
مسكت التليفون بكل قوة، وحسيت الدم بيهرب من وشي. بصيت بعيني ناحية الحديقة… حمزة كان قاعد بيضحك مع فاطمة وهي بتقشرله تفاحة، والمسافة بينهم وبين الخطر مكنتش غير خطوات.
رديت على حمدي بصوت واطي جداً زي الهسيس: “اسم مين يا حمدي؟ أنطق!”
حمدي اتلخبط وصوته كان بيقطع: “سليم بيه… التحويلات طالعة من حساب مستتر باسم شركة استيراد، بس العقد بتاعها متسجل بالرقم القومي بتاع… بتاع ‘حكمت’ المربّية القديمة، اللي مشيتها من شهرين!”
نفسي اتطس. حكمت؟ المربية اللي كانت قاعدة معانا من يوم ما حمزة اتولد؟ اللي كانت بتعيط معايا يوم الحادثة كأنها أمه؟
كمال كمل حمدي بسرعة: “مش بس كده يا بيه… الحساب ده اتعمل فيه حركة سحب كاش كبيرة امبارح بالليل من فرع قريب من عندك في التجمع. اللي سحب الفلوس استخدم توكيل رسمي باسم حد تاني… باسم ‘فاطمة أحمد هايس’.”
الكلمة نزلت على دماغي زي المطرقة.
فاطمة؟!
عيني راحت عليها فجأة. كانت قاعدة بكل هدوء بتشرب شاي، وحمزة عمال يتكلم وهي باصاله باهتمام.
كل حاجة دارت في دماغي في ثانية:
الدخول المفاجئ… الكلام اللي بيلمس القلب… خروجها عن المألوف… إصرارها إنها تدخل قلب الولد… وإصرارها إني أطفي الكاميرات!
هل كل ده كان ملعوب؟ هل هي جزء من الشبكة اللي موتت مراتي ورجعت عشان تخلص على حمزة؟
“حمدي…” قلتها وصوتي بيترعش من الغل. “هاتلي الحراسة فوراً على الجاردن. هدوء تام، محدش يرفع سلاح غير لما أدي إشارة.”
قفلت السكة، وحطيت التليفون في جيبي. مشيت ناحيتهم بخطوات تقيلة، بحاول على قد ما أقدر أبان هادي. أيدي جوه بليزر البدلة، ماسكة المقبض الساقع بتاع المسدس اللي مبيفارقنيش.
أول ما قربت، فاطمة رفعت عينها في عيني.
المرة دي… مكنش فيه البرود المعتاد. كان في عينيها حاجة غريبة… نظر تحذير؟ أو خوف؟
“سليم بيه…” فاطمة قالت وهي بتبص لحمزة: “حمزة، ادخل جوه هات كراسة الرسم بتاعتك عشان نكمل القصة.”
حمزة بصلي وبصلها، وحس إن الجو اتكهرب: “بس يا فاطمة…”
فاطمة قطعت كلامه بنبرة حازمة بس دافية: “اسمع الكلام يا حمزة… ادخل جوه حالاً.”
حمزة زق الكرسي ودخل بسرعة ناحية الفيلا. أول ما الباب الزجاجي المقفل وراه، سحبت المسدس من جيبي ووجهته لمخ فاطمة مباشرة.
في نفس اللحظة، أربعة من الحراس طلعوا من بين الشجر وشايلين أسلحتهم.
فاطمة متهزتش. ما صرختش، ولا حركت إيدها. حطت كوباية الشاي على الترابيزة بالراحة.
“التحويلات باسمك يا فاطمة…” قلتها والشرار بيطلع من عيني. “سحبتِ الفلوس امبارح بالليل. أنتِ مين؟ وجايه تخلصي على باقي العيلة؟”
فاطمة بصت للمسدس المتوجه لوشها، وبعدين بصت في عيني بثرات مرعب.
“كنت مستنية المكالمة دي تتأخر شوية…” فاطمة قالت بصوت هادي جداً. “…لحد ما أكون أمنت الولد.”
“أمنتيه من مين يا خاينة؟!” زعقت فيها.
فتحت شنطتها الجلد القديمة بالراحة من غير ما تتخض. الحراس رفعوا الأسلحة، بس هي طلعت فلاشة صغيرة وحطتها على الترابيزة.
“حكمت المربية القديمة تبقى أختي الكبيره يا سليم بيه…” فاطمة قالت وهي باصة في عيني بكل قوة. “…وحكمت مكنتش بتعمل التحويلات دي عشان تقتلك أنت وابنك. حكمت كانت بتتدفع فدية عشان يفضل ابنك عايش!”
#حكايات_شروق_خالدالكلمة وقعت عليا كأنها صدمة كهربا. المسدس اتهز في إيدي، والحراس حولينا اتسمروا في أماكنهم.
“فدية؟!” زعقت بصوت مكتوم من الصدمة، “فدية لإيه؟ أنتِ بتهرجي؟!”
فاطمة شاورت بإيدها على الفلاشة اللي على الترابيزة وقالت بثبات مرعب: “أختي حكمت اكتشفت من سنة إن اللي زرع القنبلة تحت عربيتك مش عدو من بره… ده حد من جوه العيلة، حد قريب منك جداً وبيمسح أثاره أول بأول. لما عرفوا إن حكمت كشفتهم، هددوها بابنها الوحيد اللي بياخد علاج في ألمانيا… يا إما تنقلهم كل تحركاتك وتنفذ اللي يطلبوه، يا إما يصفوا ابنها.”
نفست بضيق وعيني بتدور بينها وبين الفلاشة: “وطالما هي مساومة… أختك كانت بتدفع لمين؟ ورجعتي أنتِ ليه؟”
فاطمة قامت وقفت بالراحة، وحطت إيدها في جيوب البالطو الكحلي: “حكمت مكنتش خاينة، كانت أم محصورة في الزاوية. فضلت تدفع من معاها ومن اللي تحوشه عشان تحمي ابنها وتحميك أنت وحمزة من غير ما تحسسكم بحاجة. بس لما المافيا دي طلبت منها الشهر اللي فات تحط مادة سمية في أكل حمزة يجي Bيها سكتة دماغية يبان إنها مضاعفات للحادثة… حكمت هربت ورفضت تتكلم، واستعانت بيا.”
قربت خطوة والمسدس لسه متوجه ناحيتها، بس إيدي بقت أتقل من الحديد: “وأنتِ… جيتي هنا ليه؟”
فاطمة بصتلي بعينين مليانة وجع وحزم: “جيت لأن أختي محبوسة ومتهددة، ولأن الفلوس اللي اتسحبت امبارح دي كانت الفدية الأخيرة عشان تسلمني الدليل الحقيقي على الراس الكبيرة اللي ورا الموضوع ده… الدليل اللي موجود على الفلاشة دي.”
مسكت الفلاشة بإيد بتترعش، وصوتي طلع مقطوع: “مين… مين اللي ورا كل ده؟”
فاطمة قربت مني حتة صغيرة وقالت بصوت واطي جداً مش معطوف عليه أي خوف: “شغل التسجيل اللي على الفلاشة… وأنت تسمع بنفسك صوت أخوك ‘فاروق’ وهو بيبعك وبيساوم على دم مراتك وابنك عشان ياخد التركة كلها.”
الدم اتجمد في عروقي. فاروق؟! أخويا الشقيق؟ اللي كان معايا في كل لحظة بعد الحادثة؟ اللي كان بيبكي معايا على مراتي ويطبطب على حمزة؟!
في اللحظة دي بالظبط، سمعنا صوت عربية مرسيدس سودا بتفرم الزلط بره البوابة.
البوابة الفولاذية اتفتحت، ونزل منها “فاروق”… نزل بابتسامته المعتادة، وشايل في إيده علبة ألعاب كبيرة لحمزة، ووراه أربعة حراس مش من طاقم الفيلا.
فاروق بصلي، وبص للمسدس اللي في إيدي المتوجه لـ فاطمة، وابتسم ببرود وهو يقرب: “إيه يا سليم؟ فيه إيه يا خويا؟ وشك أصفر ليه كده… وموقف الحراسة والمسدسات ليه في الحديقة؟”
فاطمة بصتلي نص بصة وقالت بصوت خافت مسمعتوش غير أنا: “الدليل معاك يا سليم بيه… هتفضل الأب الخايف اللي بيستخبى ورا الشاشات، ولا هتاخد حق ابنك ومراتك دلوقتي؟”
#حكايات_شروق_خالد


