
رفع مفردات مرتبها. وقال: “بس حد فيكم يعرف.” كل العيون اتجهت له: “حد فيكم عارف ليه دين بنت زي دي زاد بدل ما يقل.” ثم بص ناحية حمدي الشناوي: “وحد فيكم كان بياخد فلوسها كل شهر.”
حمدي حاول يتكلم. لكن ياسين رفع إيده: “قبل ما تتكلم…” اقترب منه خطوة. وقال بصوت هادي جدًا: “أنا عايز أعرف حاجة واحدة.” “إنت عملت إيه في فلوس نورهان؟”
حمدي بلع ريقه. ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا… لم يجد إجابة. لأن ياسين كان قد اكتشف أن الدين لم يكن حقيقيًا من الأساس. وأن نورهان لم تكن ضحية قرض. كانت ضحية خيانة. وخيانتها لم تبدأ في المغسلة. بل بدأت من داخل هذا القصر نفسه. والرجل الجالس على يمين ياسين… كان يخفي سرًا قادرًا على تدمير إمبراطورية المنشاوي كلها.
حمدي الشناوي فضل ساكت. ثواني. ثواني قليلة، لكنها بالنسبة لكل اللي قاعدين على السفرة كانت أطول من ساعة. ياسين ما كررش سؤاله. ما كانش محتاج. حمدي كان عارف إن سكوت ياسين أخطر من أي تهديد.
وأخيرًا قال: “أنا… معرفش حضرتك بتتكلم عن إيه.”
ياسين ابتسم. ابتسامة صغيرة جدًا، من غير أي فرحة: “غريبة.” مشى ببطء ناحية آخر السفرة، وحط مفردات مرتب نورهان قدام حمدي: “أنا سألتك سؤال بسيط.”
حمدي بص للورقة: “إنت اللي كنت مسؤول عن مرتبات العاملين.” “أيوه.” “وإنت اللي كنت بتراجع الخصومات.” “أيوه.” “وإنت اللي وافقت على القرض اللي باسم نورهان.”
حمدي رفع عينه بسرعة: “قرض إيه؟” ياسين ضحك ضحكة قصيرة: “حلوة.” وبص لباقي الرجالة: “شايفين؟”
ولا واحد اتكلم. قال ياسين: “أنا جبت محاسب من بره.” ثم أشار للباب. دخل رجل في منتصف الأربعينات، ماسك شنطة جلد سوداء.
قال ياسين: “الأستاذ سامح.” سامح حط الشنطة على السفرة وفتحها. طلع منها مجموعة ملفات. وقال: “راجعت حسابات المرتبات والخصومات الخاصة بموظفي القصر خلال آخر أربع سنين.”
حمدي بدأ يتوتر. سامح كمل: “في أكتر من تلاتين اسم اتخصم منهم مبالغ تحت بند قروض وسلف، لكن الملفات الأصلية للقروض غير موجودة في الشركة.”
محمود الديب قال: “يعني إيه؟” “يعني القروض دي مسجلة محاسبيًا، لكن مفيش مستند قانوني يثبت إن الموظفين أخدوا المبالغ دي.”
ياسين فضل باصص لحمدي. سامح فتح ملف تاني: “وفي حاجة أخطر.” حط ورقة قدام ياسين: “كل المبالغ دي كانت بتتحول لحسابات مرتبطة بشركة واحدة.”
ياسين قرأ الاسم. ثم رفع عينه: “شركة الشناوي للخدمات المالية.”
السكوت كان قاتل. حمدي وقف مرة واحدة: “دي شركة أخويا!” ياسين رد: “عارف.” “وأنا مالي؟” “أنت مالك فيها سبعة وأربعين بالمية.”
حمدي اتجمد. ياسين قرب منه: “تحب أقولهم باقي الحكاية؟” حمدي سكت. “تحب أقولهم إن الشركة دي كانت بتدي الموظفين مبالغ صغيرة جدًا، وبعدها تسجل عليهم مبالغ أكبر؟”
“أنا ما عملتش حاجة.” “تحب أقولهم إن نورهان أصلًا ما استلمتش خمسة عشر ألف؟” حمدي بص له.
ياسين قال: “استلمت سبعة آلاف بس.” سامح هز راسه: “بالضبط.” “والباقي؟” “دخل في حسابات تانية.”
محمود ضرب بإيده على السفرة: “إنت كنت بتسرقهم؟” حمدي صرخ: “أنا مش حرامي!” ياسين بص له: “أمال إيه؟” حمدي سكت.
فجأة، الباب اتفتح. دخلت نورهان. كانت واقفة عند الباب، وشكلها متوتر: “أنا آسفة…” كل الرؤوس اتجهت لها.
ياسين قال: “مين سمحلك تنزلي؟” “أنا سمعت صوت عالي.” ثم بصت للرجالة: “لو في مشكلة بسبب شغلي، أنا ممكن أمشي.”
ياسين رد فورًا: “مش هتمشي.” حمدي بص لها.
وفي اللحظة دي، حصل شيء غريب. نورهان أول ما شافته… رجعت خطوة للخلف. وشها شحب. ياسين لاحظ: “إنتي تعرفيه؟”
نورهان سكتت: “نورهان.” قالتها بهدوء. لكنها فضلت ساكتة. حمدي حاول يتدخل: “دي أول مرة أشوفها.”
نورهان رفعت عينيها له. وقالت: “لأ.” الجميع سكت: “أنا شفت حضرتك قبل كده.”
حمدي اتوتر: “فين؟” نورهان قالت: “في المستشفى.”
ياسين عقد حاجبيه: “إمتى؟” “من تلات سنين.”
حمدي بدأ يتحرك في مكانه. نورهان كملت: “كنت وقتها بقدم طلب مساعدة لعلاج أمي.” ثم بصت لحمدي: “حضرتك كنت هناك.”
حمدي قال بسرعة: “أنا مش فاكر.” “أنا فاكرة.” سكتت: “كنت لابس بدلة رمادي.” حمدي ابتلع ريقه: “وقلتلي إن لو عايزة المساعدة، لازم أمضي على ورق.”
ياسين بص له. نورهان كملت: “أنا كنت فاكرة إن الورق خاص بالمساعدة.” ثم رفعت إيديها المصابة: “طلع قرض.”
الغرفة كلها سكتت. قالت: “أنا ما كنتش فاهمة.” ثم بصت لياسين: “كنت محتاجة فلوس علاج أمي.” صوتها بدأ يرتعش: “قالولي إمضي هنا وهنا، وهتوصلي الفلوس خلال أسبوع.”
“وصلك كام؟” سأل ياسين. “سبعة آلاف.”
سامح قال: “والخمستاشر ألف اتسجلوا عليها.” نورهان هزت راسها: “أيوه.” ثم قالت: “بعد شهر، بدأت الخصومات.”
“ولما اعترضتي؟” “قالولي إني وقعت.” سكتت: “طلبت نسخة من العقد.” “وادوكي؟” هزت راسها: “لأ.”
ياسين كان يسمعها وهو يشعر أن شيئًا بداخله يتحطم. لم تكن مجرد سرقة أموال. لقد تم استغلال خوفها على أمها. ثم تم ربطها بدين لم تفهم حقيقته. والأسوأ… أنها لم تكن الوحيدة.
سامح فتح ملفًا آخر: “في سبعة عشر موظف تاني بنفس الطريقة.” حمدي انفجر: “كذب!” سامح أخرج مجموعة أوراق: “التوقيعات موجودة.”



