
قال للسائق:
“شنطة الإسعافات.”
السائق مد إيده بعلبة صغيرة.
الراجل أخدها وفتحها.
قرب مني.
اتراجعت فورًا للخلف.
“ماتلمسنيش.”
وقف مكانه.
ما حاولش يقرب.
قال بهدوء:
“مش هلمسك. بس إيدك محتاجة تتربط.”
فضلت باصة له.
ولأول مرة ركزت في ملامحه.
كان في أواخر الثلاثينات تقريبًا.
طويل، عريض الكتفين، وشعره أسود مرتب.
ملامحه جامدة، لكن مش مخيفة بالطريقة اللي كان بيخوفني بيها مراد.
الخوف منه كان مختلف.
أهدى.
وأخطر.
قلت:
“إنت مين؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“سليم الجارحي.”
الاسم وقع عليا كأنه صدمة.
سليم الجارحي.
أنا سمعت الاسم ده قبل كده.
كتير.
كان واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر.
لكن اسمه ما كانش مرتبط بس بالاستثمارات.
كان معروف إنه ما بيدخلش معركة ويخرج منها خسران.
أبويا نفسه كان مرة بيقول:
“الجارحي ده لو دخل صفقة، لازم تعرف إن في حاجة إحنا مش شايفينها.”
بصيت له بخوف.
“إنت… سليم الجارحي؟”
رفع حاجبه.
“واضح إنك سمعتي عني.”
قلت بسرعة:
“مين ما سمعش عنك؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
“كويس.”
مد لي قطعة شاش.
“اربطي إيدك.”
أخدتها منه.
وأنا بلف الشاش حوالين كفي، سألني:
“مين كانوا؟”
سكت.
“مين اللي كانوا بيجروا وراكي؟”
بصيت من الشباك.
البيت كان اختفى من وراينا.
لكن صور نجلاء وهي قاعدة على السفرة لسه قدامي.
قلت:
“مرات أبويا.”
سليم ما اتكلمش.
فكملت:
“هي اللي بعتتهم.”
“ليه؟”
ضحكت ضحكة مكسورة.
“علشان كنت ههرب من جوازة.”
بصلي.
“جوازة مين؟”
“راجل عنده واحد وستين سنة.”
وشه ما اتحركش.
“مراد الشناوي.”
لأول مرة، حاجة صغيرة جدًا اتغيرت في عينيه.
“مراد الشناوي؟”
هزيت راسي.
“آه.”
سكت.
وبعدين قال:
“إنتِ بنت محمود عبد الرحمن؟”
اتجمدت.
“إنت عرفت أبويا؟”
ما جاوبش فورًا.
بص من الشباك.
وبعدين قال:
“كنت أعرفه.”
قلبي دق أسرع.
“إزاي؟”
“أبوكي كان بينوي يبيع جزء من شركته لمجموعة الجارحي قبل وفاته.”
بصيت له بدهشة.
“أنا ما كنتش أعرف.”
قال:
“واضح إن في حاجات كتير ما تعرفيهاش.”
الكلمة دي خلتني أتضايق.
“أنا عارفة إن مرات أبويا بتسرق الشركة.”
سليم بصلي.
“متأكدة؟”
طلعت موبايلي من جيبي.
الشاشة كانت مبلولة، لكن اشتغلت.
فتحت فولدر مشفر.
“عندي التحويلات.”
وبعدين فتحت صور العقود.
“وعندي العقود.”
وبعدها صورة لمحضر مجلس إدارة.
“وده محضر متزور.”
سليم مد إيده.
“وريني.”
ناولته الموبايل.
فضل يقلب في الصور واحدة ورا التانية.
وشه كان بيزداد جمودًا.
بعد حوالي دقيقة، رفع عينيه.
“مين غيرك شاف الأدلة دي؟”
“ولا حد.”
“متأكدة؟”
“آه.”
“فين النسخ؟”
“ثلاث نسخ احتياطية.”
“فين؟”
ترددت.
“مش هقول.”
لأول مرة، ابتسم.
“ذكية.”
سكت شوية.
ثم سأل:
“والملف اللي هيتبعت الساعة 12؟”
بصيت له بصدمة.
“إنت عرفت إزاي؟”
قال بهدوء:
“لأنك مش أول واحدة تعمل نسخة مؤمنة من مستندات مهمة.”
حسيت لأول مرة إن وجودي في العربية دي مش صدفة.
قلت:
“إنت كنت تعرف إني ههرب؟”
“لا.”
“طب ليه وقفت؟”
بصلي مباشرة.
“لأنك كنتي لو ما وقفتش.”




