
كتبت تحذير سري على فاتورة زعيم ا.. وقبل نص الليل، أعلن إن النادلة المرعوبة دي خطيبته
الكدمة اللي حوالين معصم إيلين عبد الرحمن كانت بدأت تتحول للون البنفسجي تحت طرف الكم الأبيض، لما أخطر راجل في القاهرة دخل مطعم «الليالي».
دخل سيف المنصوري الساعة 9:16 مساءً، في ليلة خميس والمطر نازل بغزارة، من غير شمسية، ومن غير استعجال، ومعاه تلاتة رجالة كانوا بيفحصوا كل باب وكل ركن من غير حتى ما يلفوا راسهم بشكل واضح.
الكلام في المطعم ما وقفش.
بس وطي.
كل الناس كانت عارفة الحكايات عن سيف.
النوادي.
المخازن.
الشركات والموانئ.
القضاة اللي بيردوا على مكالماته فورًا.
والرجالة اللي بيقولوا إنهم اختفوا فجأة، ومحدش عرف عنهم حاجة.
إيلين عمرها ما عرفت أنهي حكاية فيهم حقيقية.
لكن الليلة دي، كانت خايفة من مديرها أكتر من أي حد تاني.
«إيلين.»
ظهر حازم مراد جنبها، والعلكة بنكهة النعناع في بقه بالكاد قادرة تغطي ريحة البرفان القوية.
من عشرين دقيقة بس، كان ماسك معصمها بعنف لدرجة إنه ساب علامات صوابعه عليه.
دلوقتي كان بيبتسم.
«عارفة ترابيزة سبعتاشر؟»
إيلين بصت له باستغراب.
مطعم الليالي أصلًا مفيهوش ترابيزة رقم سبعتاشر.
أصحاب المطعم كانوا متعمدين يشيلوا الرقم ده من الترقيم كله.
عين حازم نزلت على معصمها المصاب.
وقال بصوت واطي:
«الترابيزة اللي جنب الشباك الشرقي. خلي سيف المنصوري هناك لحد الساعة تسعة وأربعين.»
معدتها اتقبضت.
بعد الضهر، حازم كان وريها صورة لأخوها ياسين، عنده أربعة عشر سنة، وهو خارج من المدرسة.
وعربية سودا كانت واقفة على بُعد نص شارع منه.
والرسالة المكتوبة تحت الصورة كانت بسيطة:
«اعملي اللي بيتقال لك، وإلا أخوكي هيعرف الديون بتتدفع إزاي.»
ياسين كان استلف ستمية جنيه من ناس غلط، بعد غلطة غبية في لعب القمار.
بطريقة ما، الستمية جنيه بقوا حداشر ألف.
ودلوقتي إيلين فهمت إنهم مش مهتمين بالفلوس أصلًا.
هما عايزينها هي.
لأنها بتشتغل هنا.
ولأن سيف المنصوري جاي الليلة.
«إنت قلت إنهم عايزين يتكلموا معاه بس»، همست إيلين.
حازم ابتسم.
«إنتِ نادلة يا إيلين. متبدأيش تتخيلي إن ليكي مكان في الكلام.»
وبعدها مشي.
على الناحية التانية من المطعم، عيون سيف قابلت عيونها.
إيلين أجبرت نفسها تاخد نفس.
أبوها كان علمها حاجة عن الرجالة قبل ما .
أخطر الرجالة هما اللي عمرهم ما بيعلنوا عن .
وسيف ما أعلنش عن أي حاجة.
قعد بهدوء جنب الشباك الشرقي، وفجأة كل اللي حواليه فهموا إن أي حاجة هتحصل على ترابيزته، هتكون مهمة.
الساعة 9:32، إيلين عدت جنب ممر الخدمة، وسمعت حازم بيتكلم مع راجل تاني.
«…الساعة تسعة وأربعين بالظبط.»
الراجل سأله:
«ولو المنصوري مشي؟»
«مش هيمشي.»
«والبنت؟»
سكت حازم لحظة.
وبعدين قال:
«ضمان.»
إيلين وقفت مكانها.
ياسين.
أخوها اللي عنده أربعة عشر سنة.
اللي كان مرعوب، ومع ذلك بيحاول طول الوقت يبان قوي قدامها.
إيلين بصت للساعة.
9:34.
فاضل ست دقايق.
افتكرت حاجة تانية كان أبوها بيعملها وهي صغيرة.
كان دايمًا بيكتب نفس الرقم في كل مكان.
على إيصالات المشتريات.
على كروت أعياد الميلاد.
وعلى بخار إزاز المطبخ وهو بيعمل لها البان كيك.
وفي مرة، قال لها إن لو شافت الرقم ده في مكان ما ينفعش يكون موجود فيه، لازم تاخد بالها.
الساعة 9:38، حازم حط فاتورة سيف في إيدها.
«خدي دي.»
إيلين دخلت قلم جوه الملف الجلدي الأسود.
أصابعها بطلت ترتعش.
مشت ناحية ترابيزة سيف وحطت الفاتورة جنب كوباية الويسكي.
«لما تكون جاهز.»
سيف رفع عينه لها.
إيلين فتحت الملف وكأنها بتراجع الحساب.
جنب مبلغ 146.82 جنيه، كتبت:
7391
وبعدين حاوطت الرقم بدائرة.
مرتين.
جسم سيف المنصوري كله اتجمد.
مش كان محتار.
ومش كان متفاجئ.
كان… ثابت تمامًا.
رفع عينه ببطء وبص في وش إيلين.
وفجأة إيلين فهمت إن الرقم ده، مهما كان معناه…
سيف عارفه.
سيف ما لمسش الفاتورة.
فضل مركز بعينيه على وشها.
«إنتِ عرفتي الرقم ده منين؟»
بلعت ريقها بصعوبة.
صوت سيف بقى أوطى.
«هتجاوبيني.»
«معنديش وقت أشرح.»
تعبير وشه اتغير فورًا.
«قدامك قد إيه؟»
إيلين بصت للساعة.
9:38.
«يمكن دقيقتين.»
حكايات شروق خالد
«يمكن يكون أخوكي هو اللي دفع التمن.»
إيلين بصت له بسرعة.
«إيه؟»
سيف مال بجسمه لقدام، وصوته بقى منخفض لدرجة إنها بالكاد سمعته.
«الرقم 7391 مش رقم عشوائي. ده كود قديم كنت بستخدمه من سنين… قبل ما الناس تعرف أنا مين.»
إيلين هزت راسها.
«أبويا هو اللي علّمهولي.»
لأول مرة، ظهر شيء يشبه الصدمة الحقيقية على وش سيف.
«أبوكي مين؟»
«عبد الرحمن سالم.»
سيف سكت.
اسم الرجل وقع عليه كأنه ضربة.
«عبد الرحمن… أبوكي كان شغال في شركة الشحن القديمة في بورسعيد؟»
إيلين اتوترت.
«أيوه.»
سيف رجع بضهره للكرسي، وعينيه ضاقت.
«كان أمين خزنة عندي.»
«إنت تعرفه؟»
«كنت أعرفه كويس.»
صوت الموسيقى في المطعم كان شغال، والناس بتضحك، والأطباق بتتحرك بين الترابيزات، لكن بالنسبة لإيلين كل الأصوات اختفت.
«أبويا مات من سبع سنين.»
«عارف.»
إيلين اتجمدت.
«إنت عارف؟»
قبل ما يرد، الساعة على الحائط دقت 9:39.
سيف بص للساعة.
وبعدين للفاصل الزجاجي اللي كان بيفصل المطعم عن ممر الخدمة.
«دقيقة واحدة.»
إيلين قربت منه.
«هما هيعملوا إيه؟»
«مش عارف.»
«بس إنت قلت إنهم هيعملوا حاجة.»
«لأن الشخص اللي بيهددك مش حازم.»
إيلين عقدت حواجبها.
«أمال مين؟»
سيف بص لها مباشرة.
«حازم مجرد واحد بينفذ أوامر.»
إيلين حسّت إن رجليها مبقتش شايلينها.
«أخويا فين؟»
«ده أول سؤال لازم نجاوب عليه.»
«أنا مش عايزة حاجة تحصل له.»
«ولا أنا.»
بصت له بدهشة.
«إنت؟ ليه؟»
سيف ما جاوبش.
بدل كده، مد إيده وأخذ الفاتورة.
طواها وحطها في جيبه.
وبص لها وقال بهدوء:
«من اللحظة دي، إنتِ متتكلميش مع حازم.»
«بس لو شافني—»
«مش هيشوفك.»
«إزاي؟»
سيف رفع عينه.
في نفس اللحظة، انطفت أنوار المطعم.
صرخات صغيرة طلعت من كذا مكان.
وبعدها دوى صوت ارتطام قوي من ناحية الباب الخلفي.
سيف وقف فورًا.
رجالته الثلاثة تحركوا في نفس اللحظة.
إيلين رجعت لورا بخوف.
«ياسين!»
سيف مسك إيدها.
«اهدّي.»
«أخويا!»
«لو كان معاهم، كانوا استخدموه من أول لحظة.»
صوت خطوات سريعة قرب من المطبخ.
وبعدين صوت راجل صرخ:
«المنصوري جوه! اقفلوا كل المخارج!»
إيلين بصت لسيف برعب.
لكنه ما اتحركش.
بالعكس…
ابتسم ابتسامة باردة.
«كنت مستنيهم.»
وبعدين قرب منها وقال:
«دلوقتي، هتعملي حاجة واحدة بس.»
«إيه؟»
«هتفضلي جنبي.»
«ليه؟»
«لأنهم مش جايين .»
اتسعت عينيها.
«أمال جايين ليه؟»
سيف بص ناحية الباب الخلفي.
«جايين ياخدوكي.»
وقبل ما تستوعب كلامه، انفتح باب المطبخ بعنف.
دخل منه أربعة رجالة مسلحين.
وفي آخرهم…
حازم.
كان بيبتسم.
«كنت عارف إنك هتصدقها يا من المنصوري.»
سيف بص له بهدوء.
«إنت غلطت غلطة واحدة يا حازم.»
حازم ضحك.
«إيه هي؟»
سيف شد إيلين ناحيته، ووقف قدامها كأنه حائط.
«إنك لمست بنت عبد الرحمن سالم.»
اختفت الابتسامة من وش حازم.
«إنت عرفت؟»
«عرفت كل حاجة.»
حازم رفع .
«يبقى عرفت إن البنت دي هي مفتاح كل اللي أبوها خبّاه.»
إيلين شهقت.
«أبويا خبّى إيه؟»
حازم بص لها.
«هو ما قالكيش؟»
سيف قاطعه:
«مش هتقول لها حاجة.»
حازم ابتسم.
«أبوك ما كانش موظف عادي يا إيلين.»
قلبها بدأ يدق بعنف.
«كان إيه؟»
حازم قال:
«كان الشخص الوحيد اللي يعرف مكان الدفتر اللي ممكن يوقع ناس أكبر من سيف المنصوري نفسه.»
ساد الصمت.
إيلين بصت لسيف.
لأول مرة، شافت شيئًا مختلفًا في عينيه.
مش غضب.
خوف.
سيف كان خائفًا.
لكن مش على نفسه.
عليها.
حازم رفع أكتر.
«سلّمها يا من المنصوري، وكل واحد فينا يمشي حي.»
سيف ضحك ضحكة قصيرة.
«إنت لسه فاكر إن عندك اختيار؟»
وفي لحظة…
اتسمعت أصوات عربيات شرطة من بره المطعم.
حازم بص ناحية الباب.
«إنت اتصلت بالشرطة؟»
سيف ما ردش.
لكن إيلين فهمت.
كل حاجة كانت مترتبة.
حتى الرسالة اللي كتبتها على الفاتورة.
حتى الرقم اللي أبوها علمهولها.
حتى الليلة دي.
وفجأة سيف مال ناحيتها وهمس:
«اسمعيني كويس.»
«إيه؟»
«من هنا لحد ما الموضوع يخلص، أي حد يسألك عني… قولي إنك خطيبتي.»
إيلين بصت له مصدومة.
«إيه؟!»
«قولي إنك خطيبتي.»
«بس إنت مش—»
«من دلوقتي، أيوه.»
«ليه؟»
سيف قرب أكتر، وصوته بقى حاسم:
«لأن الناس اللي ورا حازم مش هتقدر تلمسك لو عرفوا إنك بقيتي مراتي.»
إيلين همست:
«بس أنا معرفاكش أصلًا.»
سيف بص في عينيها.
«هتعرفيني.»
ثم أمسك إيدها أمام الجميع.
وقال بصوت واضح:
«دي خطيبتي.»
حازم اتجمد.
والرجالة اللي حواليه بصوا لبعض.
أما إيلين…
فكانت واقفة جنب أخطر رجل في مصر، وقلبها بيخبط من الخوف.
لكنها لم تكن تعرف أن إعلان سيف ده لم يكن مجرد خطة لحمايتها.
كان بداية لحرب…
وحربها هي شخصيًا.
لأن أبوها ترك لها سرًا واحدًا…
سرًا لو ظهر، ممكن يدمّر إمبراطورية سيف المنصوري كلها.
حكايات شروق خالد
إيلين ما قدرتش تنطق.
كل اللي قدرت تعمله إنها تبص في إيد سيف وهي ماسكة إيدها قدام كل الناس.
«خطيبتي.»
الكلمة فضلت معلقة في الهوا.
حازم بص لهم للحظات، وبعدين ضحك بسخرية.
«إنت فاكر إن كام كلمة هتخوفنا؟»
سيف ما بصلهوش حتى.
كان مركز مع إيلين.
«إنتِ كويسة؟»
هزت راسها بسرعة، رغم إن وشها كان شاحب.
«ياسين…»
«رجالي بيدوروا عليه.»
«ولو حصل له حاجة؟»
سيف قرب منها وقال بهدوء:
«مش هيحصل.»
حازم رفع سلاحه.
«كفاية لعب.»
لكن قبل ما يضغط على الزناد، سمعوا صوت تصفيق بطيء من عند مدخل المطعم.
رجل طويل دخل بهدوء، لابس بدلة رمادي غامق، ووراه اتنين من الحراس.
سيف رفع عينه.
لأول مرة، ظهر الغضب الحقيقي على وشه.
«إنت؟»
الرجل ابتسم.
«وحشتني يا سيف.»
إيلين بصت بينهم.
«مين ده؟»
سيف ما ردش.
الرجل هو اللي قال:
«أنا فؤاد الشناوي.»
ثم نظر إلى إيلين.
«وأنا أعرف أبوكي أكتر مما تتخيلي.»
إيلين اتراجعت خطوة.
«إنت عملت فيه إيه؟»
ابتسامته اختفت.
«أبوكي عمل غلطة.»
«إيه الغلطة؟»
«سرق حاجة مش بتاعته.»
سيف تدخل:
«هو ما سرقش حاجة.»
فؤاد ضحك.
«لسه بتحميه بعد كل السنين دي؟»
سيف قرب من إيلين.
«أبوكي ما خانش حد.»
فؤاد رد:
«يبقى اسأل بنتُه عن الدفتر.»
إيلين بصت لسيف.
«أي دفتر؟»
سيف قال بهدوء:
«مش هنا.»
فؤاد ابتسم.
«طبعًا مش هنا.»
وبعدين رفع إيده.
في اللحظة دي، واحد من رجالة فؤاد حط موبايل قدام إيلين.
الشاشة كانت مفتوحة على بث مباشر.



