

«أعرف أكتر مما تتخيل.»

سكتنا.

ومن جوه المكتب، الصوت رجع:

«آسر… هي كدابة.»

مريم بعدت عن الباب فورًا.

وشها اتغير.

همست:

«بدأ يعرف إني هنا.»

بصيتلها.

«مين؟»

لكن قبل ما تجاوب…

نور اتسمعت للمرة التالتة.

«آسر… اسألها عن ليلة الجراج.»

مريم غمضت عينيها.

وأنا حسيت إن الدم انسحب من وشي.

لأن الليلة دي…

كان فيه سر واحد عن جُون محدش يعرفه غيري.

سر ما حكيتوش لأي إنسان.

ولا حتى الشرطة.

ولا عمتي سميحة.

ولا حتى نور نفسها.

بصيت لمريم وقلت:

«إنتِ كنتِ في الجراج الليلة دي؟»

مريم ما ردتش.

«كنتِ هناك؟!»

فضلت ساكتة.

قربت منها خطوة.

«مريم… إنتِ مين؟»

رفعت عينيها ليا.

ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيها.

وقالت:

«أنا مش اللي كنت جايه أشتغل عندك.»

سكتت لحظة.

ثم أضافت:

«أنا كنت جايّة أحذرك.»

وقبل ما أسألها من إيه…

انفتح باب المكتب لوحده.

ببطء شديد.

ومن جوه الظلام…

وقعت صورة قديمة على الأرض.

انحنيت ورفعتها.

كانت صورة ليا أنا ونور.

لكن الصدمة ما كانتش في الصورة.

الصدمة كانت في الشخص الواقف خلفنا.

رجل لابس بدلة سوداء.

وشه واضح تمامًا.

وأنا كنت أعرفه.

لأن الرجل ده…

كان ميت من ست سنين.

فضلت ماسك الصورة بين صوابعي وأنا مش قادر أرمش.

الرجل اللي واقف ورايا ورا نور…

كان «حمدي الشناوي».

الرجل اللي مات في نفس الليلة.

الرجل اللي الشرطة قالت إنه اتقتل قبل الرصاصة اللي أصابت نور بدقايق.

الرجل اللي أنا شخصيًا شفت جثته.

والأغرب…

إنه كان بيبص للكاميرا.

مش ليا.

ولا لنور.

كأنه كان عارف إن الصورة دي هتفضل موجودة بعد موته بست سنين.

مريم قربت مني.

أول ما شافت الصورة، شهقت.

وقالت:

«يا نهار أبيض…»

بصيتلها.

«إنتِ تعرفيه.»

مريم ما ردتش.

رفعت الصورة قدام وشها.

«ده حمدي الشناوي.»

قلت بعصبية:

«أنا سألتك تعرفيه ولا لأ؟»

سكتت.

وبعدين قالت:

«أيوه.»

«إزاي؟»

«عشان كان السبب في موت أختي.»

حسيت إن الدنيا سكتت حوالينا.

بصيت للصورة مرة تانية.

«أختك؟»

هزت راسها.

«أختي كانت ممرضة في نفس المستشفى اللي كانت نور بتشتغل فيه.»

قلبي بدأ يدق أسرع.

«اسمها إيه؟»

مريم بصتلي.

«سلمى.»

الاسم ضربني في دماغي.

سلمى.

ممرضة كانت موجودة في المستشفى ليلة الحادث.

أنا فاكرها.

كانت واحدة من الناس اللي استقبلوا نور بعد ما نقلناها.

لكن…

في حاجة مكنتش منطقية.

«سلمى ماتت.»

مريم قالت بهدوء:

«أيوه.»

«من إمتى؟»

«بعد نور بشهر.»

فضلت باصصلها.

«إنتِ بتلعبي معايا؟»

«لأ.»

«إنتِ بتقولي إن أختك ماتت بعد نور بشهر… وإن حمدي الشناوي قتلها؟»

«أنا بقول إن حمدي كان جزء من حاجة أكبر.»

شدّيت الصورة من إيدها.

«إيه الحاجة دي؟»

مريم بصت ناحية المكتب.

«الحقيقة اللي إنت دفنتها من ست سنين.»

ضحكت بسخرية.

«أنا دفنت إيه؟»

«إن نور ما كانتش مجرد ضحية.»

تجمدت.

«يعني إيه؟»

مريم قالت:

«نور كانت عارفة.»

«عارفة إيه؟»

«كل حاجة.»

في اللحظة دي، اتسمع صوت خبطة من جوه المكتب.

دُم.

أنا ومريم بصينا للباب.

وبعدين صوت نور رجع.

«آسر… متصدقهاش.»

مريم قربت مني بسرعة.

«ماتسمعش الصوت.»

«ده صوت نور!»

«لأ.»

«إنتِ متأكدة؟»

قالت:

«أنا متأكدة إن نور ماتت.»

بصيت للباب.

«يبقى مين اللي بيتكلم؟»

مريم همست:

«الشخص اللي قتلها.»

اتجمدت.

مسكت مقبض الباب.

المرة دي مريم ما حاولتش تمنعني.

قالت:

«لو فتحته، مفيش رجوع.»

رديت:

«أنا من ست سنين مش راجع أصلًا.»

وفتحت الباب.

صرير طويل قطع سكون القصر.

المكتب كان مظلم.

دخلت.

ريحة الورق القديم والخشب ظهرت في الجو.

شغلت النور.

ولا حاجة.

كل حاجة زي ما هي.

المكتب اللي قفلته من ست سنين.

المكتبة.

المكتب الكبير.

صورة نور.

والخزنة.

لكن الخزنة كانت مفتوحة.

قربت منها.

«أنا كنت قافلها.»

مريم وقفت ورايا.

«إيه اللي جواها؟»

«حاجات خاصة.»

«زي إيه؟»

بصيت جواها.

كل الأوراق موجودة.

لكن فيه ظرف أبيض في المنتصف.

مكتوب عليه اسمي.

بخط أعرفه كويس.

خط نور.

إيدي بدأت ترتعش.

فتحت الظرف.

جواه ورقة واحدة.

وكان مكتوب:

«آسر…

لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مت.

ومتصدقش أي حد يقولك إن موتي كان حادث.

أنا كنت عارفة إنهم هيقتلوني.

وكنت عارفة إنهم هيحاولوا يخلّوك تصدق إنك السبب.

بس أهم حاجة…

ما تثقش في حمدي.»

رفعت عيني لمريم.

«دي رسالة نور.»

قالت:

«كمل.»

قريت باقي الرسالة.

«حمدي مش هو الرأس.

هو مجرد واحد من رجاله.

والرأس قريب منك أكتر مما تتخيل.

لو حصل لي حاجة، دور على التسجيل اللي خبأته في المكان الوحيد اللي كنت بتروح له لما تكون عايز تختفي من العالم.

نور.»

سكت.

المكان الوحيد…

كنت بروحه لما أهرب من الناس.

مكان نور نفسها.

الشقة القديمة اللي كانت بتعيش فيها قبل ما تموت.

بصيت لمريم.

«إنتِ كنتِ عارفة عن الرسالة؟»

هزت راسها.

«لأ.»

«يبقى عرفتي منين إن فيه سر؟»

قالت:

«من أختي.»

«سلمى؟»

«قبل ما تموت بأسبوع، قالتلي إن نور سلمتها حاجة.»

«إيه؟»

«فلاشة.»

حسيت ببرودة في جسمي.

«فينها؟»

مريم بصتلي.

«معايا.»

مدت إيدها في جيب الفستان.

طلعت فلاشة صغيرة.

مدتها لي.

«أختي قالتلي لو حصل لها حاجة، أسلمها لآسر الدمنهوري.»

بصيت للفلاشة.

«وليه ما سلمتهاليش من وقتها؟»

مريم قالت:

«لأنها ماتت قبل ما تقدر توصل لك.»

«وإنتِ؟»

«فضلت أدور عليك.»

«ست سنين؟»

«ست سنين.»

«وليه دخلتي تشتغلي عندي خادمة؟»

مريم بصتلي في عيني.

«لأن كل اللي حاولوا يقربوا منك قبل كده… ماتوا.»

سكت.

«وأنا كان لازم أعرف مين اللي بيحاول يحميك… ومين اللي بيحاول يقتلك.»

في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة عند باب القصر.

مريم لفت بسرعة.

«حد دخل.»

إيدي راحت للسلاح.

سمعنا خطوات.

واحدة.

اتنين.

تلاتة.

وبعدين صوت عمتي سميحة:

«آسر؟»

ارتحت للحظة.

لكن مريم مسكت دراعي.

«استنى.»

بصيتلها.

«دي عمتك؟»

«أيوه.»

قالت:

«يبقى هي اللي لازم نخاف منها.»

بصيتلها بعدم تصديق.

«عمتي؟»

قبل ما تجاوب، دخلت سميحة المكتب.

كانت لابسة روب أبيض، وشعرها مربوط، ووشها هادي بشكل غريب.

قالت:

«إيه اللي بتعملوه هنا الساعة دي؟»

بصيتلها.

«لقيت الرسالة.»

وشها اتغير.

ثانية واحدة فقط.

لكن أنا شفتها.

«رسالة إيه؟»

رفعت الورقة.

«رسالة نور.»

سميحة سكتت.

وبعدين قالت:

«آسر… اسمعني.»

«إنتِ كنتِ عارفة؟»

«عارفة إيه؟»

«إن نور كانت عارفة إنهم هيقتلوها؟»

وشها شحب.

مريم قربت مني.

سميحة بصت لمريم.

وبعدين قالت:

«إنتِ مين؟»

مريم ردت:

«أنا مريم حسن.»

سميحة اتجمدت.

«حسن؟»

«أيوه.»

سميحة رجعت خطوة.

أنا لاحظت ده.

«إنتِ تعرفيها؟»

مريم قالت:

«هي تعرف أختي.»

سميحة بصتلي.

«آسر… ابعد عنها.»

ضحكت بمرارة.

«غريبة.»

«إيه؟»

«كل الناس اللي عايزين يحموني بيقولولي أبعد عن مريم.»

سميحة قربت مني.

«لأنها خطر.»

مريم ردت:

«الخطر مش أنا.»

سميحة صرخت:

«إنتِ مش فاهمة حاجة!»

أنا رفعت صوتي:

«كفاية!»

سكت الاتنين.

حطيت الفلاشة على المكتب.

«هنشوف دلوقتي مين فيكم بيكدب.»

فتحت اللابتوب.

دخلت الفلاشة.

ظهرت ملفات كتير.

ملف واحد كان اسمه:

«1:17»

فتحته.

الشاشة اسودت.

وبعد ثواني…

ظهر تسجيل فيديو.

الجراج.

نفس الجراج.

نفس الليلة.

لكن التصوير كان من زاوية مختلفة.

شفت نفسي واقف جنب نور.

شفت حمدي.

وشفت الرجل اللي أطلق النار.

لكن فجأة…

اتسعت عيناي.

لأن الرجل اللي أطلق النار…

ما كانش حمدي.

كان شخصًا آخر.

شخص كنت أعرفه.

شخص كان واقف في الجراج قبل الرصاصة بدقائق.

شخص أنا وثقت فيه طول حياتي.

الصورة وضحت أكتر.

وشفت وجهه.

وشعرت إن رجلي فقدت قوتها.

مريم همست:

«مين ده؟»

أنا ما قدرتش أتكلم.

سميحة كانت بتبص للشاشة.

وبعدين قالت بصوت مكسور:

«آسر… اقفل التسجيل.»

بصيتلها ببطء.

«إنتِ عرفتيه.»

سميحة ما ردتش.

«عمتّي… إنتِ عرفتيه.»

بدأ التسجيل يكمل.

ظهر الرجل وهو بيكلم نور قبل إطلاق النار.

قال لها:

«كان ممكن تسكتي.»

نور ردت:

«مش هسكت.»

«هتضيعي مستقبله.»

«هو يستحق يعرف الحقيقة.»

الرجل قرب منها.

«الحقيقة هتقتله.»

نور قالت:

«بس الكذبة هتقتله كل يوم.»

ثم ظهر صوت الرصاصة.

نور وقعت.

لكن التسجيل ما وقفش.

الكاميرا تحركت.

والرجل انحنى جنب نور.

وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

«آسر مش لازم يعرف إن أبوه هو اللي أمر بقتلها.»

وقفت من مكاني.

«أبويا؟»

سميحة غمضت عينيها.

قلت:

«أبويا هو اللي أمر بقتل نور؟»

سميحة همست:

«أبوك مات وهو شايل ذنب أكبر من اللي إنت متخيله.»

صرخت:

«ليه؟!»

ما ردتش.

لكن التسجيل كان لسه شغال.

الرجل بص للكاميرا مباشرة.

وكأنه كان عارف إنها هتتوصل لي.

وقال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى