روايات وقصص

وقفت طفلة أمام زعيم المافيا حكايات شروق خالد

رجعت بصيت لمحمود وقلت:

«هنرجع البيت.»

قال باستغراب:

«بيت مين؟»

«بيت حسام.»

ملك كانت ماسكة إيدي بقوة.

أول مرة لمست فيها إيدي، حسيت إن كل السنوات اللي ضاعت مني رجعت تضرب في صدري مرة واحدة.

وصلنا البيت بعد أقل من نصف ساعة.

حسام كان واقف في الصالة.

لكن سلمى لم تكن هناك.

دخلت وأنا ماسك أعصابي بالعافية.

قلت:

«فينها؟»

ابتسم.

«مش فاهم بتتكلم عن مين.»

رميت الصورة قدامه.

«سلمى.»

وشه اتغير.

لأول مرة أشوف الخوف في عينيه.

قال:

«أحمد، اسمعني.»

صرخت:

«فين مراتي؟!»

قبل ما يرد، سمعنا صوت خافت جاي من الدور العلوي.

ملك جريت ناحية السلم.

«ماما!»

حسام حاول يمنعها.

لكن محمود وقف في طريقه.

طلعت أنا بسرعة.

فتحنا باب غرفة مقفولة.

وكانت سلمى هناك.

ضعيفة، شاحبة، وعلى ذراعها آثار إبر طبية.

أول ما شافتني، دموعها نزلت.

قالت:

«كنت عارفة إنك هتلاقيها.»

جريت ناحيتها واحتضنتها.

لثوانٍ، نسيت كل حاجة.

نسيت حسام.

نسيت تمن سنين.

نسيت كل الغضب.

لم يكن أمامي سوى المرأة التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد.

قلت لها:

«ليه؟ ليه ماحاولتيش توصلي لي؟»

بكت وقالت:

«حاولت.»

ثم أشارت إلى حسام.

«كل مرة كنت بحاول، كان بيهددني بيك وبملك.»

حسام صرخ:

«أنا كنت بحميك!»

لفيت له.

«تحميني من مراتي وبنتي؟»

صرخ:

«لو عرفت الحقيقة وقتها، كانوا هيقتلوك!»

سكت.

ثم قال:

«أبويا كان سايب لك كل حاجة.»

بدأت الصورة تتضح.

بعد وفاة والدي، اكتشفتُ أن كل ثروته تقريبًا ستؤول إليّ، وأن حسام كان سيخسر نفوذه وشركاته.

وفي نفس الفترة، كانت سلمى حاملًا.

حسام دبّر حادثًا لي، لكنه فشل.

ثم أخبر سلمى أنني مت.

وعندما اكتشفت أنها ما زالت حية، أخذ منها ملك وأقنعها أن ظهوري مرة أخرى سيعرضنا جميعًا للخطر.

لكن سلمى رفضت أن تصدقه.

فحبسها.

أما ملك، فأرسلها إلى عائلة بعيدة، وكان يدفع تكاليفها سرًا حتى يضمن أن تظل تحت سيطرته.

الشيء الوحيد الذي لم يتوقعه…

أن ملك عثرت على الخطاب القديم الذي كتبته سلمى لي قبل سنوات.

وكانت تحتفظ به طوال الوقت.

ملك كانت السبب في سقوط كل شيء.

لكن بقي سؤال واحد.

«ليه كنت بتدفع علاج سلمى؟»

حسام لم يرد.

سلمى قالت:

«لأن مرضي كان محتاج علاج مستمر.»

ثم نظرت إليه.

«هو ماكانش عايزني أموت.»

سألتها:

«ليه؟»

قالت:

«لأنه كان محتاجني أعيش عشان يفضل مهددك بيا.»

في تلك اللحظة دخلت الشرطة.

كان محمود قد أبلغهم بكل شيء قبل وصولنا.

حاول حسام الهرب.

لكن انتهى كل شيء.

تم القبض عليه، وبعد التحقيق ظهرت التحويلات البنكية، والتسجيلات، وتقارير المستشفى، والصور المزورة، وشهادات الأشخاص الذين ساعدوه.

لم يعد قادرًا على إنكار أي شيء.

وبعد شهور طويلة، صدرت الأحكام بحقه وبحق كل من شاركه.

أما أنا…

فكان عندي شيء أهم من أي انتقام.

كان عندي بيت عاد إليه ثلاثة أشخاص بدلًا من شخص واحد.

سلمى تعافت تدريجيًا.

وملك بدأت تذهب إلى المدرسة لأول مرة وهي تعرف اسم والدها الحقيقي.

في إحدى الليالي، كنت جالسًا في الشرفة.

جاءت ملك وجلست بجانبي.

قالت:

«بابا؟»

تجمدت للحظة.

كانت أول مرة تناديني فيها هكذا.

بصيت لها.

«نعم يا حبيبتي؟»

ابتسمت.

«هو أنا أقدر أقولك بابا كل يوم؟»

ضحكت ودموعي نزلت.

«تقدري تقوليها لحد ما تزهقي.»

ضحكت، ثم ارتمت في حضني.

بعدها خرجت سلمى.

وقفت أمامنا.

نظرت إليّ وقالت:

«سامحتني؟»

وقفت.

اقتربت منها.

«إنتِ ماكانش عندك حاجة تعتذري عنها.»

قالت:

«ضاعت مننا تمن سنين.»

مسكت إيدها.

«بس لسه قدامنا العمر كله.»

نظرت إليّ والدموع في عينيها.

ثم قالت:

«وأنا كنت فاكرة إن اليوم اللي هتكرهني فيه للأبد هو آخر يوم في حياتي.»

هززت رأسي.

«وأنا كنت فاكر إنك متِ.»

ابتسمت وسط دموعها.

«إحنا الاتنين كنا عايشين نص عمرنا في كذبة.»

نظرت إلى ملك.

كانت تضحك وهي تمسك بيدي ويد أمها.

قلت:

«بس بنتنا هي اللي كشفت الحقيقة.»

ومن يومها، لم تعد ملك تقول لي «يا سيدي».

كانت تقول:

«بابا.»

وكانت الكلمة بالنسبة لي أغلى من كل الأموال والشركات والنفوذ الذي امتلكته في حياتي.

أما الخطاب الذي بدأت به الحكاية…

فاحتفظت به في صندوق خشبي صغير.

ليس لأنه يحمل سرًا.

بل لأنه يذكرني دائمًا بأن بعض الأشياء يمكن أن تضيع لسنوات…

لكن إذا كان الحب حقيقيًا، فقد يجد طريقه للعودة.

ثماني سنوات سرقها الخوف والكذب منا.

لكن ملك أعادتها لنا في يوم واحد…

يوم وقفت طفلة صغيرة تحت المطر أمام بوابة رجل لا تعرفه، وسلمته جوابًا…

ثم قالت له:

«ماما قالت إنك بابا.»

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى