
قالت خطيبتي في همس عند أذني: «موت قبل يوم الجمعة يا ياسين. الفلوس بتتحرك أسرع لما نفسك يوقف.» طبعت قبلة على جبيني ومشيت، وهي فاكرة إني محبوس جوه غيبوبة… لكن الحقيقة إني كنت صاحي، وسمعت كل كلمة قالتها. والشخص الوحيد اللي اكتشف إن فيه حاجة غلط كانت الخادمة اللي الكل كان بيعاملها كأنها قطعة أثاث.
قبلها بخمس ليالي، عربيتي اتقلبت على طريق الدائري بعد ما حد قطع خرطوم الفرامل.
السواق بتاعي، رضا، مات في الحادث في نفس اللحظة.
أما أنا، فوقت جوه الإسعاف، ضلوعي مكسورة، والدم مالي بوقي، وفي حاجة واحدة بس كانت واضحة قدامي رغم الألم:
اللي عايز يقتلني كان قريب مني لدرجة إنه عارف تحركاتي.
وعشان كده أخدت قرار.
قلت لطبيبي الخاص: «قول لهم إني دخلت في غيبوبة.»
ومع طلوع الشمس، القاهرة كلها صدقت إن ياسين المنصوري دخل في غيبوبة.
الإصابات كانت حقيقية.
لكن الغيبوبة كانت كذبة.
لمدة خمس أيام، فضلت نايم من غير ما أتحرك جوه جناح خاص في مستشفى كبير بالقاهرة، بينما كل اللي حواليا بدأوا يكشفوا حقيقتهم.
المستشار بتاعي، حمدي، كان بيبكي بهدوء جنب الشباك.
ابن عمي شريف كان بيتكلم عن «إعادة تنظيم العيلة».
ورجل أعمال وسياسي أنا اللي ساعدته يبني نفوذه، كان بيأكد لهم إنه مستعد يدعمهم وقت انتقال السلطة.
والمحامي بتاعي كان بيتكلم عن السيطرة المؤقتة على الشركات والحسابات والأملاك، كأن جسمي خلاص بقى جثة لرجل ميت.
وبعدين جت خطيبتي، نادين.
كانت بتمثل الحزن ببراعة كل ما الممرضات يكونوا موجودين.
فستان أسود.
من غير أحمر شفايف.
ودمعة واحدة متحطوطة بعناية على خدها.
لكن أول ما بقينا لوحدنا، صوتها الحقيقي ظهر.
قالت:
«كان المفروض تمضيلي على كل حاجة لما طلبت منك.»
تاني يوم، سمعتها بتقول عليّ إني راجل عجوز.
وأنا عندي ستة وأربعين سنة.
وبعدين، في عصر اليوم الخامس، قربت مني لدرجة إني قدرت أشم ريحتها.
وهمست:
«موت قبل يوم الجمعة يا ياسين. الفلوس بتتحرك أسرع لما نفسك يوقف.»
الجملة دي أكدت كل حاجة.
أو تقريبًا كل حاجة.
بعد ما نادين خرجت بثلاث دقايق، دخلت خطوات أهدى.
«يا أستاذ ياسين؟»
عرفت الصوت فورًا.
سماح.
كانت بتنضف بيتي الكبير في القاهرة بقالها ست شهور، ودايمًا بتتحرك بين الأوض بهدوء لدرجة إن ناس زي نادين كانوا بالكاد بياخدوا بالهم من وجودها.
سماح بدلت زهور الزنبق البيضا اللي جنب سريري.
وهمست:
«أنا بكره الورد ده… ريحته زي دار جنازات بتحاول تمثل إنها قاعة فرح.»
لأول مرة من خمس أيام، كنت على وشك أبتسم.
وبعدين رفعت الغطا فوق كتفي.
مش عشان حد كان بيتفرج.
ولا عشان تعمل نفسها مهتمة.
بس لأنها افتكرت إني ممكن أكون بردان.
وهمست سماح:
«أنا سمعتها.»
كل حواسي اشتغلت في لحظة.
قربت خطوة.
وقالت:
«وسمعت الآنسة نادين كمان امبارح. كانت بتقول إن الحزن ملوش لازمة غير لو حد صوره.»
صوتها بدأ يرتعش.
«أنا عارفة إن الناس اللي زيي بيتقبض لهم عشان يمثلوا إنهم مش بيسمعوا حاجة.»
وسكتت لحظة.
«بس اللي قالته دلوقتي…»
بلعت ريقها بصعوبة.
«ده ماكانش حزن.»
سكت المكان كله.
وبعدين قالت بصوت واطي:
«ده كان عدّ تنازلي.»
قلبي دق مرة واحدة، أقوى من الطبيعي.
سماح قربت أكتر من السرير.
وقالت بصوت شبه هامس:
«لو حضرتك سامعني يا أستاذ ياسين، عايزاك تفهم حاجة.»
ووطت صوتها أكتر:
«أنا أعتقد إنهم بيخططوا يخلصوا عليك قبل ما ييجي اليوم اللي الحادث ماقدرش يخلص فيه عليك.»
وفجأة حسيت بصوابعها بتلمس إيدي تحت الغطا.
اتجمدت مكانها.
لأن صباعي الصغير اتحرك.
حركة بسيطة جدًا.
بس كفاية.
سماح شهقت، ووشها شحب.
فتحت عيني.
ولأول مرة من خمس أيام، نطقت.
وقلت لها بصوت خافت:
«اقفلي الباب.»
حكايات شروق خالد
سماح فضلت واقفة مكانها، بتبصلي كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
أنا حطيت صباعي على بوقي وقلت لها بهمس:
«ولا كلمة… لو حد سمعنا، إحنا الاتنين هنموت.»
هزت راسها بسرعة، وقربت من الباب وقفلت القفل.
رجعت ناحيتي وهي بتترعش.
«حضرتك… كنت صاحي طول الوقت؟»
بصيت لها من غير ما أرد.
قالت وهي بتحاول تستوعب:
«يعني كل اللي حصل… كل الناس اللي دخلت وخرجت… حضرتك سمعتهم؟»
قلت:
«سمعت كل حاجة.»
سماح حطت إيدها على صدرها.
«يا نهار أبيض…»
«نادين قالت إنها هتقتلني قبل الجمعة. يبقى النهارده إيه؟»
بصت للساعة.
«الأربعاء.»
غمضت عيني لحظة.
«يعني قدامي يومين.»
سماح قربت وقالت:
«مش يومين يا أستاذ ياسين.»
فتحت عيني وبصيت لها.
«ليه؟»
قالت:
«لأني سمعت حاجة أخطر.»
سكتُّ.
«إيه؟»
بصت ناحية الباب، وبعدها قالت:
«النهارده الصبح، قبل ما نادين تدخل لحضرتك، سمعتها بتتكلم مع الدكتور سامح.»
اتشد جسمي كله.
«الدكتور سامح؟»
«أيوه.»
«قالوا إيه؟»
سماح قربت مني أكتر.
«قالت له إن الجرعة لازم تتاخد الليلة.»
فضلت ساكت.
«أي جرعة؟»
«ماعرفش. بس الدكتور قال لها إن جسم حضرتك ضعيف وممكن ما يستحملش.»
قبضت إيدي.
الدكتور سامح كان طبيبي الخاص من سبع سنين.
راجل كنت بثق فيه أكتر من ناس كتير من عيلتي.
قلت:
«يبقى الخيانة أكبر مما كنت فاكر.»
سماح بصتلي وقالت:
«أنا كنت عارفة إن في حاجة غلط من يوم الحادث.»
«ليه؟»
«عشان قبل الحادث بيوم، سمعت نادين بتتكلم مع الأستاذ شريف.»
«ابن عمي؟»
هزت راسها.
«كانت بتقوله: لو ياسين مات، الشركة هتروح لمين؟»
سكت لحظة.
«وقال لها إيه؟»
«قال لها: متقلقيش… كل حاجة متظبطة.»
بصيت للسقف وأنا بحاول أجمع الخيوط.
الحادث.
نادين.
شريف.
الدكتور سامح.
والمحامي.
كل واحد فيهم كان عنده سبب.
لكن كان فيه سؤال واحد مش لاقي له إجابة.
مين صاحب الخطة؟
قلت:
«سماح، أنا محتاج منك خدمة.»
«أي حاجة.»
«هتخرجي من هنا دلوقتي، وتتصرفي طبيعي جدًا.»
هزت راسها.
«بس لو حد سألك، تقولي إنك جيتي تغيري الورد وملقتيش أي حاجة غريبة.»
«حاضر.»
«وبعدها تروحي مكتبي القديم.»
اتوترت.
«مكتب حضرتك؟»
«أيوه. فيه خزنة صغيرة ورا اللوحة اللي عليها صورة والدي.»
«عايزاني أجيب إيه؟»
«فلاشة سودا.»
بصتلي باستغراب.
«هتلاقي عليها تسجيلات ومعلومات عن حسابات الشركة.»
«وبعدين؟»
«هتجيبيها هنا من غير ما حد يشوفك.»
سماح سكتت لحظة، وبعدها قالت:
«ولو حد شافني؟»
بصيت في عينيها.
«متخليش حد يشوفك.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم خوفها.
«حاضر.»
وقبل ما تخرج، مسكت إيدها.
«سماح.»
بصتلي.
«لو حصل لي أي حاجة…»
قاطعتني فورًا.
«مش هيحصل.»
«اسمعيني.»
سكتت.
قلت:
«لو حصل لي أي حاجة، الفلاشة دي تروحي بيها للشرطة.»
هزت راسها.
لكن قبل ما تفتح الباب، سمعنا صوت خطوات في الممر.
سماح اتجمدت.
وأنا رجعت غمضت عيني فورًا.
الباب اتفتح.
دخل الدكتور سامح.
ورا منه نادين.
سمعت صوتها وهي بتقول:
«هو لسه زي ما هو؟»
الدكتور رد:
«أيوه. مفيش أي تغيير.»
نادين قربت من السرير.
حسيت بإيدها على وشي.
وبعدين قالت للدكتور:
«يبقى نعملها الليلة.»
الدكتور اتردد.
«نادين، أنا مش مرتاح.»
ضحكت ضحكة باردة.
«إنت قبضت تمن شغلك.»
سكت.
قالت:
«لو رجعت دلوقتي، أنت أول واحد هيتحاسب.»
الدكتور تنهد.
«الجرعة دي ممكن توقف قلبه.»
قالت بهدوء:
«وده المطلوب.»
قلبي كان بيصرخ، لكن جسمي فضل ساكن.
وبعدين سمعتها تقول:
«بس قبل ما يموت… عايزة أتأكد من حاجة.»
سكتت لحظة.
ثم همست:
«عايزة أعرف هو سمع إيه قبل الحادث.»
فتح الدكتور درج الطاولة.
سمعت صوت زجاجة صغيرة.
وقالت نادين:
«لو كان فاكر أي حاجة، لازم يموت وهو ساكت.»
ثم اقتربت مني أكثر.
وقبل ما تحقن الدواء، سمعتها تقول:
«الغريب يا ياسين… إني طول عمري كنت فاكرة إنك أذكى من كده.»
ابتعدت لحظة.
ثم قالت:
«بس واضح إنك أخطأت لما وثقت في البنت اللي بتنضف بيتك.»
اتجمد الدم في عروقي.
سماح كانت لسه واقفة عند الباب.
نادين التفتت ناحيتها.
«إنتِ… استني.»
سماح وقفت.
نادين بصت لها بشك.
«إنتِ كنتِ بتقولي له إيه قبل ما ندخل؟»
سماح حاولت تخبي ارتباكها.
«ولا حاجة يا هانم… كنت بغير الورد.»
نادين قربت منها.
وبصت في إيديها.
ثم قالت:
«افتحي إيدك.»
سماح فتحت إيديها.
نادين ضيقت عينيها.
«إنتِ خايفة ليه؟»




