
سكت.
لكن في اللحظة دي، موبايله رن.
رد من غير ما يقول “ألو”.
صوت راجل جه من الناحية التانية.
“يا سليم باشا، وصلنا البيت.”
سليم قال:
“والرجالة؟”
“هربوا.”
“اتعرفوا علينا؟”
“لأ.”
“كويس.”
قفل.
بصيت له.
“إنت عندك بيت؟”
قال:
“طبعًا.”
“أنا مش هروح بيتك.”
قال بمنتهى الهدوء:
“مش هتروحي بيتي.”
تنفست براحة.
“هنروح مكان آمن.”
فضلت ساكتة.
بعد دقائق، العربية دخلت بوابة حديد ضخمة.
بصيت من الشباك.
مبنى كبير محاط بحراسة.
مش فيلا.
كان أقرب لمقر محصن.
العربية وقفت.
سليم نزل الأول.
وبعدين فتح الباب من ناحيتي.
قال:
“انزلي.”
نزلت وأنا بحاول ما أحطش رجلي المصابة على الأرض.
لاحظ.
مد إيده.
اترددت.
قال:
“مش هعمل حاجة.”
مسكت إيده.
رفعني بسهولة.
وأنا واقفة قدامه، سمعت صوت أحد الحراس:
“يا باشا، الدكتور مستني.”
دخلنا.
بعد دقائق، الدكتور نظف جروحي وخيط الجرح الموجود في كفي.
كنت بحاول أكون ثابتة.
لكن أول ما الألم زاد، دموعي نزلت غصب عني.
سليم كان واقف عند الباب.
ما قالش حاجة.
ولما الدكتور خلص، قال:
“مفيش كسر. بس لازم ترتاح.”
سليم هز راسه.
الدكتور خرج.
فضلنا لوحدنا.
قلت:
“أنا لازم أمشي.”
“فين؟”
“أي مكان.”
“الساعة اتنين الفجر.”
بصيت له.
“مش هقدر أرجع.”
قال:
“أنا عارف.”
“ومش هقدر أفضل هنا.”
“مش هتفضلي.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“لكن قبل ما تمشي، في حاجة لازم تعرفيها.”
قلبي انقبض.
“إيه؟”
طلع موبايله.
فتح رسالة.
ومد الشاشة ناحيتي.
الرسالة كانت من رقم مجهول.
قرأتها.
«البنت هربت من البيت، لكن ما تقلقش… إحنا عرفنا هي راحت فين.»
رفعت عيني له.
“إنت…”
قال بهدوء:
“الرسالة وصلت لي من سبع دقايق.”
حسيت بالدم اتجمد في عروقي.
“يعني… عرفوا إني هنا؟”
“غالبًا.”
“إزاي؟”
سليم بص ناحية الشباك.
“السؤال مش إزاي عرفوا.”
رجع بصلي.
“السؤال الحقيقي…”
وقف لحظة.
“مين اللي كان بيراقبك من قبل ما تهربي؟”
ما قدرتش أرد.
وفجأة…
سمعنا صوت ارتطام قوي من بره.
وبعده مباشرة…
صوت طلقة.
الدكتور رجع يجري ناحية الباب.
الحراس انتشروا في المكان.
سليم ما اتحركش.
بس قال جملة واحدة:
“خدوا البنت للغرفة الآمنة.”
حارسان دخلوا.
مسكوني من إيدي.
لكن قبل ما أتحرك، بصيت لسليم.
“إنت هتفضل هنا؟”
قال:
“أنا مش بخاف من اللي بييجوا لي.”
ثم أضاف بصوت أبرد:
“أنا بخليهم هم اللي يخافوا.”
خرج الحراس بيا.
وأول ما دخلت الغرفة الآمنة…
سمعت من بعيد أصوات ضرب نار متقطعة.
وبعد دقائق…
سكت كل شيء.
افتكرت إن الهجوم انتهى.
لكن بعدها بدقيقة، الباب اتفتح.
دخل سليم.
كان هادي.
لكن في إيده ورقة.
رمى الورقة قدامي.
“لقيتها مع واحد من اللي هاجمونا.”
بصيت للورقة.
كانت صورة قديمة.
صورة ليا وأنا طفلة، واقفة جنب أبويا.
قلبي وقف.
وفي ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة بخط إيد أبويا:
“لو حصل لي حاجة… سليم هو الوحيد اللي أثق فيه.”
رفعت عيني ببطء.
“إنت كنت عارف أبويا كويس للدرجة دي؟”
سليم سكت.
ثم قال:
“أكتر مما تتخيلي.”
وبص للصورة.
“وأنا عارف كمان إن أبوكي ما ماتش بسبب حادث.”
اتجمدت.
“إيه؟”
اقترب خطوة.
وقال:
“أبوكي .”
وفي اللحظة دي…
عرفت إن اللي كنت فاكرة إنها مجرد محاولة لبيع الشركة والجواز…
كانت في الحقيقة بداية سر أكبر بكتير.
سر بدأ قبل وفاة أبويا…
وسليم الجارحي كان جزء منه من البداية.
بصيت لسليم وأنا مش قادرة أتكلم.
الكلمة فضلت تلف في دماغي.
“أبوكي .”
قربت منه خطوة.
“إنت بتقول إيه؟”
حط الصورة على الترابيزة.
“أبوكي ما ماتش في حادث العربية زي ما قالوا لك.”
هزيت راسي بعنف.
“لأ… أنا كنت موجودة يومها. قالوا إن الفرامل باظت.”
“الفرامل ما باظتش.”
سكت.
“تم التلاعب بيها.”
حسيت إن رجلي ما عادتش شايلاني.
قعدت على الكرسي.
“مين؟”
سليم فضل ساكت.
صرخت:
“مين أبويا؟!”
قال بهدوء:
“لسه ما عنديش الدليل الكامل.”
“بس عندك شك.”
“عندي أكتر من شك.”
قرب من الترابيزة وفتح ملف أسود.
“بعد أبوكي بأسبوع، نجلاء بدأت تسحب صلاحيات من مجلس الإدارة.”
قلب صفحة.
“بعد شهر، ظهرت أول شركة استشارية وهمية.”
صفحة تانية.
“وبعدها بدأت التحويلات.”
بصيت للورق.
كل حاجة كانت مطابقة للأرقام اللي أنا اكتشفتها.
قلت:
“يعني نجلاء أبويا؟”
“ما قولتش كده.”
“بس إنت شاكك فيها.”
“أنا شاكك إن نجلاء تعرف أكتر مما بتقول.”
سكت شوية.
ثم سألني:
“إنتِ فاكرة آخر مرة شوفتي أبوكي قبل الحادث؟”
حاولت أفتكر.
كان عندي عشر سنين وقتها.
ذكريات متقطعة.
أبويا كان متوتر.
بيتكلم في التليفون بصوت واطي.
وفي الليلة دي دخل أوضتي.
قعد جنبي على السرير.
وقتها قال لي جملة غريبة.
“لو في يوم حد قالك إن أبوكي كان شخص وحش… ما تصدقيش.”
بصيت لسليم.
“قال لي كده.”
وشه اتغير.
“إمتى؟”
“قبل بيوم.”
سليم سكت تمامًا.
وبعدين قال:
“كان عارف.”
“عارف إيه؟”
“إنهم بيراقبوه.”
حسيت بقشعريرة.
“مين هم؟”
ما ردش.
فتح درج مكتبه وأخرج ظرف بني قديم.
حطه قدامي.
“أبوكي سابه عندي.”
مديت إيدي.
لكن قبل ما ألمسه، سليم قال:
“قال لي ما أفتحهش إلا لو حصل له حاجة.”
بصيت له.
“وإنت فتحته؟”
“من سبع سنين.”
“ليه؟”
“لأن وقتها بدأت أشك إن مش طبيعي.”
فتحت الظرف.
كان جواه فلاشة صغيرة.
وصورة.
والصورة كانت لأبويا…
ومعه شخص آخر.
شخص أعرفه.
شهقت.
“ده…”
سليم قال:
“أخو نجلاء.”
بصيت للصورة.
كان واقف جنب أبويا قدام مخزن تابع للشركة.
لكن اللي صعقني أكتر…
كان التاريخ المكتوب على الصورة.
قبل أبويا بيوم واحد.
قلت:
“ليه كانوا مع بعض؟”
سليم رد:
“لأن أبوكي اكتشف إن أخو نجلاء بيهرب فلوس من الشركة.”
حطيت إيدي على فمي.
“يعني هو كان أول واحد بدأ السرقة.”
“أيوه.”
“ونجلاء عرفت.”
“غالبًا.”
“ومرات أبويا أبويا علشان تخفي الموضوع؟”
سليم قال:
“لسه ما نقدرش نحكم.”
فجأة…
الموبايل اللي في جيبي اهتز.
طلعت الموبايل.
رقم مجهول.
رسالة واحدة:
“ابعدي عن سليم الجارحي لو عايزة تعيشي.”
بصيت لسليم.
هو لاحظ تعبير وشي.
“مين؟”
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة.
لأول مرة، الغضب ظهر في عينيه.
قال:
“الرقم ده جديد.”
“يعني إيه؟”
“يعني اللي باعت الرسالة مش نفس الشخص اللي بعت لي من شوية.”
اتوترت.
“كام واحد بيراقبني؟”
سليم بصلي.
“مش واحد.”
سكت لحظة.
“في ناس عايزة الأدلة.”
“وناس عايزة ؟”
“أيوه.”
بلعت ريقي.
“طب إنت ليه بتساعدني؟”
سليم ما جاوبش.
فضل باصص للصورة القديمة.
قلت:
“سليم.”
رفع عيني.
“ليه؟”
قال:
“علشان أبوكي أنقذ حياتي.”
اتصدمت.
“إزاي؟”
“من خمسة وعشرين سنة.”
جلس أمامي.
“كنت وقتها لسه في بداية شغلي. دخلت صفقة كبيرة مع مستثمرين أجانب. الصفقة اتقلبت ضدي، واتهموني بالاحتيال.”
“وأبويا؟”
“وقف جنبي.”
سكت.
“كان ممكن يخسر شركته علشاني.”
“وخسر؟”
هز رأسه.
“تقريبًا.”
ثم أضاف:
“قبل ما ، طلب مني وعد.”
“إيه؟”
“لو حصل له حاجة، أحمي بنته.”
حسيت بدموعي بتنزل.
“يعني أنا السبب إنك دخلت في الموضوع ده؟”
سليم بصلي بثبات.
“لأ.”
“أمال؟”
“أنا دخلت فيه قبل ما أشوفك الليلة دي.”
فتحت عيني.
“يعني إيه؟”
طلع ملف تاني.
“من تلات شهور، بدأت أحقق في شركة أبوكي.”
“ليه؟”
“لأن حد حاول يستخدم اسم شركتك في تحويلات بملايين الجنيهات.”
قلب الملف.
“والأغرب…”
حط ورقة قدامي.
“إن كل التحويلات كانت بتتم باستخدام توقيعك.”
اتجمدت.
“توقيعي؟”
“أيوه.”
“بس أنا ما وقعتش على أي حاجة!”
“عارف.”
“مين عمل كده؟”
سليم قال:
“ده اللي كنت بحاول أعرفه.”
سكت لحظة.
ثم نظر لي نظرة طويلة.
“وعشان كده لازم تفضلي هنا الليلة.”
قلت بسرعة:
“مش هينفع.”
“ليه؟”
“لأن الساعة قربت على 12.”
بص للساعته.
11:43.
اتوترت.
“الملف.”
سليم فهم فورًا.
“الملف المبرمج.”
هزيت راسي.
“لو أنا ما لغيتش الإرسال…”
وقبل ما أكمل، موبايله رن.
نظر للشاشة.
رقم خاص.
رد.
ما قالش حاجة.
بس استمع.
وبعد خمس ثواني، تغيرت ملامحه.
قال:
“أعد الكلام.”
الصوت في الناحية التانية قال شيئًا.
سليم وقف.
“إنت متأكد؟”
سكت.
ثم قفل المكالمة.
بصلي.
“في مشكلة.”
قلبي بدأ يخبط.
“إيه؟”
قال:
“الإيميل اتبعت.”
اتجمدت.
“إيه؟”
“الملف اتبعت قبل موعده بسبع دقايق.”
“لمين؟”
سليم لم يرد.
قلت بصوت مرتعش:
“لمين يا سليم؟”
مد لي الموبايل.
كان قد وصل إشعار جديد.
المرسل:
مجهول
المستلمون:
مجلس إدارة الشركة.
النيابة العامة.
ثلاثة بنوك.
و…
توقفت عيناي عند آخر اسم.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.
كان اسمًا لم أتوقع رؤيته أبدًا.
مراد الشناوي.
رفعت عيني لسليم.
“هو استلم الملف؟”
قال:
“أيوه.”
“يبقى هيعرف إني كشفت كل حاجة.”
“عارف.”
“وهيرجع يدور عليا.”
“غالبًا.”
“وساعتها…”
قاطعني:
“مش هيوصل لك.”
نظرت إليه.
لكن قبل أن أقول شيئًا…
جاء صوت طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
سليم التفت ناحية الباب.
الحراس كانوا واقفين في الخارج.
قال أحدهم:
“يا باشا…”
سليم قال:
“إيه؟”
جاء الرد:
“في عربية وصلت.”
“مين؟”
صمت الحارس لحظة.
ثم قال:
“نجلاء عبد الرحمن.”
اتسعت عيناي.
سليم بصلي.
“إزاي عرفت مكانك؟”
وقبل ما أجاوب…
سمعنا صوت نجلاء من خلف الباب.
“افتح يا سليم.”
صوتها كان هادي.
لكن الجملة اللي قالتها بعدها خلتني أتجمد:
“أنا مش جاية آخدها.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“أنا جاية أحذرها.”
سليم فتح الباب ببطء.
ظهرت نجلاء.
لكنها لم تكن وحدها.
كان بجانبها رجل مسن يحمل حقيبة سوداء.
أول ما شفته…
عرفته.
كان محامي أبويا القديم.
الرجل الذي اختفى بعد أبي.
بص لي وقال:
“أبوك قبل ما بساعتين… سلمني سر لو اتكشف، ناس كتير هتروح في داهية.”
ثم نظر إلى سليم.
“ومن ضمنهم… إنت.”
سليم لأول مرة فقد هدوءه.
“إنت بتتكلم عن إيه؟”
الرجل فتح الحقيبة.
وأخرج ملفًا قديمًا.
ثم قال:
“الحقيقة إن محمود عبد الرحمن ما كانش ضحية.”
بصيت له بصدمة.
“أمال كان إيه؟”
رد:
“كان الشاهد الوحيد على أكبر من سرقة الشركة.”
ثم أخرج ورقة.
” دي… بدأت قبل ما تولدي.”
حكايات شروق خالد




