
صفارات الشرطة كانت بتقرب أكتر وأكتر، وصوت عربياتها انعكس جوه ممرات المستشفى، لكن حسن المنشاوي ما اتحركش من مكانه.
وقف في نص السلم، وحواليه أربعة رجال مسلحين، وبص لياسين بنظرة مليانة غضب.
قال حسن:
“إنت فاكر إن الشرطة لما توصل هتقدر تنقذك؟”
ياسين، رغم إن جسمه لسه ضعيف من سنتين الغيبوبة، وقف قدام مريم وحاول يخبيها بجسمه.
“مش أنا اللي محتاج إنقاذ يا حسن.”
حسن ضحك بسخرية.
“لسه بنفس غرورك… حتى وإنت واقف على رجلك بالعافية.”
مريم بصت لياسين وهمست:
“إنت مش قادر تقف أصلًا.”
رد من غير ما يبصلها:
“هقع بعدين.”
“إنت مجنون.”
“ممكن.”
رفع حسن إيده، والرجالة حواليه شدوا أسلحتهم.
“هات الجهاز يا مريم.”
مريم مسكت موبايلها بقوة.
“الجهاز اتبعت للشرطة.”
وش حسن اتغير.
“إنتي بتكدبي.”
“جرب.”
ثواني من الصمت عدت.
وفجأة، صوت راجل من آخر السلم قال:
“حسن!”
الكل بص ناحية الصوت.
كان الدكتور سامح البدري واقف هناك، وإيديه مرفوعة، ووشه شاحب.
حسن صرخ:
“إنت عملت إيه؟!”
سامح قال بصوت مرتعش:
“أنا… أنا مش عارف.”
“فين التسجيلات؟”
“ماعرفش.”
حسن قرب منه ومسكه من ياقة هدومه.
“إنت قلتلي إن الجهاز مش بيسجل.”
سامح بلع ريقه.
“كنت فاكر كده.”
ياسين ابتسم لأول مرة.
“لا… إنت كنت عارف.”
حسن بص له.
“إيه؟”
ياسين قال:
“الجهاز كان بيتسجل عليه كل حاجة. الجرعات. التوقيت. الأوامر. وحتى أصواتكم.”
مريم فهمت فجأة.
“يعني التسجيلات فيها اعترافات حسن.”
ياسين هز راسه.
“وأسماء الناس اللي ساعدوه.”
سامح بدأ يهز راسه بعنف.
“أنا ماكنتش عايز أقتله… والله ماكنتش عايز أقتله.”
الصمت نزل على المكان.
مريم بصت لياسين.
“يقتلك؟”
ياسين عيونه ثبتت على سامح.
“قولها.”
سامح انهار.
“الحادث… ماكانش حادث.”
حسن صرخ:
“اسكت!”
لكن سامح كمل، وكأنه أخيرًا فقد القدرة على الكذب.
“العربية اتعطلت قبل ما ياسين يخرج من الشركة. حسن أمرني أخلي الجرعة أعلى في الليلة دي… عشان لما العربية تتقلب، ياسين مايفوقش.”
مريم حطت إيدها على بوقها.
“يعني هو خطط للحادث؟”
ياسين قال بهدوء:
“أيوه.”
حسن بص لأخوه للحظات، وبعدها ضحك.
ضحكة قصيرة، باردة.
“كنت عارف إنك هتوصل للحقيقة يوم من الأيام.”
ياسين:
“وعشان كده حاولت تفضلني نايم.”
حسن نزل عينه للأرض.
“كنت هسيبك تعيش.”
“تعيش؟”
ياسين ضحك بمرارة.
“إنت سرقت حياتي، شركتي، اسمي… وكنت عايزني أعيش؟”
حسن رفع عينه.
“أنا كنت عايز العيلة تفضل واقفة.”
“العيلة؟”
صوت ياسين بقى أقسى.
“إنت ماكنتش بتحمي العيلة. إنت كنت بتحمي نفسك.”
في اللحظة دي، ظهر ضابط شرطة على السلم ومعاه مجموعة من أفراد الشرطة.
“الكل مكانه!”
الرجالة المسلحين ترددوا.
حسن بص حواليه.
ولأول مرة، مريم شافت الخوف الحقيقي في عينيه.
واحد من رجاله حاول يرفع سلاحه.
لكن ياسين صرخ:
“ماتعملش كده!”
الراجل وقف.
الشرطة سيطرت على المكان بسرعة، واتاخد سلاح الرجال، واتقبض على حسن وسامح.
وقبل ما حسن ينزل، وقف قدام ياسين.
“إنت كسبت.”
ياسين رد:
“لا.”
حسن استغرب.
“إيه؟”
ياسين بص لمريم.
“هي اللي كسبت.”
مريم اتوترت.
“أنا؟”
“أيوه.”
وبص لأخوه تاني.
“لأنك كنت فاكر إن كل الناس ممكن تتباع… إلا هي.”
حسن سكت.
وبعدها نزل مع الشرطة.
أما ياسين، فما إن اختفى حسن من قدامه، حتى ركبه خانته.
مريم لحقته قبل ما يقع.
“ياسين!”
اتسند عليها وهو بياخد نفسه بصعوبة.
“قلتلك هقع بعدين.”
“إنت وقعت دلوقتي.”
ابتسم.
“ماهو بعدين جه.”
مريم حاولت تضحك، لكن دموعها نزلت غصب عنها.
“إنت خوفتني.”
بص لها بهدوء.
“إنتي اللي خوفتيني.”
“أنا؟”
“آه.”
“ليه؟”
ياسين قرب منها وقال بصوت منخفض:
“لأنك دخلتي حياتي في أكتر وقت كان المفروض محدش يقرب مني فيه.”
مريم سكتت.
“ولو ماكنتيش موجودة؟”
ياسين بص لعينيها.
“مكنتش هفوق.”
مريم مسحت دموعها بسرعة.
“كنت بعمل شغلي.”
“لا.”
هز راسه.
“إنتي كنتي بتتكلمي معايا وأنا غايب. كنتي بتحكيلي عن يومك. كنتي بتقريلي الأخبار. كنتي بتقوليلي إن الدنيا لسه فيها حاجات حلوة.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“ويمكن أنا سمعتك.”
مريم همست:
“بس إنت كنت في غيبوبة.”
“يمكن الجسم كان نايم.”
وسكت لحظة.
“بس أنا… ماكنتش لوحدي.”
بعدها بأيام، خرج ياسين من المستشفى تحت حماية الشرطة.
كل الأخبار اتكلمت عن سقوط شبكة المنشاوي، واتهام حسن بالتخطيط للحادث ومحاولة قتل أخوه والسيطرة على ممتلكاته.
أما مريم، فقد رجعت تشتغل في المستشفى.
كانت فاكرة إن كل حاجة خلصت.
لحد ما في آخر وردية ليها، لقت ظرف أبيض فوق مكتبها.
فتحته.
جواه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها:
“تعالي للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.”
مريم عرفت الخط.
خط ياسين.
بعد ساعة، وصلت لجناح 914.
الباب كان مفتوح.
دخلت.
الغرفة كانت فاضية.
لكن على السرير، كان فيه وردة بيضا.
وتحتها ورقة تانية.
“المرة دي… أنا اللي مستنيكي.”
مريم ابتسمت رغم دموعها.
ولأول مرة من سنتين، الغرفة 914 ماكانتش مكان للموت.
كانت بداية حياة جديدة.
حكايات شروق خالد
بعد أسبوعين، كانت مريم واقفة قدام بوابة المستشفى، ماسكة شنطتها وبتبص للمكان للمرة الأخيرة.
كانت فاكرة إن الحكاية انتهت.
لكن عربية سوداء وقفت قدامها.
الباب الخلفي اتفتح.
ومريم اتجمدت مكانها لما شافت ياسين المنشاوي.
كان لابس بدلة سوداء، وشكله مختلف تمامًا عن الراجل اللي كانت بتشوفه نايم في السرير 914.
واقف على رجله، شعره مرتب، ونظراته رجعت قوية.
قال لها:
“هتفضلي واقفة كتير؟”
مريم قربت بحذر.
“إنت بتعمل إيه هنا؟”
“جاي أخدك.”
“تخطفني؟”
ابتسم.
“لو كنت عايز أخطفك، مكنتش استنيتك قدام المستشفى.”
“أمال؟”
فتح الباب أكتر.
“اركبي.”
مريم عقدت إيديها.
“مش راكبة.”
“ليه؟”
“عشان كل مرة بشوفك فيها بتحصل مصيبة.”
ضحك ياسين.
“المرة دي مفيش مصيبة.”
“وعد؟”
“أوعد.”
ركبت.
العربية اتحركت، ومريم فضلت ساكتة شوية، لحد ما قالت:
“إحنا رايحين فين؟”
“بيتي.”
مريم بصت له بسرعة.
“بيتك؟!”
“أيوه.”
“ليه؟”
ياسين سكت لحظة.
وبعدين قال:
“عشان في حاجة لازم تعرفيها.”
قلبها بدأ يدق أسرع.
“إيه؟”
“حسن ماكانش لوحده.”
مريم اتنهدت.
“كنت حاسة إنك هتقول كده.”
ياسين بص من الشباك.
“قبل الحادث بأيام، حد بعت لحسن معلومات عن تحركاتي.”
“مين؟”
“مش عارف.”
“والشرطة؟”
“بتدور.”
مريم سكتت.
وبعد لحظات، العربية دخلت بوابة قصر كبير على أطراف القاهرة.
مريم بصت حواليها بدهشة.
“إنت عايش هنا؟”
“كنت.”
“يعني إيه كنت؟”
“من يوم ما فقت وأنا مش عايز أعيش في المكان ده.”
نزل من العربية.
مريم نزلت وراه.
دخلوا القصر.
كان هادي بشكل غريب.
ياسين وقف قدام سلم طويل وقال:
“في حاجة لازم أوريهالك.”
طلعوا للدور التاني.
وقف قدام باب خشب قديم.
طلع مفتاح من جيبه.
مريم بصت له.
“إيه الأوضة دي؟”
ياسين فتح الباب.
الغرفة كانت مليانة صور قديمة.
صور لعيلة المنشاوي.
لكن صورة واحدة شدت انتباه مريم.
صورة ياسين وهو طفل، واقف جنب رجل مجهول.
مريم قربت.
“مين ده؟”
ياسين بص للصورة.
وشه اتغير.
“أبويا.”
“بس…”
سكتت.
“إيه؟”
“أنا شفت الصورة دي قبل كده.”
ياسين بص لها.
“فين؟”
مريم قربت من الصورة وأشارت للرجل.
“في بيت الدكتور سامح.”
ياسين اتجمد.
“إنتي متأكدة؟”
“أيوه.”
“كانت صورة زيه؟”
“مش زيها.”
هزت راسها.
“كانت نفس الصورة.”
ياسين أخد نفس عميق.
وبعدين فتح درج قديم في المكتب.
طلع منه ملف بني.
فتحه.
جواه ورقة قديمة عليها توقيع والد ياسين.
قرأها بسرعة.
وبعدين رفع عينه لمريم.
“دي مش صورة عادية.”
“يعني إيه؟”
“أبويا كان شريك في شركة أدوية.”
“وسامح كان شغال هناك؟”
“لا.”
ياسين قلب ورقة تانية.
“كان محامي الشركة.”
مريم قربت.
“طب إيه علاقة ده بالغيبوبة؟”
ياسين بص لها طويلًا.
“كل الأدوية اللي كنت باخدها في المستشفى…”
سكت.



