
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب كلمة واحدة.
المحامي العجوز، حمدي رفعت، حط الملف على الترابيزة.
سليم قرب منه.
“إنت اختفيت سبع سنين.”
حمدي رد بهدوء:
“كنت بحاول أفضل عايش.”
سليم فتح الملف.
أول ورقة كانت عقد قديم.
قلب الصفحة.
ثم الثانية.
وفجأة وقف.
“إيه ده؟”
قربت منه.
كان عقد شراكة.
اسم أبويا موجود.
لكن الاسم الثاني…
خلاني أرتجف.
مراد الشناوي.
بصيت لنجلاء.
“مراد كان شريك أبويا؟”
نجلاء ما ردتش.
حمدي قال:
“مش بس شريكه.”
قلب صفحة.
“كان شريكه في أول شركة أسسوها مع بعض.”
سليم رفع عينيه.
“وده قبل تأسيس شركة محمود عبد الرحمن الحالية.”
حمدي هز رأسه.
“بالضبط.”
قلت:
“طب ليه أبويا عمره ما قال لي؟”
حمدي بصلي بنظرة حزينة.
“لأنه كان بيحاول يحميكي.”
ضحكت بسخرية.
“يحمني من إيه؟”
حمدي سكت.
نجلاء هي اللي ردت:
“من مراد.”
بصيت لها باستغراب.
“إنتِ؟”
قالت:
“أيوه.”
لأول مرة من أول ما عرفتها، شفت الخوف في عينيها.
“أنا عارفة إنك مش هتصدقي.”
ضحكت.
“إنتِ حاولتي تجوزيني لمراد من كام ساعة!”
نجلاء نزلت عينيها.
“كنت بحاول أنقذ الشركة.”
صرخت:
“ببيعك لراجل عمره واحد وستين سنة؟!”
ردت:
“كنت فاكرة إن ده الحل الوحيد.”
سليم تدخل:
“كفاية.”
صوته كان هادي، لكنه أنهى الكلام.
بص لنجلاء.
“قولي الحقيقة.”
نجلاء رفعت عينيها.
“الحقيقة إن مراد هو اللي أجبرني.”
اتجمدت.
“أجبرك؟”
“هددني.”
سليم قال:
“بإيه؟”
نجلاء بدأت تبكي.
“بأخويا.”
حمدي تدخل:
“مراد كان ماسك عليه ملفات قديمة.”
سليم سأل:
“ملفات إيه؟”
نجلاء مسحت دموعها.
“تحويلات… شركات وهمية… حسابات بره مصر.”
بصيت لها.
“يعني أخوكي هو اللي كان بيسرق؟”
سكتت.
ثم قالت:
“أيوه.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
“وإنتِ كنتي عارفة؟”
“في البداية لأ.”
“وبعدين؟”
“عرفت.”
“وسكتِ؟”
نجلاء انهارت.
“كان عندي اختيار؟”
بصيت لها باحتقار.
“كان عندك اختيار إنك تحميني.”
ما ردتش.
سليم أخذ نفسًا عميقًا.
“ومراد كان عايز إيه من الجوازة؟”
نجلاء قالت:
“أسهمك.”
بصيت لها.
“أنا عارفة.”
“لأ.”
هزت رأسها.
“مش الأسهم بس.”
حمدي قال:
“مراد عايز حق التصويت الكامل على أسهمك.”
سليم فهم فورًا.
“عشان يسيطر على مجلس الإدارة.”
حمدي هز رأسه.
“وعشان يفتح الحسابات القديمة.”
سألت:
“أي حسابات؟”
حمدي فتح آخر صفحة.
“الحساب اللي أبوكي خباه قبل .”
سليم قال:
“فين؟”
حمدي أخرج مفتاحًا صغيرًا.
“في خزنة.”
قلت:
“فين الخزنة؟”
حمدي نظر إليّ.
“في بيت أبوكي القديم.”
اتسعت عيني.
“البيت اللي اتباع من سبع سنين؟”
“ما اتباعش.”
سليم قال:
“إزاي؟”
حمدي ابتسم لأول مرة.
“العقد اللي اتباع بيه البيت مزور.”
ساد الصمت.
سليم أخذ المفتاح.
“هنروح دلوقتي.”
قلت:
“دلوقتي؟”
“أيوه.”
نجلاء قالت بسرعة:
“ما ينفعش.”
سليم بص لها.
“ليه؟”
“لأن مراد أكيد مراقب البيت.”
سليم قال:
“وده سبب كفاية إننا نروح.”
—
بعد نصف ساعة…
كنا في العربية.
أنا وسليم وحمدي.
نجلاء رفضت تيجي.
قبل ما نمشي، قربت مني وقالت:
“لو عرفتي الحقيقة كاملة… هتكرهي أبوكي.”
وقتها ما فهمتش كلامها.
لكن الجملة فضلت معلقة في دماغي.
وصلنا للبيت القديم.
كان مهجور.
بوابة صدئة.
وشبابيك مكسورة.
دخلنا.
أول ما وطأت رجلي الصالة، حسيت إني رجعت طفلة.
كل حاجة كانت قديمة.
البيانو.
الصور.
المكتبة.
حتى الكرسي اللي كان أبويا بيقعد عليه.
مشيت ناحية المكتب.
حمدي قال:
“الخزنة ورا اللوحة.”
سليم شال اللوحة.
ظهر تجويف صغير.
حطيت المفتاح.
لكن ما اشتغلش.
سليم قرب.
“جربي تاني.”
جربت.
ولا حاجة.
حمدي قال:
“المفتاح مش للخزنة.”
“أمال لإيه؟”
بص للبيانو.
“للمفتاح اللي جوه.”
قربنا من البيانو.
فتحت الغطاء.
كان فيه درج صغير.
دخلت المفتاح.
تك.
الدرج اتفتح.
جواه مفتاح تاني.
ومعه ورقة.
أخدت الورقة.
كانت بخط أبويا.
قرأت:
“لبنتي مريم…”
توقفت.
مريم.
اسمي.
“لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مت.”
إيدي بدأت ترتعش.
“ما تثقيش في أي حد يقول لك إنه عارف الحقيقة.”
سليم وقف بعيد.
كملت.
“حتى سليم.”
رفعت عيني لسليم.
هو كان باصص لي.
ما اتحركش.
رجعت للورقة.
“لأن سليم كان موجود يوم اللي حصل.”
قلبي توقف.
بصيت له.
“إنت كنت موجود يوم أبويا؟”
سليم لم يرد.
قلت بصوت أعلى:
“سليم!”
قال:
“أيوه.”
“ليه ما قلتليش؟”
سكت.
“ليه؟!”
قال أخيرًا:
“لأن أبوكي طلب مني ما أقولش.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“كل الناس بتقول إن أبويا كان بيحاول يحميني!”
صرخت:
“طب مين اللي ؟!”
سليم قرب مني.
“مش أنا.”
“بس كنت موجود!”
“كنت موجود قبل الحادث.”
“وبعده؟”
صمت.
وهنا…
سمعنا صوت عربية برا.
سليم رفع إيده.
الكل سكت.
صوت باب العربية اتقفل.
وبعدين صوت خطوات.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
حمدي همس:
“مراد.”
سليم أشار لنا نستخبى.
لكن قبل ما نتحرك…
صوت مراد وصل من الصالة:
“عارف إنكم هنا.”
قلبي دق بعنف.
“مريم…”
قال اسمي.
“أبوك مات وهو بيحاول يخبي عنك الحقيقة.”
صمت لحظة.
ثم قال:
“وأنا جاي النهارده أقولك الحقيقة كلها.”
سليم وقف أمامي.
مراد دخل الغرفة.
لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.
المفاجأة كانت في الشخص اللي دخل وراه.
أخو نجلاء.
الرجل اللي كانت كل التحويلات بتوصل له.
وفي إيده مسدس.
مراد ابتسم.
“سليم الجارحي…”
ثم نظر لي.
“وأخيرًا قابلت بنت محمود عبد الرحمن.”
رفع المسدس.
وقال:
“دلوقتي هنفتح الخزنة.”
سليم وقف بثبات.
“مش هتقدر.”
مراد ضحك.
“إنت لسه فاكر إنك أقوى مني؟”
ثم أخرج هاتفه.
وضغط زرًا.
وفجأة…
وصلتني رسالة على موبايلي.
رسالة من رقم أبويا القديم.
فتحتها.
وكان فيها تسجيل صوتي.
ضغطت تشغيل.
وسمعت صوت أبويا بعد سبع سنين من :
“مريم… لو التسجيل ده وصلك، يبقى مراد عرف مكان الخزنة.”
سكت صوت أبي لحظة.
ثم قال:
“لكن أهم حاجة لازم تعرفيها…”
“مراد مش هو اللي .”
نظرت لسليم.
والتسجيل أكمل:
“اللي …”
“هو الشخص اللي أقرب لك من أي حد.”
وانقطع التسجيل.
ساد الصمت.
بصيت لكل الموجودين.
مراد.
أخو نجلاء.
حمدي.
ثم سليم.
ولأول مرة…
بدأ الشك يدخل قلبي ناحية الشخص الوحيد اللي أنقذني.
سليم الجارحي.
حكايات شروق خالد
فضلت باصة لسليم، وعقلي بيرفض يصدق اللي سمعته.
“الشخص اللي أقرب لك من أي حد…”
الجملة كانت بتتكرر في دماغي.
سليم لاحظ نظرتي.
قال بهدوء:
“ما تصدقيش التسجيل.”
صرخت:
“ده صوت أبويا!”
“عارف.”
“يبقى إنت عارف هو كان يقصد مين!”
سكت.
مراد ضحك من بعيد.
“أهو بدأ يفهم.”
سليم لف ناحيته.
“اقفل بوقك يا مراد.”
مراد ابتسم.
“لسه زي ما إنت… بتحب تعمل نفسك المنقذ.”
سليم اتحرك خطوة ناحيته.
لكن أخو نجلاء رفع المسدس.
“مكانك.”
سليم وقف.
مراد بص لي.
“مريم، أبوكي كان ذكي.”
“بس غلط غلطة واحدة.”
“إيه؟”
“وثق في الشخص الغلط.”
سليم قال:
“هو ما وثقش فيا.”
مراد ضحك.
“إنت متأكد؟”
ثم نظر لي.
“اسأليه عن الليلة اللي مات فيها أبوكي.”
بصيت لسليم.
“احكي.”
سكت.
“دلوقتي.”
أخذ نفسًا عميقًا.
“كنت مع أبوكي قبل الحادث بساعتين.”
“وبعدين؟”
“اختلفنا.”
“على إيه؟”
“كان عايز يخرج من صفقة.”
مراد قاطعه:
“صفقة غسل الأموال.”
سليم تجاهله.
“أبوك كان اكتشف إن في فلوس بتدخل الشركة من مصادر غير قانونية.”
بصيت لحمدي.
حمدي هز رأسه.
“صحيح.”
سليم كمل:
“حاول يوقف كل حاجة.”




