
حسن بص للباب.
كان مفتوح.
وعلى الأرض كان فيه ظرف أبيض.
حسن انحنى وأخده.
كتب عليه:
“لسلمى عبد الرحمن.”
إيد سلمى بدأت ترتعش.
— ده… خط أبويا.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه صورة قديمة.
صورة لراجل واقف قدام محطة قطار.
سلمى أول ما شافت الصورة، شهقت.
— ده أبويا.
حسن بص للصورة.
وفي ظهرها كان مكتوب:
“لو وصلتك الصورة دي، يبقى أنا لسه عايش.”
سلمى دموعها نزلت.
— أبويا عايش…
وبعدها لقت ورقة صغيرة.
“يا بنتي، متدوريش عليا إلا لو حسن المنشاوي واقف جنبك.”
سلمى رفعت عينيها لحسن.
هو قرأ الجملة وسكت.
— ليه أنا؟
محمود قال من وراهم:
— عشان أبوك كان واثق إن حسن مش شبه أبوه.
حسن لف له.
— إنت كنت عارف؟
— عرفت من ساعة ما شفت الصورة.
— وإنت كنت ساكت؟
محمود بص للأرض.
— لأني كنت خايف.
سلمى سألت:
— خايف من مين؟
محمود رفع عينيه.
— من الراجل اللي أبويا… واللي فضل عايش بعد ما كلنا افتكرناه مات.
صمت حسن.
— مين؟
محمود قالها بصوت منخفض:
— رجب السيوفي.
سلمى اتجمدت.
— رجب؟!
— أيوه. رجب ماكانش بيحاول يشتري المخبز عشان الأرض بس.
حسن بص للصورة.
— كان بيدور على أبو سلمى.
محمود أومأ.
— وكان عارف إن أبوها عايش.
وفجأة تلفون سلمى رن.
رقم مجهول.
بصت لحسن.
— أرد؟
حسن قال:
— حطيه على السماعة.
ردت.
— ألو؟
صمت.
وبعدين جه صوت رجل كبير، مبحوح، متعب.
— سلمى؟
نَفَسها اتقطع.
— مين؟
— أنا أبوكي.
دموعها نزلت فورًا.
— بابا؟
— متعيطيش يا بنتي.
— إنت فين؟!
— اسمعيني كويس. الوقت ضيق.
حسن قرب من الهاتف.
— أنا حسن المنشاوي.
سكت الصوت لحظة.
وبعدين قال:
— عارف.
حسن اتوتر.
— تعرفني إزاي؟
— أبوك حكالي عنك.
سلمى مسكت إيد حسن.
صوت أبوها رجع:
— اسمعيني يا سلمى… الشخص اللي قدامك دلوقتي هو الوحيد اللي أقدر أثق فيه.
حسن سأل:
— وإنت فين؟
— في مكان محدش يقدر يوصل له.
— هات العنوان.
— مش دلوقتي.
سلمى صرخت:
— بابا، أنا دورت عليك خمستاشر سنة!
— وأنا كنت بدور عليكي كل يوم.
— طب ليه ما رجعتش؟
صمت طويل.
وبعدين قال:
— عشان كنت بحميكي.
سلمى شهقت.
— من مين؟
صوت أبوها اتغير.
— من أمك.
سلمى اتجمدت.
— أمي؟
حسن بص لها بصدمة.
والصوت أكمل:
— أمك ما ماتتش زي ما قالوا لك.
سلمى ماقدرتش تتكلم.
— هي عايشة.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت باب بيتفتح وراهم.
حسن لف بسرعة.
رجب السيوفي كان واقف عند مدخل المخبز، والابتسامة على وشه.
وقال:
— كفاية أسرار بقى… أنا جيت آخد بنتي.
حكايات شروق خالد
رجب السيوفي كان واقف عند الباب، وعينيه ثابتة على سلمى.
— كفاية أسرار بقى… أنا جيت آخد بنتي.
سلمى رجعت خطوة لورا.
— بنتك؟!
حسن وقف قدامها فورًا.
— إنت مالكش بنت هنا.
رجب ضحك بسخرية.
— وإنت بقى هتمنعني يا حسن؟
— لو قربت منها… أيوه.
رجب بص له بنظرة طويلة.
— أبوك كان أشجع منك.
حسن رد من غير تردد:
— وأنا مش أبويا.
في اللحظة دي، صوت أبو سلمى خرج من الهاتف:
— سلمى… متسمعيش كلامه.
رجب اتغيرت ملامحه.
— اقفلي التليفون.
سلمى مسكت الموبايل بقوة.
— لأ.
— قلت اقفليه!
حسن رفع .
— خطوة واحدة بس.
رجب سكت، لكن ابتسامته اختفت.
ومن ورا الباب، ظهرت قوات الشرطة.
صوت الضابط دوّى:
— رجب السيوفي! ارفع إيدك!
رجب بص حواليه، وعرف إن مفيش مخرج.
حاول يهرب ناحية الباب الخلفي، لكن محمود وقف في طريقه.
— المرة دي مش ههرب منك.
رجب بص له بغضب.
— إنت؟!
— أيوه. وأنا اللي هاشهد عليك.
بعد دقائق، كان رجب متقبض عليه، ومعاه كل الأدلة اللي كانت في الصندوق.
لكن سلمى ماكانش عندها غير سؤال واحد.
— بابا فين؟
الضابط قال:
— التسجيلات فيها إحداثيات لمكان في الفيوم. هنروح حالًا.
حسن مسك إيدها.
— هنرجع بيه.
سلمى بصت له بعينين مليانين دموع.
— لو طلع عايش بجد… مش هسيبه تاني.
— ولا أنا هسيبك.
بعد ساعات من الطريق، وصلت الشرطة للمكان.
كان بيت قديم منعزل وسط أرض زراعية.
حسن نزل أول واحد.
وسلمى جريت وراه.
الباب اتفتح ببطء.
وفي آخر الغرفة، كان فيه راجل كبير قاعد على كرسي، شعره أبيض ووشه شاحب، لكن عينيه…
أول ما شافته، سلمى عرفت.
— بابا…
الراجل رفع عينيه.
شفايفه ارتعشت.
— سلمى؟
جريت عليه ووقعت في حضنه.
— بابا!
ضمها بقوة، ودموعه نزلت.
— كبرتي… كبرتي وأنا مش جنبك.
— ليه عملت فيا كده؟
— كنت خايف أرجع معايا.
— أنا كنت محتاجاك!
— عارف يا بنتي… وعارف إني مش هقدر أعوضك عن يوم واحد من اللي فات.
حسن وقف بعيد، وساب لهم لحظتهم.
لكن والد سلمى بص له.
— تعالى يا حسن.
حسن قرب.
الراجل مد إيده.
— أبوك غلط كتير… بس آخر حاجة عملها كانت إنه حاول يحميك.
حسن سكت.
— قبل ما ، سلمني رسالة.
— رسالة؟
والد سلمى أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
— قال لي: لو في يوم سلمى قابلت ابني، اديله الرسالة.
حسن فتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
“يا حسن…
لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
عارف إنك هتكرهني لما تعرف الحقيقة.
بس صدقني، كل قرار خدته كان علشان أمنعهم يوصلوا ليك.
وأهم حاجة…
لو سلمى دخلت حياتك، ما تسيبهاش لوحدها.
هي دفعت تمن أخطائنا كلنا.”
حسن فضل ساكت.
سلمى قربت منه.
— مكتوب إيه؟
حسن بص لها، وعينيه لمعت.
— بيطلب مني ما أسيبكيش.
سلمى ابتسمت وسط دموعها.
— وإنت هتسمع كلامه؟
حسن مسك إيدها.
— المرة دي… هسمعه.
بعد شهور، اتقفلت كل القضايا القديمة، واتكشف فساد الشبكة بالكامل.
رجب السيوفي دخل السجن، ومحمود شهد بكل اللي يعرفه، وعمي صابر اعترف بدوره في الحاجة فاطمة.
أما مخبز “العسل والقمح”، فاتفتح من جديد.
سلمى وقفت خلف الواجهة الجديدة، وهي بتبص للناس اللي بدأت ترجع تشتري منها.
ياسمين دخلت وهي بتضحك.
— أخيرًا رجعتي تخبزي بدل ما تقضي حياتك بتدوري ورا الأسرار!
سلمى ضحكت.
— خلاص، كفاية أسرار.
صوت حسن جه من وراها:
— متأكدة؟
لفت له.
— إنت جاي تبوظها؟
ابتسم.
— جاي أطلب منك طلب.
— طلب إيه؟
نزل على ركبة واحدة قدامها.
المخبز كله سكت.
سلمى فتحت عينيها.
— حسن!
طلع علبة صغيرة.
— من أول يوم قابلتك، وإنتِ كنتِ أكتر حاجة خلتني أشك في كل حاجة كنت فاكر إني عارفها.
ضحكت وسط دموعها.
— دي مقدمة خطوبة ولا اعتراف بجريمة؟
— الاتنين.
الناس ضحكت.
حسن مد إيده.
— سلمى عبد الرحمن… تتجوزيني؟
سلمى بصت له لحظات، وبعدين قالت:
— كنت مستنية تقولها من زمان.
— يعني؟
مدت إيدها.
— يعني قوم بقى يا حسن، الناس بتتفرج علينا.
ضحك، ولبسها الخاتم.
ومن بعيد، كان والد سلمى واقف عند باب المخبز، بيتفرج عليهم ودموعه في عينيه.
سلمى شافته، فابتسمت.
ولأول مرة من خمستاشر سنة، حسّت إن حياتها مش ناقصة.
الحاجة فاطمة راحت، لكن وصيتها فضلت.
والأسرار اتكشفت.
والخوف انتهى.
أما حسن، الراجل اللي الناس كلها كانت بتخاف منه، فقد اختار قدام الجميع إنه ينزل على ركبة واحدة أمام المرأة اللي حبها…
مش عشان يثبت إنه أقوى منها.
لكن عشان يقول لها من غير ولا نفوذ:
“أنا اخترتك… وهفضل أختارك كل يوم.”
«زعيم العصابة نزل على ركبته قدامها
حكايات شروق خالد



