
رجل أعمال مصري ماعرفش ينام نوم هادي لمدة تلات سنين، لحد ما بنت مدبرة بيته الصغيرة دخلت أوضته، وعملت حاجة كل الدكاترة فشلوا يعملوها.
وبحلول الصبح، جملة بريئة واحدة من الطفلة كشفت فرد من عيلته كان محتاجه يفضل ضعيف ومُنهك.
“يا أستاذ ياسين؟”
ياسين المنصوري رفع عينه ناحية باب أوضته.
كانت الساعة 12:14 بعد نص الليل.
واقفة عند الباب كانت ليلى، بنت مدبرة البيت، عندها تلات سنين، حافية، لابسة بيجامة صفرا عليها رسومات أسودان صغيرة، وحاضنة أرنب قماش رمادي قديم.
ياسين بص لها باستغراب.
— إنتِ ليه لسه صاحيه؟
ليلى بصت له ببراءة وقالت:
— وإنت ليه لسه صاحي؟
لأول مرة، ياسين ماعرفش يرد.
ولا حد كان بيجرؤ يكلمه بالطريقة دي.
رجالة كبار كانوا بيحسبوا كل كلمة قبل ما يقولوها قدامه. ورغم إن الصحف كانت بتتكلم عنه باعتباره رجل أعمال ناجح في مجال المقاولات والاستيراد، إلا إن الناس اللي تعرفه كويس كانت عارفة إن ياسين المنصوري مش مجرد رجل أعمال.
كان صاحب نفوذ كبير، ورجل الكل بيحسب له ألف حساب.
لكن ليلى ماكانتش تعرف أي حاجة عن الكلام ده.
هي ببساطة دخلت الأوضة.
— ماما بتقول إنك مش بتنام.
ياسين عقد حواجبه.
— أمك قالتلك كده؟
ليلى هزت راسها.
— لأ… طنط سامية.
ياسين تنهد.
طبعًا.
— طيب ارجعي نامي يا ليلى.
لكنها بدل ما تخرج، قربت من السرير وطلعت عليه بكل ثقة.
— أنا عارفة أخليك تنام.
لأول مرة من شهور، ياسين حس إنه عايز يضحك.
تلات سنين.
تلات سنين وهو مش عارف ينام بشكل طبيعي.
دكاترة كتير كشفوا عليه.
تحاليل وأشعات وأدوية غالية وتجارب علاج مختلفة.
ولا حاجة نفعت.
بقى عصبي بشكل مخيف، إيده ساعات كانت بترتعش، وتركيزه ضعف، وذاكرته بقت تخونه.
وفي الوقت نفسه، أخوه الأصغر كريم بدأ ياخد مسؤوليات أكتر في الشغل.
اجتماعات.
عقود.
حسابات.
فلوس.
ومع كل يوم كان ياسين بيتعب فيه، كان كريم بيزيد نفوذه.
ليلى حضنت الأرنب بتاعها وحطته تحت دقنها.
— إنت محتاج حدوته.
ياسين بص لها.
— وأنا محتاجك ترجعي سريرك.
لكن ليلى بدأت تحكي من غير ما تسمع كلامه.
— كان يا ما كان، فيه أسد كبير عايش في غابة، وكان فاكر إنه لازم يفضل صاحي طول الليل عشان يحمي بيته…
ياسين ماقاطعهاش.
صوتها الصغير امتزج بصوت المطر اللي كان بيخبط على شباك الأوضة.
— الأسد كان بيخاف يغمض عينه، عشان كان فاكر إن لو نام، حد هييجي يأذي اللي بيحبهم.
ياسين فضل باصص لها.
ليلى كملت:
— لحد ما أرنب صغير قاله: “إنت مش هتقدر تحمي حد لو إنت تعبان ومش قادر تقف.”
الكلمات البسيطة دخلت جواه بشكل غريب.
ولأول مرة من تلات سنين، ياسين حس إن جسمه استسلم للتعب.
ماعرفش إمتى قفل عينه.
ولما فتحها…
كانت الشمس مالية الأوضة.
ياسين بص للسقف للحظات، وبعدين بص للساعة.
7:41 الصبح.
اتجمد.
سبع ساعات.
هو نام سبع ساعات كاملة من غير ما يصحى مرة واحدة.
سبع ساعات متواصلة.
حاجة الدكاترة ماقدروش يعملوها معاه خلال تلات سنين.
ليلى كانت نايمة جنبه، وحاضنة الأرنب.
وبعد شوية فتحت عينيها.
ابتسمت وقالت:
— إنت نمت عشان ما شربتش الشاي الوحش.
ابتسامة ياسين اختفت.
بص لها بتركيز.
— شاي إيه؟
ليلى أشارت ناحية المكتب.
— الشاي اللي عمو كريم بيجيبهولك.
عين ياسين راحت ناحية الكوباية اللي كانت موجودة على المكتب.
الكوباية اللي ما لمسهاش الليلة اللي فاتت.
سألها بهدوء:
— وإنتِ شفتي إيه؟
ليلى فركت عينيها وقالت بمنتهى البراءة:
— شوفته امبارح وهو بيحط نقط في الشاي.
الغرفة كلها سكتت.
ياسين حس ببرودة بتسري في جسمه.
تلات سنين.
تلات سنين وكريم هو اللي بيجيب له الشاي تقريبًا كل ليلة.
تلات سنين وصحته بتتدهور، بينما كريم كان بيزيد سيطرته على الشركة والحسابات والعيلة.
كل حاجة بدأت فجأة تركب جنب بعض.
التعب.
الأرق.
الرعشة.
ضعف التركيز.
تغير المزاج.
ياسين بص للكوباية مرة تانية.
وبعدين بص لليلى.
طفلة عندها تلات سنين بس، لاحظت حاجة عشرات الأطباء ماخدوش بالهم منها.
مد إيده لموبايله.
ليلى سألته:
— هتقول لعمو كريم؟
ياسين سكت لحظة.
وبعدين قال:
— لأ.
ضغط على رقم شخص واحد بس.
رجل من رجاله القدام، شخص كان ياسين واثق إنه مش هيسلمه لأي حد.
أول ما الخط اتفتح، قال ياسين بصوت منخفض:
— تعالى البيت فورًا.
سكت لحظة، وعينه ثابتة على كوباية الشاي.
ثم أضاف:
— ومحدش يعرف إنك جاي.
قفل المكالمة.
وبص ناحية باب الأوضة.
لأول مرة من تلات سنين، ياسين ماكانش بيفكر في إزاي ينام.
كان بيفكر في سؤال واحد:
مين من عيلته كان بيحاول يقتله ببطء؟
حكايات شروق خالد
بعد حوالي عشرين دقيقة، سمع ياسين صوت عربية بتقف قدام البيت.
قام من السرير بهدوء، ولبس الروب، وبعدين بص لليلى.
— ليلى، تعالي هنا.
الطفلة قربت منه وهي ماسكة أرنبها.
— نعم؟
— اللي شوفتيه امبارح، ماتقوليش لحد عليه.
ليلى هزت راسها.
— حتى ماما؟
ياسين سكت لحظة.
— حتى مامتك.
هزت راسها تاني، وكأنها فهمت إن الموضوع لعبة سرية.
خرج ياسين من الأوضة وقفل الباب وراه.
في الدور الأرضي، كان رجله القديم، حمدي، مستنيه.
أول ما شاف وش ياسين، عرف إن الموضوع خطير.
— في إيه يا باشا؟
ياسين حط كوباية الشاي قدامه.
— دي تتفحص من غير ما حد يعرف.
حمدي بص للكوباية، وبعدها رفع عينه.
— شاكك في حد؟
— مش شاكك.
صوته بقى أبرد.
— أنا شبه متأكد.
حمدي فهم من نبرة صوته إن فيه خيانة.
— مين؟
ياسين رد من غير تردد:
— كريم.
حمدي اتصدم.
— أخوك؟
— عشان كده الموضوع أخطر.
سكت شوية، وبعدين قال:
— عايز أعرف إيه اللي اتحط في الكوباية دي، وإمتى بدأ يتحط، ومين كان بيجيب الشاي، ومين كان بيدخل المطبخ.
حمدي أخد الكوباية بحذر.
— حاضر.
قبل ما يخرج، ياسين وقفه.
— حمدي.
— نعم؟
— محدش يلمس كريم.
حمدي فهم.
ياسين ماكانش عايز انتقام أعمى.
كان عايز الحقيقة كاملة.
في نفس الوقت، فوق، كانت ليلى بتلعب على السرير.
لكن فجأة الباب اتفتح.
كانت والدتها، نادية، واقفة.
— ليلى! إنتِ هنا؟
الطفلة جريت عليها.
— ماما!
نادية حضنتها، وبعدين بصت حواليها باستغراب.
— إنتِ دخلتي عند الأستاذ ياسين؟
ليلى هزت راسها.
— آه.
نادية اتوترت.
— قولتلك ماتطلعيش من الأوضة بالليل.
ليلى قربت من ودنها وقالت:
— بس أنا خليته ينام.
نادية ابتسمت رغمًا عنها.
— إزاي؟
ليلى حطت صباعها على بوقها.
— سر.
قبل ما نادية تسألها، سمعت صوت خطوات في الممر.
دخل كريم.
— صباح الخير.
نادية وقفت بسرعة.
— صباح النور يا أستاذ كريم.
كريم بص ناحية السرير.
— أخويا صاحي؟
— معرفش.
ردت نادية وهي بتحاول تبان طبيعية.
كريم ابتسم.
— غريبة.
وبعدين بص للكوباية الفاضية على المكتب.
ملامحه اتغيرت للحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكن نادية لاحظتها.
كريم سأل:
— الكوباية دي مين شالها؟
نادية ردت:
— معرفش.
كريم قرب من المكتب.
لمس مكان الكوباية، وبعدين قال:
— تمام.
وخرج.
لكن أول ما خرج من الأوضة، ابتسامته اختفت.
كان فيه حاجة غلط.
طوال تلات سنين، كان ياسين بيشرب الشاي اللي كريم بيجيبه له.
لكن الليلة دي…
الكوباية ما اتشربتش.
وفي الوقت نفسه، في غرفة المكتب، كان ياسين واقف قدام شاشة الكمبيوتر.
فتح تسجيلات كاميرات البيت.
بدأ يرجع التسجيلات يوم ورا يوم.
وبعد دقائق، ظهر كريم في المطبخ.
كان داخل لوحده.
بص حواليه.
فتح درج صغير تحت الرخامة.
طلع منه زجاجة صغيرة.
وقربها من كوب الشاي.
ياسين وقف التسجيل.
إيده اتقبضت.
لكن بدل ما يواجهه، كمل المشاهدة.
ظهر كريم وهو بيبص ناحية باب المطبخ.
ثم دخل شخص آخر.
ياسين قرب من الشاشة.
الشخص كان مقنعًا، لكن طريقة مشيته كانت مألوفة جدًا.
ضغط ياسين على زر التكبير.
ثم اتسعت عيناه.
— مستحيل…
الشخص اللي ظهر في التسجيل ماكانش غريب.
كان واحد من أقرب الناس ليه.
وكان آخر شخص يتوقع إنه متورط.
في اللحظة نفسها، موبايل ياسين رن.
حمدي.
رد فورًا.
— قول.
صوت حمدي كان متوتر.
— يا باشا، التحليل المبدئي وصل.
ياسين سكت.
— المادة اللي في الشاي كانت بتسبب أرق شديد، رعشة، ضعف في التركيز، وإجهاد عصبي متراكم.
ياسين قفل عينه لحظة.
كل أعراض السنين اللي فاتت.
حمدي كمل:
— وفي حاجة أخطر.
— إيه؟
— لو استمر عليها فترة أطول، كان ممكن يحصل له انهيار خطير في جسمه.
ياسين بص للشاشة.
— يعني كانوا بيقتلوني بالراحة.
حمدي سكت.
— أيوه.
ياسين قفل المكالمة.
في اللحظة دي، سمع صوت خطوات خلفه.
استدار.
كان كريم واقف عند الباب.
ووشه هادي جدًا.
— صباح الخير يا أخويا.
ياسين قفل شاشة الكمبيوتر بهدوء.
— صباح النور يا كريم.
كريم ابتسم.
— شكلك أحسن النهارده.
ياسين رد:
— نمت كويس.
الابتسامة اختفت من على وش كريم للحظة.
— نمت؟
— سبع ساعات.
كريم قرب خطوة.
— من غير الشاي؟
ياسين رفع عينه له.
وبهدوء قال:
— أيوه.
الصمت اللي حصل بعدها كان كافي يخلي كريم يفهم إن اللعبة اتغيرت.
لكن قبل ما أي واحد فيهم يتكلم، سمعوا صوت ليلى من الممر:
— عمو كريم!
كريم بص ناحية الباب.
ليلى جريت عليه، وحضنته.
— إنت اللي بتحط النقط في الشاي؟
الدم تجمد في وش كريم.
وياسين…
فضل واقف مكانه.
لأول مرة، شاف الخوف الحقيقي في عيون أخوه.
حكايات شروق خالد




