
كانت الشغالة بتبكي في مطبخ كبير العيلة… وفجأة قفل الباب بالمفتاح وسألها: مين اللي آذاكي؟
تكة المفتاح وهي بتلف في القفل كان ليها صوت زي ضرب النار في المطبخ الفاضي. “أميرة” اتسمرت في مكانها، وشفتها المفتوحة وجعتها أكتر وهي بتبص للباب الخشب التقيل.
كان “سلامة” واقف هناك. راجل الكلمة كلمته، بيحرك كبار البلد بكلمة منه، وبيخلص أحكام وخدمات تودي في داهية قبل ما يشرب شاي الصباح. عمر رجله ما وطت سكن الشغالين… لحد الليلة دي.
مازعقش. ماسحبش سلاحه. اكتفى إنه يبص للكدمة الزرقا الجديدة اللي على رقبتها، وسأل سؤال واحد بس: “مين اللي عمل فيكي كده؟”
الساعة تلاتة الفجر هي أصل الهدوء والموت في الليل. الوقت اللي أدرينالين اليوم كله بيهدى فيه، وما بيفضلش غير الوجع الصافي اللي بيسرح في العضم.
كانت “أميرة” واقفة قدام حوض الغسيل الكبير في مطبخ البدروم تحت الفيلا. الماية اللي نازلة على إيديها كانت تلج، بس مامدتوش إيدها تظبط الحنفية؛ الخدر اللي حسة بيه كان الحاجة الوحيدة اللي مخلياها ماسكة نفسها وشايلة رجليها.
في إيدها اليمين، كانت ماسكة سلكة خشنة، وبتمشي بيها في دوائر عنيفة على صينية نحاس نظيفة وزي الفل. هي مكنتش بتغسل الصينية، هي كانت بتحاول تغسل وتطير أثر الإيدين الخشنة اللي امتدت عليها… ورائحة السجاير الرخيصة، والرعب اللي حساه لما لقت نفسها ضعيفة ومحشورة بينه وبين الحيطة البلاط.
طلعت منها شهقة مكتومة. داست بأسنانه على شفتها المتورمة عشان تموت الصوت، فتذوقت طعم الدم. دموعها نزلت في سكات، تقع في ماية الصابون وتختفي.
المطبخ ده كان دايماً أمانها والملجأ بتاعها؛ بقية القصر الكبير فوقيها كان عبارة عن حصن مليان رجالة ساكتة ووشوشهم تقطّع الخميرة من الفول، يلبسوا نضارات وبدل شياكة وينقلوا شغل بلملايين وهم بياكلوا أحسن أكل.
أما “أميرة”، فكانت مجرد شغالّة بالأجر، خيال مآتة ولابسة المريلة. “وطي راسك، نضفي الزوايا، أوعي تبصي للرجالة، وخدي مظروف الفلوس كل جمعة.” دي كانت الشروط. وكانت صفقة مريحة بالمقارنة بـ كمية الديون والمصاريف بتاعة علاج أمها اللي سابتهالها.
بس الليلة دي… الخيال ده كان بينزف.
حكايات شروق خالد
انحنى “سلامة” بجسده الضخم قليلاً، وظله يمتد عبر أرضية السيراميك الباردة ليصل إلى قدميها الحافيتين. لم ينطق بحرف آخر، لكن صمته كان أثقل من أي تهديد.
سقطت السلكة من يد “أميرة” واستقرت في قاع الحوض بصوت مكتوم. كانت ترتجف، ليس من برودة الماء، بل من الهيبة المرعبة للرجل الواقف أمامها. كان يرتدي قميصاً أسود مثنوي الأكمام، تظهر منه أوشام قديمة وآثار جروح غائرة، ويداه اللتان تتحكمان في سوق بأكمله كانت تتصلبان الآن بجانب جسده.
“أنا… أنا وقعت على السلم يا باشا،” زمزمت بصوت خافت ومتهدج، وهي تحاول تغطية رقبتها بياقة المريلة بكسوف ورعب. “المطبخ كان مبلول و…”
قطّع حديثها بخطوة واحدة بطيئة نحوها. لم يلمسها، بل مد يده الثقيلة وأمسك بطرف المريلة، ثم سحبها بهدوء ليجبر يديها على النزول. انكشفت الرقبة بالكامل؛ لم تكن كدمة سقطة عادية، بل كانت طبعة أصابع واضحة وعنيفة ليد رجل حاول كتم أنفاسها.
تغيرت ملامح “سلامة” في ثانية واحدة. اختفى الهدوء الظاهري، وظهر ذلك الوجه الذي يخشاه كبار السوق والتجار. نبرة صوته انخفضت لتصبح أقرب للفرقعة المكتومة:
“أنا مابحبش الكدب يا أميرة. والقصر ده مابيدخلوش حد غريب. مين من الرجالة اللي برة نسي نفسه والتطاوَل عليكي؟”
احتبست الأنفاس في حلقها. كانت تعلم قواعد اللعبة جيداً؛ إن نطقت باسم، ستندلع حرب في الفيلا، وإن سكتت، فستعيش بقية أيامها ترتعد من ذلك الظل الذي هاجمها عند بوابة المطبخ الخلفية.
“كان… كان ‘توفيق’…” همست بها وأخيراً أطلقت سراح دموعها الحبوسة. “حصرني عند مخزن البضاعة ورائحة الخمرة طالعة منه… ولما زقيته…”
لم تدع فرصة لها لتكمل. أغمض سلامة عينيه لثانية واحدة، ثم فتحهما بنظرة حادة كالصلب. “توفيق” كان دراعه اليمين، الرجل الذي يحرس شحناته ويرافقه في كل اجتماع مهم.
أخرج سلامة هاتفه الذكي من جيبه، وضغط على زر الاتصال السريع، ثم وضعه على أذنه دون أن يبعد عينيه عن عيني أميرة الخائفتين.
أتاه الصوت من الطرف الآخر فوراً: “يا باشا، أوامرك؟”
قال سلامة ببرود يرعب القلوب: “هات ‘توفيق’ وانزلوا لي البدروم حالاً… وهاجموا المخزن القديم اللي ورا. الشغل يتأجل… عندنا حساب لازم يتصفى الأول.”
حكايات شروق خالد
أغلق “سلامة” الهاتف ووضعه على الطاولة الرخامية بجانبه دون أن يرمش. كان صوته وهو يعطي الأمر أهدأ من اللزم، والهدوء في عالم سلامة يعني شيئاً واحداً فقط: العاصفة قادمة.
رجعت “أميرة” خطوة لورا لحد ما ضهرها خبط في الحوض، ونبضات قلبها كانت تسمعها في أذنيها. “يا باشا عشان خاطري… أنا مش قصدي أعمل مشكلة، أنا هلم حاجتي وأمشي الصبح بدري ومحدش هيشوف وشي تاني…”
نظرة واحدة من عينيه جعلت الكلمات تتجمد في حلقها.
“تمشي؟” قالها سلامة وهو يفك أزرار أكمامه ويثنيها بأناقة شديدة. “اللي يمد إيده على حد في بيتي، يبقى بيقل مني أنا يا أميرة. وأنا محدش بيقل مني ويطلع منها زي ما دخل.”
في تلك اللحظة، رنّ صوت خطوات ثقيلة ومستعجلة تنزل على السلم الخرساني المؤدي للبدروم. انفتح الباب الجانبي بحدة، ودخل اثنان من رجال الحراسة الضخام، ووسطهم كان “توفيق”.
كان توفيق يرتدي سترته الجلدية السوداء، ووجهه مشدوداً بأثر الخمرة والتعب. دخل وهو يظن أن هناك حالة طوارئ تخص إحدى الشحنات، لكن خطواته تباطأت فوراً عندما وقعت عيناه على سلامة الواقف في منتصف المطبخ، وخلفه أميرة التي تنكمش على نفسها والدموع تملأ وجهها.
اختفت النظرة الشرسة من وجه توفيق وحلت محلها توجس حذر: “خير يا سلامة باشا؟ الرجالة قالوا إنك عايزني في شغل مستعجل…”
لم يرد عليه سلامة فوراً. مشى بخطوات بطيئة وموزونة نحو توفيق، والهدوء يسود المكان لدرجة أن صوت أنفاس أميرة المتسارعة كان الصوت الوحيد المسموع.
وقف سلامة أمامه مباشرة. كان يطوقه بالطول والهيبة.
سأله ببرود شديد: “إيدك اليمين دي… مسكت بيها إيه النهاردة يا توفيق؟”
تعلثم توفيق وتغيرت ألوان وجهه، وحاول الضحك بتكلف: “إيه يا باشا؟ مسكت بيها الشغل والحاجة اللي بتتحمل في العربيات زي ما أمرت…”




