
الليلة اللي دخل فيها أخطر زعيم مافيا في مصر المطعم بتاعي، كنت قاعدة جنب أمه العجوز، وعلبة دواها في إيدي. كل الكلام سكت أول ما ياسين الجبالي شافني. ومن النظرة اللي كانت في عينه، ماكنتش عارفة إذا كانت مساعدتي لأمه أنقذت حياتي… ولا حطتني في خطر.
ريحة الثوم والريحان وصلصة الطماطم كانت مالية مطعم الليالي، والمزيكا الهادية كانت شغالة من السماعات اللي متعلقة في السقف.
بعد تمن ساعات وأنا شايلة أطباق المكرونة وكوبايات العصير، رجلي كانت وجعاني ومليانة فقاقيع، وظهري كان خلاص هينكسر، ونص شعري البني كان فلت من الربطة اللي عاملاها.
كان معايا تمن تلاف جنيه في حسابي، والإيجار مستحق بعد أربع أيام، وكمان كان عندي شيفت في الصيدلية الصبح.
سلمى!
ماركو، كبير الجرسونات، ناداني وهو بيعدي بسرعة.
الترابيزة سبعة عايزة عيش.
حاضر.
بصلي بضيق وقال
كان ممكن تسمعي الكلام من أول مرة.
طنشته، وخدت سلة العيش السخن وروحت ناحية الترابيزة.
الترابيزة رقم سبعة كانت أغلى وأهم ترابيزة في المطعم، وعادةً بتتحجز لرجال الأعمال الكبار، وأعضاء مجلس الشعب، والمشاهير، وأي حد فلوسه ونفوذه يخلو صاحب المطعم نفسه يسيب مكتبه ويستقبله.
لكن الليلة دي، كانت قاعدة عليها ست عجوز لوحدها.
كان شكلها حوالي خمسة وسبعين سنة، لابسة بدلة شيك لونها كحلي، وفي ودانها حلقان لؤلؤ، وشعرها الأبيض متصفف بعناية.
بس وهي بتمد إيدها ناحية كوباية المية، لاحظت إن صوابعها كانت بتترعش جامد، لدرجة إن التلج جوه الكوباية كان بيخبط في بعضه.
قربت منها وقلت
تحبي عيش سخن يا حاجة؟
ابتسمتلي بحنية.
أيوه يا بنتي، ربنا يخليكي.
من عنينا.
سكتت لحظة وبعدين سألتني
اسمك إيه؟
سلمى.
وأنا الحاجة زينب.
فتحت شنطة صغيرة كانت في إيدها، وبدأت تحاول تفتح السوستة بصعوبة، لحد ما طلعت علبة أدوية مقسمة على أيام الأسبوع.
حاولت تفتح خانة أدوية بالليل، بس إيديها كانت بتترعش.
ضحكت وقالت
إيديا خلاص قررت تعاندني.
ابتسمت وقلت
تحبي أفتحها لك؟
بصتلي براحة.
لو مش هتتعبي نفسك.
فتحت العلبة.
كان جواها قرصين، واحد أبيض والتاني أصفر فاتح.
وبشكل تلقائي، بصيت على اسم الدوا المكتوب على العلبة.
أنا كنت بدرس تمريض زمان، بس ظروف البيت والفلوس خلتني أسيب الدراسة قبل ما أخلص.
قلت لها
إنتِ بتاخدي الاتنين دول دلوقتي؟
أيوه.
بعد الأكل؟
واحد منهم بعد الأكل.
بصيت على الترابيزة.
مفيش أكل.
حتى العيش اللي جايباه كان لسه زي ما هو.
قلت لها
هو إنتِ أكلتي؟
ضحكت بخفة.
أكلت حتة عيش صغيرة.
بصيتلها باستنكار.
دي مش أكل يا حاجة.
ضحكت وقالت
شكلك هتطلعي عليا دكتورة.
كنت بدرس تمريض.
عيونها لمعت باهتمام.
بجد؟
هزيت راسي.
بس ماكملتش.
روحت للمطبخ بسرعة وطلبت لها طبق شوربة سخنة.
وبعد شوية رجعت وقعدت أستنى لحد ما أكلت كام معلقة.
بعدها اديتها الدوا وكوباية مية.
أول ما بلعت الدوا، أخدت نفس عميق.
بس أنا لاحظت إن النفس كان تقيل.
قربت منها وسألتها
إنتِ نفسك ضيق؟
حاولت تطمني.
شوية.
في وجع في صدرك؟
لأ.
حاسّة بدوخة؟
لأ.
إيدك بتترعش أكتر؟
بصتلي وضحكت.
واضح إنك فعلًا كنتِ بتدرسي تمريض.
ابتسمت.
قلتلك.
نزلت لمستوى كرسيها وقلت
طب أنادي حد؟
ردت بهدوء
ابني جاي.
ابنك هيقابلك هنا؟
هزت راسها.
لو افتكر إن عنده أم.
ضحكت وهي بتقولها بحنان.
هو مشغول طول الوقت.
ابتسمت وقلت
طب أنا لازم أرجع لشغلي.
لسه هقوم، لقيتها مسكت إيدي.
استني.
بصيت لها.
خليكي معايا شوية.
بس أنا عندي شغل…
شدت على إيدي برفق وقالت
خمس دقايق بس.
وبصتلي بابتسامة حزينة.
الأكل لوحدك وحش أوي.
اترددت.
بس حاجة جوايا خلتني أقعد.
بدأت تسألني عن أهلي.
حكيتلها إن أبويا وأمي عايشين في المنوفية، وإن جدتي كانت عايشة معايا لحد ما ماتت السنة اللي فاتت.
ملامح الحاجة زينب اتغيرت، وبصتلي بحنان.
لكن قبل ما تقول أي كلمة…
المطعم كله اتغير.
مش بالتدريج.
في لحظة واحدة.
باب المطعم الكبير اتفتح.
والكلام بدأ يسكت ترابيزة ورا التانية.
دخل تلات رجالة لابسين بدل سودا.
الاتنين اللي ورا وقفوا عند الباب.
أما الراجل اللي في النص، فكمل مشيه جوه المطعم.
كان طويل بشكل يخوف.
عريض الكتفين.
لابس بدلة سودا تحت معطف أسود طويل.
وشه جامد، مفيهوش أي تعبير.
خطواته كانت هادية…
بس كل خطوة كان صوتها كأنه بيخبط في قلب كل واحد موجود.
أنا كنت شفت صورته قبل كده.
في الجرايد.
وفي الأخبار.
وفي كلام الناس اللي بيتقال في السر.
ياسين الجبالي.
أخطر راجل في عالم الجريمة في القاهرة.
راجل اسمه لوحده كان كفاية يخلي ناس كتير تقفل محلاتها وتختفي.
راجل محدش بيحب يقف في طريقه.
مشى ناحية الترابيزة رقم سبعة.
وأول ما وصل…
وقف.
عينه اتحركت ناحية أمه.
وبعدين ناحيتي.
وبعدين نزلت على علبة الأدوية المفتوحة جنب إيدي.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
الحاجة زينب ابتسمت وقالت
ياسين… أخيرًا يا ابني.
لكن ياسين ما ردش عليها.
ولا حتى بص لها.
فضل باصصلي أنا.
نظرة طويلة…
غامضة…
ومخيفة.
أنا بلعت ريقي وقلت
مساء الخير.
ما ردش.
قرب خطوة.
وبص على علبة الدوا.
وبعدين سأل بصوت هادي بشكل يخوف
إنتِ مين؟
اتلخبطت.
أنا… أنا سلمى. بشتغل هنا.
فضل ساكت.
وبعدين بص لأمه.
هي كانت بتعمل إيه معاكي؟
الحاجة زينب ردت قبل ما أتكلم
كانت بتساعدني يا ابني.
ياسين رجع بصلي.
تساعدك في إيه؟
قلت بسرعة
كان معاها دوا ومقدرتش تفتحه، وأنا ساعدتها تاخده بعد ما أكلت.
وشه ما اتغيرش.
لكن عينه ضاقت.
إنتِ عارفة الدوا ده؟
هزيت راسي.
أيوه.
وعرفتي منين إنها محتاجة تاخده بعد الأكل؟
أنا كنت بدرس تمريض.
لأول مرة، حاجة صغيرة جدًا ظهرت في عينه.
مش إعجاب.
ومش غضب.
حذر.
قرب أكتر من الترابيزة وقال
يعني إنتِ قعدتي مع أمي لوحدك، واديتها دوا، من غير ما تعرفي أنا مين؟
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا… أنا ماكنتش أعرف إنك…
سكت.
كان واضح إنه مستني باقي الجملة.
قلت بصوت ضعيف
ماعرفتش إنك ياسين الجبالي.
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
بس الابتسامة دي ماطمنتنيش.
بالعكس.
خوفتني أكتر.
ميل ناحيتي وقال بهدوء
ودي أول مرة في حياتي أشوف واحدة تقعد جنب أمي، وتلمس دواها، وتتصرف معاها من غير ما تسأل هي مين.
بصت للحاجة زينب.
أنا كنت بس…
قاطعتني أمه
هي أنقذتني يا ياسين.
سكت.
ياسين بص لأمه.
وبعدين رجع بصلي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل من شوية ماكانش مجرد موقف عابر.
لأ.
أنا دخلت عالم ياسين الجبالي…
من غير ما أعرف.
والأسوأ من كده؟
إنه من اللحظة دي…
بدأ يهتم يعرف أنا مين فعلًا ياسين فضل واقف قدامي ثواني طويلة، لدرجة إني حسيت إن المطعم كله اختفى، ومابقاش موجود غير أنا وهو والحاجة زينب.
مد إيده بهدوء، وقفل علبة الدوا.
وبعدين قال
إنتِ اسمك سلمى إيه؟
اتوترت.
سلمى حسن.
ساكنة فين؟
السؤال جه فجأة.
بصيتله باستغراب.
في شبرا.
لوحدك؟
أيوه.
رفع حاجبه.
أهلك؟
أبويا وأمي في المنوفية.
سكت لحظة.
وبعدين قال
ومين سمحلك تقعدي هنا؟
افتكرت إن أمه هي اللي طلبت مني أقعد.
والدتك.
بص لأمه.
الحاجة زينب ضحكت.
إيه يا ياسين؟ هتخوف البنت؟
أنا بس بسأل.
لأ، إنت مش بس بتسأل.
بصتله أمه بنظرة أم عارفة ابنها كويس.
إنت بتحقق معاها.
رجع ياسين بصلي.
ممكن.
اتوترت أكتر.
قلت بسرعة
أنا لو عملت حاجة غلط، أنا آسفة. بس والله ماكانش قصدي أتدخل في حاجة تخصكم.
قبل ما يرد، ماركو ظهر جنبنا.
كان وشه متوتر.
أستاذ ياسين…
ياسين لف له ببطء.
ماركو بلع ريقه.
البنت دي شغالة عندنا من فترة، ومش عاملة أي مشكلة.
ياسين ما بصلهوش حتى.
أنا سألتها هي.
ماركو سكت فورًا.
أنا حطيت إيدي على الترابيزة وقلت
أنا لازم أرجع شغلي.
وقفت.
لكن قبل ما أخد خطوة، سمعت صوت الحاجة زينب
استني يا سلمى.
بصيتلها.
أنا لسه ماخلصتش كلامي معاكي.
ابتسمت.
طب حاضر.
ياسين بص لأمه بنظرة طويلة.
ماما، إحنا لازم نمشي.
الحاجة زينب اتنهدت.
كل مرة تيجي تاخدني بسرعة.
وبعدين بصتلي.
ينفع تيجي تقعدي معايا بكرة؟
اتصدمت.
بكرة؟
أيوه.
ياسين قال فورًا
لأ.
بصتله أمه باستغراب.
لأ ليه؟
لأنها عندها شغل.
ردت عليه
وإنت عرفت منين؟
بصلي.
عندك شيفت بكرة؟
هزيت راسي.
أيوه… الصبح في الصيدلية.
الحاجة زينب ابتسمت.
يبقى تيجي بعد شغلها.
ياسين سكت.
وبعدين قال
هنشوف.
أنا افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن وأنا بلف علشان أمشي، سمعت صوته ورايا
سلمى.
وقفت.
بصيتله.
نعم؟
قال بهدوء
ماحدش يعرف إنك قعدتي مع أمي النهارده.
اتجمدت.
ليه؟
نظرته اتغيرت.
لأن ده مش شأن حد.
حاضر.
وخصوصًا…
سكت لحظة.
ماحدش يسألك عن اللي حصل هنا.
قلبي دق أسرع.
هو في حاجة حصلت؟
ياسين قرب خطوة.
لسه.
الكلمة خلتني أسكت.
سابني ومشي ناحية أمه.
مسك كرسيها بنفسه،


