Uncategorized

انهارت لأن يدها لم تعد تنغلق… حكايات شروق خالد

حمدي بص للورق: “دي مش توقيعاتي.” ياسين قال: “ولا حد قال إنها توقيعاتك.” سكت: “دي توقيعات الموظفين.” ثم قرب ياسين وجهه منه: “إنت ما كنتش محتاج توقع.”

حمدي بدأ يتراجع: “ياسين…” “قول اسمي تاني.” “أنا…” “قول.” “ياسين.” “أيوه.” اقترب منه: “أنا اللي خليتك كبير.” ثم أضاف: “وأنا اللي هعرف حجم اللي عملته.”

حمدي قال: “أنا خدمت معاك خمسة عشر سنة.” ياسين رد: “وعشان كده هتتحاسب على خمسة عشر سنة.”

نورهان كانت واقفة في الخلف. عينيها مليانة دموع. فجأة قالت: “أنا مش عايزة مشاكل.” الكل بص لها: “خدوا الفلوس وسيبوني أمشي.”

ياسين استدار لها: “إنتي لسه مش فاهمة.” “فاهمة إيه؟” “إن الموضوع مبقاش فلوسك بس.” سكت: “إنتي كنتي واحدة من ناس كتير.”

نورهان قالت: “أنا مش عايزة حد يتأذى عشاني.” ياسين قرب منها: “إنتي مش السبب.” ثم أضاف: “اللي سرقك هو السبب.”

نورهان بصت في الأرض: “بس أنا خايفة.” صوته هدأ: “من إيه؟” “من إن بعد كل ده… ألاقي نفسي مفيش شغل.”

ياسين سكت لحظة. ثم قال: “نورهان.” رفعت عينيها: “إنتي من النهارده مش عاملة عندي.”

اتصدمت: “يعني إيه؟” “يعني مش هتشتغلي عندي.” وشها وقع: “بس…” قاطعها: “هتبقي شريكة.”

الرجالة كلها بصت له. حتى سامح رفع عينه من الملفات. نورهان قالت: “شريكة في إيه؟” ياسين رد: “في شركة جديدة.” “أنا؟” “أيوه.” “بس أنا معرفش حاجة عن الشركات.” “تعرفي تشتغلي.” “ده مش كفاية.” “بالنسبة لي كفاية.”

ثم التفت إلى سامح: “هنعمل شركة لإدارة خدمات العمالة والتوظيف.” سامح فهم فورًا: “وحصة نورهان؟” ياسين قال: “خمسة وعشرين بالمية.”

نورهان شهقت: “لا.” “ليه؟” “أنا مش عايزة صدقة.” “مش صدقة.” “أمال إيه؟” ياسين نظر إلى يديها. ثم قال: “أجر السنين اللي اشتغليتها من غير ما حد يشوفك.”

نورهان بدأت تبكي. قال: “لكن في شرط.” مسحت دموعها: “إيه؟” “تتعالجي.” هزت راسها: “حاضر.” “وتتعلمي.” “إيه؟” “إدارة.” بصت له باستغراب: “ليه؟” “عشان لما الشركة تكبر، تبقي إنتي اللي بتختاري الناس اللي هتشتغل فيها.” سكت لحظة: “ومحدش تاني يشتغل ستاشر ساعة في اليوم عشان يسدد دين مش بتاعه.”

نورهان غطت وشها بإيديها. وبكت. المرة دي… مش من الألم.

محمود الديب مسح عينه بسرعة. شريف القناوي بص ناحية الشباك. حتى الرجال اللي عاشوا عمرهم في عالم ما يعرفش الرحمة، كانوا بيحاولوا يخبوا دموعهم.

لكن حمدي… كان الوحيد اللي ما كانش بيعيط. كان بيبتسم. ابتسامة صغيرة. غريبة.

ياسين لاحظها: “إنت بتضحك على إيه؟” حمدي قال: “لأنك فاكر إنك عرفت كل حاجة.”

ياسين سكت. حمدي اقترب خطوة: “الشركة دي مش أكبر حاجة عملتها.” ثم قال: “القرض ده كان مجرد بداية.” تغيرت ملامح ياسين: “بتتكلم عن إيه؟”

حمدي ابتسم: “اسأل مين اللي طلب مني أختار نورهان بالذات.” نورهان رفعت رأسها. ياسين ثبت عينيه عليه: “مين؟” حمدي قال اسمًا واحدًا. والاسم… كان آخر شخص ممكن ياسين يتخيل إنه يكون وراء كل ده. اسم شخص من عيلته. شخص كان عايش في القصر نفسه. وشخص كان عارف كل خطوة حصلت لنورهان… من أول يوم دخلت فيه البيت. إلى اللحظة اللي انهارت فيها على أرض البدروم.

قال حمدي بصوت مبحوح: “مراتك… سارة المنشاوي.” سكتت الغرفة كلها. نورهان شهقت، بينما ياسين ظل ثابتًا للحظات، وكأن عقله رفض أن يستوعب الاسم.

سارة. مراته. الست اللي عاشت معاه عشر سنين. الست اللي كان بيثق فيها في كل تفاصيل البيت. والست اللي كانت بتظهر دايمًا قدام الناس بصورة الزوجة المثالية.

ياسين بص لحمدي وقال بهدوء مخيف: “عيد.” حمدي قال: “سارة هي اللي طلبت مني أختار نورهان بالذات.”

ياسين ما اتحركش: “ليه؟” حمدي بلع ريقه: “لأن نورهان كانت شاهدة على حاجة ما كانش المفروض تشوفها.”

نورهان بصت له بخوف: “أنا؟” حمدي هز راسه: “أيوه.”

ثم كشف الحقيقة. قبل تلات سنين، نورهان كانت في مستشفى حكومي مع أمها بالتبني. وفي نفس الليلة، كانت سارة هناك مع رجل غريب. نورهان شافتهم بالصدفة. سمعت جزءًا من كلامهم. وسمعت اسم ياسين. لكنها ما فهمتش وقتها الموضوع.

بعدها بأيام، ظهر قرض باسمها. وبعدها بدأت الخصومات. ثم حصلت نورهان على وظيفة في قصر المنشاوي. لم تكن مصادفة. سارة هي اللي أمرت حمدي بإدخالها. كانت تريد نورهان قريبة منها وتحت المراقبة. لكنها لم تتوقع أن ياسين نفسه سيكتشف الحقيقة يومًا.

ياسين سأل: “والرجل اللي كانت معاه؟” حمدي سكت: “اسمه مين؟” قال: “أخوها.”

ياسين اتجمد: “سارة ملهاش أخ.” حمدي ابتسم: “كان ليها.” ثم أخرج هاتفه. فتح صورة قديمة. ودفعها ناحية ياسين.

ياسين نظر إلى الصورة. وبعد ثوانٍ، تغيّر وجهه بالكامل. الرجل الموجود في الصورة كان هو نفسه الرجل الذي مات في حادث سيارة قبل سبع سنوات. الرجل الذي أخبرته سارة أنه كان مجرد صديق قديم للعائلة. لكن الحقيقة كانت مختلفة. كان أخوها غير الشقيق. وكان شريكًا قديمًا في أعمال ياسين. والحادث لم يكن حادثًا. كان محاولة لإيذاء ياسين. وسارة كانت تعرف كل شيء.

نورهان بدأت تبكي: “أنا كنت عارفة إن في حاجة غلط…” بص لها ياسين: “إنتي شفتي إيه بالضبط؟” قالت: “سمعت سارة بتقول له إن لو حضرتك عرفت الحقيقة… كل حاجة هتنهار.”

ياسين أغلق عينيه للحظة. ثم فتحهما. وقال: “فين سارة؟” لم يجب أحد.

في اللحظة نفسها، رن هاتف ياسين. نظر إلى الشاشة. سارة. رد: “أيوه.” جاء صوتها هادئًا: “ياسين… إحنا لازم نتكلم.”

“نتكلم في إيه؟” “عن نورهان.” سكت: “إنت عرفت.” لم يكن سؤالًا. كان اعترافًا.

ياسين قال: “أيوه.” ضحكت بخفة: “متأخر أوي.” سكت: “لو عايز تعرف كل الحقيقة، تعالى الفيلا القديمة.”

“لوحدي؟” “لوحدك.” أغلق ياسين الهاتف.

محمود قال: “دي ممكن تكون خدعة.” “عارف.” “طب هنروح كلنا.” ياسين هز راسه: “لأ.” ثم نظر إلى نورهان: “خليكم هنا.”

وقبل أن يتحرك، أمسكت نورهان بذراعه. قالت: “متروحش.” نظر إليها: “ليه؟” “لأني حاسة إنها عايزة تاخدك هناك.” “أنا رايح.” “ولو حصل لك حاجة؟” سكت. كانت أول مرة حد يسأله السؤال ده من غير مصلحة.

اقترب منها. وقال: “أنا مش هسيبك لوحدك.” ثم غادر.

لكن نورهان لم تكن تعرف أن ياسين ترك خلفه رجالًا يراقبون القصر. ولم تكن تعرف أيضًا أنه لم يذهب إلى الفيلا القديمة وحده. كان معه تسجيل صغير أخفاه في ملابسه.

وبعد ساعتين… وصلت سارة. لم تكن في الفيلا. كانت في القصر. دخلت من الباب الرئيسي. ورأت نورهان واقفة في الصالة. ابتسمت: “أخيرًا اتقابلنا.”

نورهان تجمدت: “إنتي؟” سارة اقتربت: “أيوه.” ثم قالت: “كان نفسي أقابلك من زمان.”

نورهان تراجعت: “إنتي اللي عملتي كل ده؟” سارة لم تنكر: “كنت لازم أضمن إنك تفضلي محتاجة للشغل.”

“ليه؟” سارة قالت: “لأن الفقر بيخلي الناس ساكتة.”

نزلت دمعة من عين نورهان: “أنا عملت لك إيه؟” “ولا حاجة.” ثم ابتسمت: “وده كان أكبر سبب.”

في تلك اللحظة، جاء صوت ياسين من خلفها: “خلصنا.” سارة استدارت. كان واقفًا عند مدخل الصالة. وجهه كان هادئًا. لكن عينيه لم تكن فيهما أي رحمة.

قال: “سمعت كل حاجة.” سارة شحب وجهها: “ياسين…” “متقوليش اسمي.” سكتت.

أخرج هاتفه. شغل التسجيل. صوت سارة ملأ المكان. اعتراف كامل. بكل شيء. بالقرض. بالخصومات. بالتلاعب. وبمحاولة إسكات نورهان.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى